الاستبشار بأسماء الله الحسنى في الصلاة

الاستبشار بأسماء الله الحسنى في الصلاة

بقلم سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

 للعبد المؤمن مع أسماء الله الحسنى وصفاته العلا علاقة وطيدة كيف لا وهو سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا) [الأعراف: 180] وقد عرّفنا الله عز وجلّ في القرآن عن نفسه وصفاته وأسمائه لنتعبده بها وتعظّمه بها وتقرّ في قلوبنا معرفته سبحانه حقًا وكلما تعرفنا عليه أكثر ازددنا تعلّقًا به وتعظيمًا وتنزيها له وخشية وخوفا منه ومهابة له ولجوءًا إليه جلّ جلاله وتضرّعًا إليه وعبادة له بهذه الأسماء. والصلاة بين يدي الله العظيم الذي بيده خزائن السموات والأرض وهو على كل شيء قدير وعلى كل شيء وكيل وهو السميع البصير الخبير بخلقه في السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة كل شيء في الكون خاضع لجلاله طوعًا أو كرها لكن هناك فرق شاسع بين من يخضع له كَرها وبين يخضع له طوعًا معترفًا له بكل صفات جلاله وأسمائه وقدرته وعظمته.

والمصلي الحقّ الذي يسعى لإقامة صلاته على الوجه الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى هو المصلي الذي يدخل في حمى الله طوعًا ورغبة وشوقا ومحبة ويتلقى من أنوار أسماء الله الحسنى ما يغنيه عن كل نور ممن سواه، ويتزود من معين الجلال والجمال في أسماء الله تعالى ما يملأ قلبه رضى وسكينة ورجاء ويقينًا وعزيمة وقوة يتزود بها على مشاق الدنيا فإذا كان تأثير القرآن الكريم الذي هو كلام الله يصدّع الجبال فتخرّ خاشعة فما حال قلوبنا إذن مع أسماء الله الحسنى وصفاته؟! ألا يجدر بقلوبنا أن تخر خاشعة متصدعة من خشيته وعظمته ومحبته والشوق للقائه والأنس والتلذذ بمناجاته؟! قد آن أن تتلقى قلوبنا أسماء الله الحسنى وصفاته وكلامه لتلين وتخضع فتلين الجلود والجوارح وتفيض العيون..

ورحلة المصلي مع أسماء الله الحسنى رحلة يومية متكررة ينبغي له فيها أن يستبشر بها فالفرح بالله أعلى مقامات العبادة كما قال ابن القيم. ومع فرحه بالله يستشعر العبد عجزه أمام عظمة الله فيزداد به تعلقًا فيعيش المصلي بين فرح بالله ولقائه ولجوء لله القوي المالك لكل شيء.

نبدأ الرحلة مع أسماء الله الحسنى مع سورة الفاتحة التي سميت الصلاة لأنه لا تصح الصلاة إلا بها نتعرض لنفحات أسماء الله الحسنى فيها: الله، رب العالمين، الرحمن، الرحيم، مالك يوم الدين، نرددها ونتأمل في معانيها ونستحضر حاجتنا لكل اسم منها:

مقام الألوهية (الله) سبحانه خالق كل شيء وإله كل شيء لا إله إلا هو وحده لا شريك له ولا معبود بحق سواه، فأعلن توحيدك له وجدد الإقرار له بالألوهية المطلقة.

مقام الربوبية (رب العالمين) مقام التربية والعناية والرزق وتدبير الأمر وتسخير ما في السموات والأرض للمخلوقين، الرب المربي السيد الرزاق الوهاب المدبر لشؤون خلقه... فتعرّض لنفحات الرب والجأ إليه وتوكل عليه وأحسن الظن به في كل أمرك..

مقام الرحمة (الرحمن الرحيم) الرحمة العامة بالخلق جميعًا والرحمة الخاصة بالمؤمنين منهم ومن رحمة الرحيم بالمؤمنين من عباده هدايته لهم ورعايته لهم حتى يستقيموا على صراطه المستقيم..تقرّب إلى الرحمن الرحيم بأن ترحم الناس وتخلّق بشيء من هذين الاسمين لعلك تنال من رحمات الرحمن الرحيم ما يغفر به ذنبك ويشرح به صدرك..

مقام التمجيد (مالك يوم الدين) سبحانه، له وحده ملك الدنيا والآخرة، هو سبحانه يبعث الخلق ويجمعهم ويحاسبهم لا يظلم منهم أحدا.. ذكّر نفسك دائمًا بهذا اليوم وأيقظ قلبك الغافل عنه وراقب عملك وقولك وانظر أين سيوضع في يوم الدين؟ في ميزان حسناتك أو سيئاتك؟ ذكّر نفسك به لتستقيم حياتك حتى تلقى مالك يوم الدين وملكه..

مقام التعظيم (سبحان ربي العظيم) عظّم الله في قلبك وفي جوارحك وفي قولك وتأمل عظمة العظيم من حولك، عظيم خلقه في الكون وعظيم خلقه في نفسك أنت وفي جسدك، وتواضع للعظيم وحذار من الطغيان أمام اسم الله العظيم...

مقام الخضوع والتذلل (سبحان ربي الأعلى) خضوع تام للأعلى سبحانه واستسلام بكل ذرة من قلبك وجوارحك وتعلم من هذا الاسم العليّ أن تتبرأ من حولك وقوتك أمام علو العليّ سبحانه فأنت وكل المخلوقات والكون في قبضته سبحانه فلا تتكبر ولا تترفع على خلق الله ولا على أوامره وامتثل للأعلى بالسمع والطاعة في كل أمر ونهي تكن من الفائزين...

ولا تكتفِ بالعيش مع هذه الأسماء الحسنى فقط بل اختر من آيات القرآن ما اشتمل على أسماء أخرى لتعيش مع كل اسم لذة خاصة وأُنسًا خاصًا وتعرّضًا لنفحات أخرى من الجلال والجمال والعظمة.. 

وعندما تستشعر معنى العيش بين ظلال أسماء الله الحسنى فإنك لن تختار أن تقرأ بعد الفاتحة سورة الإخلاص لأنها أقصر سورة يمكن أن تقرأها وإنما سيختارها قلبك لأنها سورة التعريف بالله جل جلاله بكلامه هو سبحانه عز وجل.

وهكذا عندما تستحضر وأنت قائم في صلاتك بين يدي الله أنه جلّ جلاله الله الذي له الأسماء الحسنى ستذوق لذة الخشوع بين يدي الله وستعرف معنى العبودية الحقّة وستفرح بتشريف الله لك أن تكون من عباده (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (58) يونس) فأرعِ سمعك لرب العالمين يؤكد لك سبع مرات أنك أنت من بين سائر البشر أنت عبده في سورة الفاتحة وحدها: حمدني عبدي، أثنى عليّ عبدي، مجّدني عبدي، هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، هذا لعبدي ولعبدي ما سأل...

هنيئّا لك يا عبد الله بهذا التشريف الإلهي الرباني لك، هذا حافز لك في بداية كل ركعة أن تتمها عبدًا لله حقّا معظّما له سبحانه خاضعًا خاشعًا له وحده فتخرج من صلاتك بقلب غير الذي دخلت به وبإيمان أعظم مما دخلت به لكن إياك أن يدخلك العُجب والاغترار بعطايا الرب الكريم فاستغفره ثلاثًا وسلّم على السلام سبحانه فهو السلام ومنه السلام وإليه السلام واختم صلاتك بخاتم آية الكرسي هذا الكنز من تحت العرش فنفاسة هذا الكنز بنفاسة أسماء الله الحسنى التي فيه فتأملها وحلّق في فضاءاتها ما شئت ولا تسل عن حال قلبك بعدها ولا عن حال روحك السابحة في الملأ الأعلى....

إلهٌ هذه صفاته وهذه أسمائه، إله بهذا الجلال والجمال والعظمة والهيبة والعزة والقدرة والقدسية والرحمة ألا يُتشوق للقائه؟! ألا يُرجى رضاه وعفوه؟! ألا يُخطب ودّه؟! ألا يُخضع لعظمته وهيبته؟! ألا يُملأ القلب بمحبته؟! ألا يخشع الكون لجلاله؟! أفلا يقف العبد بين يديه في صلاته خاشعًا خاضعًا طائعًا مقبلًا عليه بكل ذرة من جسده وروحه؟!

 اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا أن تعرّفني بك وتجعلني ممن يتقرب إليك بأسمائك وصفاتك ويتخلق بها ويعظمها ويتعبدك بها ويدعوك بها يا ذا الجلال والإكرام...



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل