تفسير سورة النبأ - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة النبأ - الدكتور صالح بن عبدالرحمن الخضيري – دورة الأترجة القرآنية

التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات

(عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿١﴾ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴿٢﴾ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴿٣﴾ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٥﴾ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ﴿٦﴾ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴿٧﴾ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا ﴿٨﴾ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ﴿٩﴾ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ﴿١٠﴾ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴿١١﴾ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا ﴿١٢﴾ وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا ﴿١٣﴾ وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا ﴿١٤﴾ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ﴿١٥﴾ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ﴿١٦﴾)

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام المتقين وخاتم النبيين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فهذا المجلس يبتدئ بسورة النبأ وسورة النبأ هي أول أوساط المفصّل وغالب هذا الجزء "الجزء الثلاثين" غالب سوره مكية ويكون التركيز فيه على إثبات البعث وأنه حقّ والتذكير بيوم القيامة والوعد والوعيد والجنة والنار وصِدْق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بما أرسله الله تعالى به وتكذيب دعاوى المشركين في إنكارهم للبعث ونحو هذه الموضوعات.

وسورة النبأ وتسمى سورة "عمّ يتساءلون" هي من السور العظيمة وكل القرآن عظيم فهي تصوّر مشاهد يوم القيامة وما يحصل للناس فيه. ثم إنها تُفتَتح بالحديث عن هذا اليوم العظيم وهو يوم القيامة فلقد أرسل الله عز وجل رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن بالحقّ ليدعو الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له وليبين لهم أن الإنسان مهما عاش في هذه الحياة الدنيا وامتدّت أيامه فإن مصيره إلى الموت ثم بعد الموت يكون البعث والحساب ثم يكون المستقرّ إما إلى جنة وإما إلى نار. فقال الله تبارك وتعالى مكذِّباً للمشركين في إنكارهم لما جاء به رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام من البعث وأنهم يستبعدون ذلك قال الله (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1)) عن أيّ شيء يتساءل المشركون؟! يسأل بعضهم بعضاً كما قال تعالى (يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12))[الذاريات] وقال تعالى (وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (49))[الإسراء] وقال تعالى عنهم أنهم قالوا (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3))[سورة ق]. فقال الله (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1)) عن أيّ شيء يسأل بعضهم بعضاً؟! وهذا استفهام جاء الجواب عنه بقوله تعالى (عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2)) وهو البعث بعد الموت، (عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ) عن الخبر الهائل الباهر المُفْظِع وهو يوم القيامة.

(الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3)) بين مصدِّق به ومكذِّب وبين مؤمن به وبين كافر فالناس فيه على قولين في يوم القيامة: أهل الإيمان صدقوا به وآمنوا والمشركون أنكروا ذلك واستبعدوه. ثم قال تعالى متوعّداً لمنكري يوم القيامة (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4)) و"كلا" للردع والزجر. (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4)) فهذا تهديد شديد ووعيد أكيد للمُنكرين قال الله تعالى (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7))[التغابن]. والإيمان بالبعث، الإيمان باليوم الآخر ركنٌ من أركان الإيمان الستّة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل عليه الصلاة والسلام قال: "أخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرّه» فاليوم الآخر هو يوم القيامة وهو يوم البعث وهو يوم الحشر وهو يوم التغابن وهو يوم التناد وهو الصاخّة وهو الطامّة وهو يوم البعث. (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)) تأكيدٌ للردع والزجر والتهديد والوعيد للمكذّبين برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من إثبات البعث.

ثم شرع جل وعلا يبيّن قدرته العظيمة على خلق الأشياء الغريبة والأمور العجيبة التي تدلّ على عظيم قدرته سبحانه وتعالى وأنه على كل شيء قدير، فكيف يستبعد هؤلاء المشركون إعادة الأجساد؟! كيف يستبعدون يوم البعث ويوم القيامة؟! (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6)) فهذه الأرض التي يمشون عليها جعلها الله سبحانه وتعالى مذلّلة جعلها ممهّدة كما قال سبحانه وتعالى (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10))[الزخرف] وهنا قوله (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6)) الهمزة هنا للاستفهام التقريري أي "قد جعلنا الأرض مهاداً" و"جعل" هنا بمعنى صيّر والجعل ينقسم إلى قسمين: جعل شرعي وجعل كوني والمراد هنا أيهما؟ الجعل الكوني، ألم نصيّر الأرض ممهّدة مفروشة مبسوطة للخلائق مذلّلة لهم مستقرة ثابتة؟ (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا)، (وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (48))[الذاريات] (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20))[نوح] (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15))[الملك] والقرآن الكريم يفسِّر بعضه بعضاً. (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7)) أي وجعلنا أوتاداً ثبتنا بها الأرض وأرسيناها حتى لا تضطرب ولئلا تميد بأهلها (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ)[النحل:15] فجعلها الله سبحانه وتعالى جعل هذه الجبال مثبِّتة للأرض بقدرته سبحانه وتعالى حتى سكنت ولم تضطرب بمن عليها. (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8)) ذكر بعض أهل العلم أن هذه الجبال التي نشاهدها ثُلُثاها في عمق الأرض يعني مقدار الثلثين في عمق الأرض والثُلُث فقط فوق الأرض فسبحان الله العظيم!

(وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8)) أي جعلناكم أصنافاً ذكوراً وإناثاً ليحصل التزاوج بين الذكر والأنثى وليسكن كل منهما إلى الآخر كما قال تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)[الروم:21] وقال عزّ وجل (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45))[النجم] وقال (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً) [النحل:72] وقال سبحانه (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) [الشورى:11].

ثم أيضاً (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9)) النوم آية من آيات الله كما قال تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ)[الروم:23] النوم أخو الموت بل هو الموتة الصغرى (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)[الزمر:42] فجعل الله هذا النوم جعله قاطعاً للتعب فإذا نام الإنسان ثم استيقظ زال عنه التعب ورجع إلى حيويته ونشاطه وعمله. (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9)) والسُبات السبت هو القطع وفي النوم فائدتان:

·         الأولى راحة الجسم من تعب الكد والعمل والسير في الأرض

·        والفائدة الثانية أنه أي النوم يعين بأمر الله على سرعة انهضام الطعام لأن المعدة تتفرغ بأمر الله إذا سكن جسم الإنسان وهدأ تتفرغ لهضم هذا الطعام.

ففيه سكون الأعضاء وهضم الطعام وهو آية من آيات الله كما سبق، ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن ينام يقول: «باسمك اللهم أموت وأحيا» وإذا استيقظ قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور» فهو أخو الموت هو الموتة الصغرى.

(وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10)) أي ساتراً للكون مغطّياً له بظلامه يغشى الناس هذا الظلام والسواد كما قال تعالى (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4))[الشمس] وقال سبحانه وتعالى (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا)[الأنعام:96]. (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10)) فهو يغطّي الكون بظلامه، يغشى الكون. (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11)) النهار وقت جعله الله تعالى وقتاً للكسب، للسعي، للسير في الأرض، للحركة، للعمل، فإذا طلعت الشمس وأشرقت بضيائها على الناس انطلق الناس لأعمالهم (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12))[الإسراء]. فمن دلائل كمال قدرة الله عزّ وجل وعظيم نعمته أن فاوت بين الليل والنهار فجعل الليل للهدوء والسكن وجعل النهار للحركة والعمل قال الله تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73))[القصص] فهذه نعمة من نعم الله سبحانه وتعالى.

(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12)) يعني السماوات السبع في اتساعها وارتفاعها وإحكامها وإتقانها كما قال تعالى (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3)) ترى من شقوق؟ (ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4))[الملك] شدادًا قوية مُحْكَمة رفيعة البناء. وأيضاً قال الله عز وجل عن هذه السماوات أخبر أنها بلا عَمَد فقال عز وجل (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا)[لقمان:10] وقال جل وعلا مبيناً أنه هو الذي يُمسِك السماء بقدرته سبحانه وتعالى أن تقع على الأرض ولو لم يمسكها لوقعت فقال مبيّناً نعمته (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65))[الحج] (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41))[فاطر].

(وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13)) السراج هي الشمس (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61))[الفرقان] فجعل الله سبحانه وتعالى هذه الشمس جعل فيها من المصالح للعباد جعل فيها النور مضيئاً قال الله عز وجل (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا)[يونس:5] جعل الشمس ضياء، فالشمس هذه جعلها الله سراجاً منيراً وهّاجاً يتوهّج ضوؤه فتعمّ الكون بمنافعها وبدفئها وحرارتها وضوئها ويستفاد منها فيها منافع عظيمة للناس، وأظنكم سمعتم من أواخر ما عُلِم بعض الأجهزة التي تشتغل عبر الطاقة الشمسية، الحرارة، فهذا مما هدى الله تعالى إليه عقول بني آدم ليستفيدوا من الشمس كمال الاستفادة.

(وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14)) والمُعصِرات هي السَحَاب تحتلّب بالمطر ولم تُمطِر بعد ثم بأمر الله سبحانه وتعالى ينزل المطر كما قال تعالى (وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (12))[الرعد]. (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ) من هذه السحاب التي يعتصر منها المطر ويخرج من خلالها رحمة بكم ولو شاء الله لانصبّ انصباباً فأضرّ بالناس لكنه ينزل شيئاً فشيئاً (مِنَ الْمُعْصِرَاتِ) كأنها تُحتَلَب تُعتَصر عصرًا ولو فتح الله السحب لهلك الناس وهلكت زروعهم وحيواناتهم وأضرّ بهم ذلك لكنه جعله الله ينزل رويدًا رويدًا (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ) سماها معصرات فلا ينصبّ بقوة فيضرّ ما نزل عليه (مَاءً ثَجَّاجًا (14)) منصبًا بكثرة وغزارة وتتابع لكنه عن طريق الرفق بالعباد، شيئاً فشيئاً، ثم إذا اجتمع صار ماء كثيراً غزيراً ينتفع الناس منه يشربون ويسقون ويغتسلون ويتوضؤون ويبنون ويسقون (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ) أي من السحاب (أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70))[الواقعة] ينزله الله تعالى بقدرته من علو من السحاب لأنه لو نزل من ناحية دون ناحية أخرى لامتلأت الناحية التي نزل منها وغرقت ولم يصل للناحية الأخرى فاقتضت رحمته أن ينزل من علو من السحاب ليعمّ عموم الأرض. يعمّ جبالها ووهادها ومنخفضاتها ومرتفعاتها وأوديتها وأشجارها. (مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15)) هذا الماء النازل من السماء ينزل بقَدَر كما قال تعالى (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا)[الزخرف:11] ولهذا سمي ميكائيل بهذا الاسم وهو الموكَّل بالقطر لأنه يكيل القطر، موكّل بالقطر. وكل ما في باطن الأرض من الماء فهو من ماء المطر (فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ)[المؤمنون:18] كما قال تعالى وقال (فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22))[الحجر] يعني نحن الذين خزناه في الأرض (فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ) لماذا؟ للتعليل، لام التعليل هنا (لِنُخْرِجَ بِهِ) أي لأجل أن نخرج بهذا الماء حبّاً أنواع الحبوب من البُرّ والشعير والذرة والأرز وغيرها مما يأكله الناس والأنعام ومما يدّخرون (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33))[يس].

(لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15)) نباتاً أي خَضِراً مما يأكل الناس والأنعام رطباً، قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا)[الأنعام:99]. وأيضاً (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16)) بساتين وحدائق ملتفّة بأنواع الأشجار مختلفة بأنواع الثمار والماء واحد، الله أكبر! (يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ)[الرعد:4] الماء واحد، فتُنبِت هذه البساتين الحلو والحامض والأحمر والأصفر وأنواع الورود والزهور والمُرّ والمسقى به واحد (يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4))[الرعد]. (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16)) أي بساتين ملتفّة يلفّ بعضها بعضاً، تجتمع، مجتمعة.

ثم انتقل السياق مرة أخرى إلى إثبات هذا اليوم العظيم كما بُدِئت السورة ببيان النبأ العظيم قال الله (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ) يوم القيامة، قال تعالى (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (38))[المرسلات] وقال تعالى (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (41) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (42))[الدخان]. (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17)) هم كذبوا بالبعث فتوعدهم الله وهددهم وبيّن لهم بعض النعم التي أنعم جل وعلا بها عليهم وبعض دلائل القدرة التي نبّههم سبحانه وتعالى عليها ثم بعد ذلك بيّن الله في هذه الآيات تفصيل هذا اليوم فقال (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ) سُميَ يوم الفصل لأنه يُفصل بين العباد وبين الرسل وبين الأمم يأخذ المظلوم حقّه من الظالم يُنصَف من الظالم، قال النبي عليه السلام "لتؤدن الحقوق إلى أصحابهاحتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء". ثم بعد ذلك يُفصَل بين أهل السعادة وبين أهل الشقاوة فالسعداء يكون مصيرهم الجنة والأشقياء يكون مصيرهم إلى النار. (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17)) له وقت بأجل محدد لا يتقدم عنه ولا يتأخر فهو محدّد بوقت معين قال تعالى (قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (30))[سبأ] وقال تعالى (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50))[الواقعة] وقال تعالى (قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38))[الحجر] وهذا فيه تأكيد لمجيء هذا اليوم وأنه سيأتي في وقته المحدّد وفي هذا ردٌّ على مُنكري البعث وعلى من استعجل به وطلبه كما قال عن المشركين (وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (16))[سورة ص] قال الله تعالى أيضاً (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (53))[العنكبوت] فهو محدّد بوقت (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17)) محدّد بوقت معين يعلمه الله سبحانه وتعالى.

ثم ذكر الله تبارك وتعالى بعض مظاهر هذا اليوم فقال (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) ينفخ إسرافيل عليه الصلاة والسلام ينفخ في الصور وهو القرن بأمر الله تعالى يأمره الله أن ينفخ النفخة الثانية فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين إلى أرض المحشر ليحاسَبوا. وهما نفختان: الأولى نفخة الفزع والصعق والموت والثانية نفخة البعث والقيام للحساب كما قال تعالى (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68))[الزمر] وقال تعالى (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7))[النازعات]. وقد جاء عند الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كيف أنعم وقد التقم صاحب القَرْنِ القَرْنَ وحنى جبهته وأصغى بسمعه ينظر متى يؤمر؟» يعني متى يؤمر أن ينفخ في الصور. وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما بين النفختين أربعون، قالوا: أربعون يوماً؟ فقال أبو هريرة: أبيتُ - أبيت يعني ما أدري - قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيتُ، ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظماً واحداً، وهو عجب الذنب، ومنه يُركّب الخلق يوم القيامة» هذا في الصحيحين.

(يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18)) تجيئون ليوم القيامة، لموقف، لهذا اليوم العظيم تأتون أفواجاً جماعات (فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18)) فيأتي الناس للقيامة جماعات، جماعات كما قال تعالى (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ) يعني من القبور (إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51))[يس] وقال تعالى (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا) [الجاثية:28].

(وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ) شُققت السماء وفُطِرَت كما قال تعالى (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1))[الانشقاق] وقال (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ)[الفرقان:25] وقال (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1))[الانفطار] (فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19)) صارت طرقاً ومسالك لنزول الملائكة عليهم الصلاة والسلام (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (25))[الفرقان].

(وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ) الجبال هذه العظيمة بعد أن كانت راسية ثابتة سُيِّرت فصارت تتحرك وتميد (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ)[النمل:88]. قال تعالى (وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (10))[الطور] وقال (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5)) [القارعة] وقال (وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3))[التكوير]. (فَكَانَتْ سَرَابًا (20)) يخيّل للناظر أنها شيء وليست بشيء،ليست بشيء، تذهب بالكُلّية لا عين ولا أثر (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107))[طه] وقال تعالى في سورة المرسلات كما سبق (وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (10)) فتسير الجبال وتكون في الخِفّة كالعهن المنفوش وفي السرعة تكون كَمَرّ السحاب تذهب وتضمحل.

(إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21)) جهنم اسم من أسماء النار أعاذنا الله وإياكم منها (كَانَتْ مِرْصَادًا (21)) مُرصَدة مُعدَّة مهيأة لمن؟ (لِلطَّاغِينَ) لهؤلاء المشركين الكفرة الذين تجاوزوا الحدود الشرعية وارتكبوا ما نهاهم الله عنه. (كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (22)) فهي مرجع ومصير لهم كما قال تعالى (فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39))[النازعات] وقال تعالى (هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56))[سورة ص]. (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23)) أي إن هؤلاء الطاغين، هؤلاء الكفرة، هؤلاء المشركين يقيمون في النار أحقاباً جمع حِقَب والحِقَب جمع حقبة والحقبة الدهر المدة من الزمن قيل إنها ثمانون سنة. يعني يقيمون في النار دهوراً ومدة طويلة لا تنتهي ولا تنقطع كلما مضت مدة جاءت مدة أخرى وهكذا. فإن النار لا تفنى ولا يفنى عذاب أهلها كما دلّت على ذلك الأدلة الصحيحة.

(لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24)) لا يجدون في جهنم برداً تبرد به ظواهر أبدانهم ولا شراباً يُذهِب ظمأهم وتبرد به أجوافهم والعياذ بالله (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24)). ولما نفى ذوق البرد والشراب ربما توهّم السامع أنهما لا يذوقون غيرهما فقال (إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25)) فيكون الاستثناء من عامٍّ مقدّر هنا يكون الاستثناء هنا من عام ومقدر لأنه ربما يتوهم السامع أنهما لا يذوقون غيرهما فقال (إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25)) استثنى من البرد الحميم ومن الشراب الغسّاق كما قال أبو العالية والربيع بن أنس. أما الحميم فهو الحارّ الذي قد انتهى حره وشدّته والعياذ بالله كما قال تعالى (وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (15))[محمد]. والغسّاق ما اجتمع من صديد أهل النار وعرقهم ودموعهم وجروحهم، فهو بارد لا يُستطاع من شدّة برده، ولا يواجه من رائحته ونتنه والعياذ بالله. وقد مر الغسّاق في سورة ص في قوله تعالى (هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58)). (جَزَاءً وِفَاقًا (26)) هذا الذي صاروا إليه من هذه العقوبة وفق أعمالهم الفاسدة (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27)) لم يكونوا يعتقدون أن ثمّ داراً يُجزَون فيها ويُحاسَبون (وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) بحجج الله جل وعلا وبراهينه التي أنزلها على رسله وبكتبه كذبوا تكذيباً (وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (28)) (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (30)) يقال لأهل النار والعياذ بالله ذوقوا ما أنتم فيه فلن نزيدكم إلا عذاباً من جنسه.

ثم قال تعالى (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31)) السعداء هؤلاء لهم من النعيم والكرامة لهم مفاز، لهم متنزّه. ثم ذكر الله جل وعلا شيئاً من هذا النعيم فقال (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32)) وهي البساتين من النخيل وغيرها (وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33)) أي حوراً كواعب نواهِد يعني ثُدُيَّهُن نواهِد لم يتدلّين لأنهن أَبْكَارٌ عُرُبٌ أَتْرَاب، كواعب من الاستدارة. (وَكَأْسًا دِهَاقًا (34)) أي لهم في الجنة كأس الخمر الذي هو لذّة للشاربين (دِهَاقًا) مملوءة متتابعة.

ثم ذكر الله تبارك وتعالى بعدما بيّن أنهم يشربون من كأس الخمر المملوءة المتتابعة الصافية قال (لَا يَسْمَعُونَ) أي في الجنة (لَغْوًا) أي كلاماً لاغياً باطلاً لا فائدة فيه (وَلَا كِذَّابًا (35)) لا يسمعون فيها تكذيباً وإثماً كما قال تعالى (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26))[الواقعة] وقال (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62))[مريم].

(جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36)) عطاء كثيراً وافياً (وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) عطاءً من ربك، كفى بعطاء الله سبحانه وتعالى. هناك قال في الطاغين (جَزَاءً وِفَاقًا (26)) وهنا قال (جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36)) فمجازاة الطاغين يكون الجزاء موافقًا لأعمالهم وهذا عدلٌ منه سبحانه وتعالى وفي مجازاة المتقين يكون الجزاء مضاعفاً لهم وأوفى فضل منه سبحانه وتعالى. (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (37)) فربنا جلّ وعلا الربّ، الرحمن سبحانه وتعالى لعظمته وجلاله لا يقدِر أحد على ابتداء مخاطبته إلا بإذنه كما قال تعالى (يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ)[هود:105] وقال (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ)[البقرة:255].

(يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ) وهو جبريل عليه الصلاة والسلام كما قال تعالى (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193))[الشعراء] وخصّ جبريل بالذكر من بين الملائكة لفضله وعظيم منزلته وشرفه عليه الصلاة والسلام لأنه هو الموكّل بالوحي. (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ) وذهب بعض المفسرين ورجّح هذا ابن كثير إلى أن المراد بالروح هم بنو آدم (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ) قال هم بنو آدم لأن الله أوجد فيهم الأرواح لكن الأوّل هو أرجح والله أعلم أن المراد بالروح هو جبريل عليه الصلاة والسلام. (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا) مصطفين لا يتكلّم أحد منهم تعظيماً لله عز وجل وهيبة (إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ) بالكلام (وَقَالَ) قولاً (صَوَابًا (38)) قال قولاً حقاً. (ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ) وهو يوم القيامة المُحَقّق الوقوع الذي لا شك فيه ولا ريب هو يوم العدل الأكبر يوم تأخذ كل نفس حقها (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (39)) من شاء جعل إلى ربه مرجعاً ومنقلباً يؤدي به إلى مرضاة الله.

 

ثم قال تعالى (إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا) أي خوّفناكم بما أنزلنا من الكتب على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام (عَذَابًا قَرِيبًا) وهو عذاب يوم القيامة لأنه آت وكل ما هو آتٍ قريب (يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) من خير وشرّ كما قال تعالى (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا)[آل عمران:30]. (وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (40)) يتمنى في ذلك اليوم حين ينظر إلى أعماله السيئة وكُفره وشِركه يتمنى أن يكون تراباً لم يُخلق وأنه لم يوجَد، قيل أنه يقول هذا إذا رأى أن البهائم يقال لها كوني تراباً يتمنى هو أن يكون ترابًا. نسأل الله العفو والعافية لنا ولكم وللمسلمين أجمعين.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل