تفسير سورة المؤمنون - 4- د. أحمد البريدي - دورة الأترجة

تفسير سورة المؤمنون - المجلس الرابع والأخير

د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

 (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨٤﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿٨٥﴾ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴿٨٦﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿٨٧﴾ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨٨﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ﴿٨٩﴾ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿٩٠﴾ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿٩١﴾ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) .

يقول الله I (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨٤﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) في هذه الآيات يسأل الله I ثم يجيبون والإجابة لسان حالهم فيدعوهم إلى التذكّر والتعقّل والعلم (كل ذلك) كما قلت لكم في الجلسة الماضية دعوة لهؤلاء باتّباع النبي e. فقرر الله سبحانه وتعالى وحدانيته واستقلاله بالتصرف والخلق والملك ليرشد إلى أن الله الذي لا إله إلا هو لا تنبغي العبادة إلا له. ولذلك أمر الله U نبيه محمداً e أن يخاطب هؤلاء المشركون كل ذلك إمعاناً في إقامة الحجة (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا) من مالكها الذي خلقها من الذي يملكها؟ من الذي خلقها ومن عليها ومن فيها من الحيوانات والنباتات والثمرات وسائر أصناف المخلوقات كبرت أم صغرت تعلمونها وشيئاً لا تعلمونها في البر والبحر؟ (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨٤﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) إنهم سيقولون لله لأنهم لا يستطيعون أن يجيبوا بغير هذا الجواب. أي فسيعترفون لك يا محمد بأن ذلك لله وحده لا شريك له، فقل لهم إذا كانوا يعرفون ذلك أفلا يتذكرون أن العبادة لله وحده؟ وأن العبادة ينبغي أن لا تكون إلا لمن خلق ورزق. فلما ذكّرهم بالأرض التي يعيشون فيها ذكّرهم بأن يرفعوا أعينهم قليلاً إلى السماء فهناك آية أخرى تدل على عظمة الله سبحانه وتعالى وأنه المستحق للعبادة فقال قل لهم يا محمد (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) أي من ربُّ أو من خالق العالم العلوي بعد إقراركم بأن الله الذي خلق العالم السفلي الأرض ومن عليها ومن فيها؟ من رب السموات السبع؟ بل من رب العرش العظيم؟ والذي العرش كما جاء في بعض الآثار السموات إنما هي جزء يسير من هذا المخلوق العظيم. ما الكرسي بالنسبة للسموات والأرض إلا كحلقة ألقيت في فلاة وما الكرسي بالنسبة للعرش إلا كذلك. فهذه السموات السبع بل ورب العرش العظيم الجواب (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ) أفلا تتقون الله I بعد إقراركم بهذه الأشياء؟! وقد وُصِف العرش بالعِظَم وسُمِّيَ العرش عرشاً لارتفاعه ولا يقدّر خلقه إلا الله I. وُصِفَ في هذه الآيات بالعِظَم كما وُصِفَ في آخر السورة بالكَرَم فقال (رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) أي الحسن البهيّ فقد جمع هذا العرش بين العظمة في الاتساع والعلو وبين الحُسْن الباهِر ولهذا قال من قال إنه من ياقوتة حمراء وقال ابن مسعود إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور العرش من نور وجهه. (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ) إذا كنتم تعترفون بهذا الشيء أفلا تخافون عقابه؟! ألا تحذرون من عذابه؟! كيف تشرِكون معه غيره وأنتم تقرّون بهذه الأمور؟! (قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) أي المُلك لله U أي بيده الملك (مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا (56) هود) فهو سبحانه المالِك المتصرِّف بخَلْقه وهو الذي يُجير ولا يُجار عليه I . (قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ) كانت العرب إذا كان السيّد فيهم فأجار أحداً لا يُخفَر في جواره وليس لمن دونه أن يجير عليه لئلا يقتات على ملكه وحكمه فذكّرهم الله فيما يعرفونه فيما بينهم فما بالك بالخالق وهو يُجير ولا يجار عليه؟ أي هو السيد العظيم الذي لا أعظم منه الذي له الخلق والأمر لا معقب لحكمه الذي لا يمانَع ولا يخالف ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون فسيكون جوابهم (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) أي سيعترفون أن السيّد العظيم الذي يُجير ولا يُجار عليه هو الله I وحده لا شريك له فقال الله I (قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) أنّى تذهب عقولكم في عبادتكم معه غيره مع اعترافكم وعلمكم بذلك؟ أي من الذي سلب عقولكم وسحرها وجعلها لا تؤمن بالله تعالى I. والقضية هنا هل هي تحقيق الألوهية أو تحقيق الربوبية؟ والاستدلال بالربوبية على الألوهية لأنهم يعترفون به رباً (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ (87)) فالنداء والذي يطالبهم به النبي e هل هو إقرارهم بأنه رب السموات؟ لا، لأنهم معترفون. هل هو إقرارهم أنه هو رب الأرض؟ لا، لكنه يطالبهم بتحقيق التوحيد والذي بعثت من أجله الرسل توحيد العبادة لله I وهذه الآيات هي الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية. (بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ) بعد هذا كله أخبرناهم أعلمناهم بأنه لا إله أي لا معبود بحقٍّ إلا الله وأقمنا الادلة الصحيحة الواضحة القاطعة الموجِبة لإفراد الله I بالعبادة كما قال في آخر السورة (وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ). كل هذا من بداية السورة إلى الآن وهي تعالج إفراد العبادة لله I. (بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) إنهم لكاذبون في عبادتهم مع الله غيره إذ لا دليل لهم على ذلك ولا برهان، فالمشركون لا يُشركون بالله بدليل واضح بل بشُبَه يختلقونها ويخترعونها لأنفسهم وإلا لقد قامت الأدلة العظيمة القاطعة الكبيرة على وجوب إفراد العبادة لله I. (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) ينزّه سبحانه وتعالى في هذه الآية نفسه أن يكون له ولد أو شريك في الملك توجب معه التصرف أو صرف العبادة لهؤلاء. ثم على فرض أنكم تدّعون أن الآلهة متعددة وأن مع الله إلهاً غيره فلا يخلو من ثلاثة أمور:

الأول أن يذهب كل إله بخلْقِه وسلطانه فيعبده خلقه وسلطانه وأنتم من خلق الله وسلطانه فيجب عليكم إفراد العبادة له 

الثاني أن يعلو بعضهم على بعض فمن علا فهو الإله الحق وهذا كله من باب التسليم على أن هناك إله يخلق أو أن مع الله إله أو شريك في الملك هذا كله على التسليم فمن علا فالإله الذي يعلو ويغلِب هو الإله المعبود حقاً.

الحالة الثالثة أن يكونوا تحت قهر وسلطان إله واحد وهذا هو الموجود فهو المستحق بالعبادة فلماذا تصرفون العبادة لغيره؟ لماذا تصرفون هذه العبادة التي أمرتم أن تفردوها له سبحانه وتعالى لغيره؟

(مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ) هذه الحالة الأولى (وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) أو يعلو بعضهم على بعض يكون هو المستحق أو يكون هو إله واحد مستحق للعبادة، النتيجة لا يجوز صرفها إلا لله I.

(سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) ينزّه الله سبحانه وتعالى نفسه عما يصفه به الظالمون المعتدون في دعواهم الولد والشريك بلا دليل. (عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أي لا تظنون أن هناك إله تعرفونه أنتم ولا يعرفه I تدّعون فالله I نفى وهو (عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) (فَتَعَالَى) سبحانه (عَمَّا يُشْرِكُونَ) تقدس وتنزه U عما يقوله الظالمون والجاحدون أن مع الله إلهاً آخر يستحق العبادة وأن تُصرَف له العبادة.

ثم يقول الله I مخاطباً نبيه بعد كل هذه التقريرات (قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ) يقول إن عاقَبتهم وأنا أشاهد ذلك فلا تجعلني فيهم يأمر الله U نبيه أن يدعو بهذا الدعاء (قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ) أي تكتب عليهم العذاب وأنا بين أظهرهم (رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) كما جاء من دعاء النبي e: "وإذا أردت بقوم فتنة فتوفّني إليك غير مفتون" لماذا قال الله Iى لنبيه هذا الشيء؟ لأنه قد قصّ عليه في أول السور قصص أمم أرسلت إليهم الرسل وأُيدوا بالآيات فكذَّبوا فعُذِّبوا فأمره أن يدعو بهذا الدعاء (قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ) من العذاب (حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ (77) المؤمنون) (رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ). (وَإِنَّا) للعظمة أي لله I (عَلَى أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ) أي الله I لو شاء لأراك يا محمد ما يحلّ بهم من النقم والبلاء والمِحَن، لكن هل ستدعو عليهم يا محمد كما دعت الأمم السابقة؟ لا، وإنما أمره الله I أنه في بداية دعوته أمره بقوله (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ) وهذه في سورة مكية لم يؤمر النبي e بالقتال ولم يؤمر بالجهاد وإنما أُمر بهذا الشيء (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ) والله إن الدفع بالتي هي أحسن هي الترياق والعلاج النافع في مخالطة الناس. من لا يستطيع أن يدفع بالتي هي أحسن لا يستطيع أن يخالط الناس فإن الناس أخلاق وطباع مختلفة تماماً مؤتلفة ومتنافرة فأرشده إلى الترياق النافع إلى العلاج النافع وهو الدفع بالتي هي أحسن. ولاحظوا أنه قال أحسن لم يقل اِدفع بالحسن يعني اِختر أحسن الألفاظ وأحسن الأفعال وأحسن الأجوبة لردّ هؤلاء الأذى (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ) اِدفع بالتي هي أحسن كما قال الله مقرراً في آية أخرى (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ) قال I (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) فصلت) يعني أنك يا محمد تحتاج للصبر على أذى قريش للصبر على طباعهم للصبر على ردّ دعوتهم فإنك بخُلُقك وبطريقتك وبدفعك بالتي هي أحسن سترى أثره في دعوتك والشواهد من سيرة النبي e أنه امتثل أمر ربه e ودفع بالتي هي أحسن وكان هناك جملة من المواقف دفع بالتي هي أحسن فأسلم من آذاه (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا (35) فصلت) لا يستطيع كل إنسان أن يدفع بالتي هي أحسن وأنت شاهد من نفسك كم مرة أخطأ عليك أحد فقابلته بخطأ مثله فغضبت وغضب وصارت مشكلة وكم مرة أخطأ عليك خطأ فنظرت إليه وابتسمت أو أديت إليه السلام فخجل على نفسه واعتذر؟! هذا مجرَّب.

ثم قال الله I (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ (98)) ما علاقة هذه الآية بالتي قبلها؟ يقول ابن القيم رحمه الله: أُمِر في هذه الآيات أن يحترز من شرشياطين الإنس بدفع إساءتهم إليه بالتي هي أحسن وأن يدفع شر شياطين الجن بالاستعاذة منهم، فإن شياطين الإنس لا يدفعهم إلا المعاملة بالتي هي أحسن والدفع بالتي هي أحسن أما شياطين الجن فيدفعهم الاستعاذة منهم. (وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ) همز الشيطان هو جنون الشيطان وأمره أن يستعيذ ولا يدفع لأن الشياطين لا تنفع معهم الحيل ولا ينقادون بالمعروف وقد جاء "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه" فالهمز الجنون إذا أُفرِد والنفخ الكبر والنفث السحر. قال ابن القيم رحمه الله: فُسّرت الهمزات بالنفخ والنفث وقد يقال وهو الأظهر أن همزات الشياطين إذا أفردت دخل فيها جميع إصابتهم ابن آدم وإذا قُرنت بالنفخ والنفث كانت نوعاً خاصاً ولذلك قوله (رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ) من جنونهم ونفحهم وكِبْرِهم من كل ما قد يصيبونك به لأنه هنا أُفرِد لوحده فإذا قرن مع غيره فإن الهمز هو الجنون. (وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ) أي يحضرون في شيء من أمري أي يكونون معي في أموري حينما أعملها فإن من حضر معه الشيطان كان معدّاً للهمز، يقال في المثل "جاء وجاء معه ابليس" يعني أحضر الشر معه لذلك أُمرنا أن نستعيذ من الشياطين. (وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ) قال ابن القيم: فتضمنت هذه الاستعاذة أن لا يمسّوه ولا يقربوه ولا يصطحبوه لأن الشيطان إذا حضر وقعت الفتنة.

ثم قال الله I (حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ) يُخبِر تعالى عن حال المحتضر من الكافرين أو المفرّطين في أمر الله وقيلهم عند ذلك (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) وهذا المعنى قد جاء في آيات كثيرة من كتاب الله U (وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ (44) ابراهيم) (أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ (44) ابراهيم) (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا (53) الأعراف) (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) السجدة) (يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) الأنعام) (هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ (44) الشورى) (فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ (11) غافر) (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ (37) فاطر) كل هذه الآيات أتت لتقرير هذا المعنى (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا) أين أنت لما كنت في الدنيا؟! لماذا لم تعمل صالحاً؟! (إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا) قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلمك أي لا بد أن يقولها لا محالة كل محتضر ظالم (رب ارجعون)، ويحتمل أن يكون ذلك علّة لقوله (كلا) أي لأنها كلمة اي سؤاله الرجوع هو كلام منه ولو رُدّ لعاد لما نُهي عنه، وهذا الفرق بين القولين.

القول الأول أن هذه كلمة يقولها كل محتضّر لما يرى الموت يقول (رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا (100)).

 

القول الثاني أنه يقولها كلاماً لا حقيقة كما تشهد له الأدلة الأخرى أنه لو رُدّ لعاد لما نهي عنه (وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) الأنعام). قال قتادة: والله ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا إلى عشيرة ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله فرَحِمَ الله امرءاً عمل في ما يتمناه الكافر إذا رأى العذاب إلى النار. (وَمِن وَرَائِهِم) أي أمامهم وهي من ذوات الأضداد تستخدم كما قال (وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) الكهف) أي أمامهم. (وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ) البرزخ في كلام العرب الحاجز بين مسافتين ثم يستعار لما عدا ذلك فالمراد به هي المدة التي بين موت الإنسان وبين بعثه يوم القيامة هذا يسمى البرزخ وهي الحياة البرزخية وهي حياة تختلف جذرياً عن الحياة التي نعيشها - كما ودعنا نسأل الله أن يرحمهم قبل قليل أمواتاً قد انتقلوا إلى الحياة البرزخية ودّعوا الحياة الدنيا- (إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) أي يستمر به العذاب إلى يوم البعث وهذا فيه إثبات عذاب القبر وأن الكافر يُعذّب في قبره والمفرّط يعذب في قبره نسأل الله العافية. قد جاء الاستعاذة من عذاب القبر يعذب إلى أن يُبعث كما جاء في الحديث "فلا يزال مُعذّباً فيها" أي في الأرض. ثم قال الله سبحانه وتعالى (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ) نلاحظ في هذه الآية نفي وجود الأنساب والتعارف يوم القيامة فإذا نفخ في الصور التي هي النفخة الثانية نفخة البعث كما جاء في آيات أخرى إثبات الأنساب ووجود النسب (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) عبس) فأثبت أن هناك والداً وولداً وزوجة وأماً وأباً، فما الجمع بين الآيتين؟ النفي هنا ليس لنفي وجود الأنساب أصلاً وإنما المراد بها الأنساب النافعة أي من لم ينفعه عمله لم ينفعه نسبه يوم القيامة فقوله (فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ) ليس المراد به نفي النسب وإنما نفع النسب ويوم القيامة مواطن مختلفة. ثم قال الله I (وَلَا يَتَسَاءلُونَ) وفي آية أخرى أثبت أن هناك من يسأل بعضهم بعضاً والجواب عما ظاهره التعارض كذلك أن يوم القيامة مواطن مختلفة فموطن يتساءلون وموطن يسأل بعضهم عن بعض. (فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أي من رجحت حسناته على سيئاته ولو بواحدة كما قال ابن عباس فأولئك هم الملفحون. هناك ميزان، ميزان يوم القيامة، هناك حسنات وسيئات، الميزان هناك يوم القيامة ليس بالأموال ولا بالأولاد ولا بالجاه ولا بالأنساب وإنما المعيار الحقيقي حسنات وسيئات توضع الحسنات في كفة وتوضع السيئات في كفة فإن ثقلت الحسنات فقد كُتِب له الفلاح وهو الفوز بالجنة والنجاة من النار. (فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) قال ابن عباس: أولئك الذين فازوا بما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا. أما الصنف الثاني (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ) أي ثقلت سيئاته على حسناته (فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ) أي خابوا وهلكوا وباؤوا بالصفقة الخاسرة ولذلك قال (فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ) أي ماكثون دائمون مقيمون (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ) اللفح هو الإصابة بالوهج والإحراق (وَهُمْ فِيهَا) أي في هذه النار (كَالِحُونَ) والكَلَح هو إنكشاف الشفتين بين الأسنان والكلوح تكشر في عبوس أي أن هيأتهم مقززة (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ) أي تغشى وجوههم النار وكما قال في آية أخرى (لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ (39) الأنبياء) وقد روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال "تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سُرّته" تصوروا هذا المشهد! ثم قال I (أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ) هذا توبيخ وتقريع لأهل النار على ما ارتكبوه من الآثام والكفر وانتهاك المحارم وفعل العظائم! (أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ) أرسلنا لكم الرسل وأنزلنا لكم الكتب وأزلنا شُبَهكم وأقمنا الحجج قالوا جوابهم (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ) يعني غلب الشقاء علينا، أهذا جواب مقنع ينجي من النار؟! لماذا لم تفعل؟ لماذا لم تستجب؟ (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ) يعني نحن الآن عرفنا الحقيقة وعرفنا القضية (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا) أي من النار (فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ) وهم كاذبون في هذا. (قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا (110)) قرئت سُخرياً بالضمّ من السُخرة والتخديم يعني اتخذتموهم خَدَماً عندكم وهم يدعونكم إلى عبادة الله (سُخريا) بالضم من السُخرة وقرئت سِخرياً بالكسر من السُخرية والاستهزاء أي سخرتم بهم (حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ) أي حملكم بغضهم على أن نسيتم معاملتي وكنتم منهم أي من صنيعهم وعبادتهم تضحكون كما قال الله (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) المطففين) والنتيجة (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا) على أذاكم وسخريتكم واستهزائكم (أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) الذين فازوا برضى ربهم وجنته وأنتم الخاسرون الذين كان مآلكم النار (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ). ثم قال الله I يوبّخهم (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112)) كم كانت إقامتكم في الدنيا؟ عشر؟ عشرين؟ مئتين؟ (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا (113)) ثم رأوا وإذا الدنيا على طولهم ما يتصورون أنهم بقوا يوما فاستدركوا على أنفسهم فقالوا (أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) يعني هذه الدنيا التي جعلها الله عز وجلّ مزرعة الآخرة في يوم القيامة يستكثر من في النار أنهم بقوا فيها يوماً (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا) لا، اليوم كثير لأنه مرّ كطيف (أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) (فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ) إسأل الذين كانوا يعدّون هذه الأيام، فأجابهم الله (قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا) يوماً أو سنة أو عشرة أو مائة أو مائتين هي بالنسبة للآخرة قليلة. (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) كما قال الله (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى (36) القيامة) أي أنما خلقناكم هملاً لا حكمة لنا بخلقكم ولا بإنزال الكتب ولا بإرسال الرسل خلقناكم هكذا! كما قال الله (وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (17) المؤمنون). (فَتَعَالَى اللَّهُ) تعالى الله أن يخلقكم عبثاً (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) أي بهيُّ الشكل -كما قلنا أنه قد وُصِفَ العرش بالكرم وبالعِظَم في الآية الماضية- فتعالى الله أن يخلق هذا الخلق ويتركهم هَمَلاً لا قيمة لهم في الدنيا وليس لهم رسالة يخلقهم كالحيوانات (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ). ثم قال الله I(وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) هذه الخاتمة لاحظوا تسلسل السورة من أولها كلها لتقرير التوحيد ختمها بقوله (وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) هذه القضية، (لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ) وهذه جملة معترضة وهو ليس له برهان ولا يمكن أن يأتي إنسان ببرهان بعد هذه الأدلة التي ذكرها الله U ووجوب إفراد العبادة له. (فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ) الله I هو الذي يحاسبه. ثم قال (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) لا فلاح لهم ولا نجاة حينما يحاسبهم ربهم. ثم دعا نبيه e أن يدعو بهذا الدعاء في خاتمة هذه السورة: (وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ) الإنسان بحاجة إلى لمغفرة والرحمة (وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) فالغَفَر إذا أُطلِق فهو محو الذنب وستره عن الناس. والرحمة هو أن يُسدَّد الإنسان إذا قُرنت بالمغفرة فهو أن يرحمه ويسدده ويوفقه في أقواله وأفعاله وأنت سبحانك خير الراحمين. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل