تفسير سورة المؤمنون - 3- د. أحمد البريدي - دورة الأترجة

تفسير سورة المؤمنون - 3

د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

(إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴿٥٧﴾ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴿٥٨﴾ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ﴿٥٩﴾ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴿٦٠﴾ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴿٦١﴾) .

بيقول الله I (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) الإشفاق هو أبلَغُ الخوف. قال ابن عطية رحمه الله في المناسبة بين هذه الآيات والتي قبلها: لما فرَغ من ذِكْر الكَفَرة وتوعّدهم عقّب بذِكر المؤمنين ووعدهم، وذكر ذلك بأبلغ صفاتهم. وقال السعدي رحمه الله: لما ذكر تعالى الذين جمعوا بين الإساءة والأمن ذكر الذين جمعوا بين الإحسان والخوف. ولذا قال الحسن البصري حول هذه الآيات: إن المؤمن جمع إحساناً وشفقة، وإن الكافر جمع إساءة وأمناً. (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) أي هم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح مشفقون من الله خائفون منه وجِلون من مكره بهم. (وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) يؤمنون بآياته الكونية والشرعية كقوله عن مريم (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ) الكلمات الشرعية والكونية. (وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ) وهذه القضية التي تُعنى بها هذه السورة وهي دعوة الأنبياء أي (وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ) معه غيره فيفردونه بالعبادة ويوحّدونه ويعلمون أنه سبحانه الأحد الصمد المعبود بحقّ وما سواه من المعبودات فهي عبادة باطلة، فيؤمنون به رباً ويخلصون العبادة له إلهاً لا شريك له. ثم قال I (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) أي يعطون العطاء وهم خائفون أن لا يُتَقَبّل منهم لخوفهم أن يكونوا قد قصّروا في القيام بشرط الإعطاء وهذا من باب الاحتياط. وقد جاء تفسير هذه الآية في حديث روته عائشة " أنها قالت: يا رسول الله (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) أهو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر ويخاف الله U؟ فقال النبي e: « لا يا ابنة الصديق ولكنه الذي يصلّي ويصوم ويتصدّق وهو يخاف الله U ». قال ابن عطية في تفسيره بعد ذِكْرِه لهذا الحديث عند هذه الآية: ولا نَظَرَ مع الحديث، أي أن تفسيرها هو هذا التفسير الذي ذكره النبي e.

ثم قال الله I (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) فجعلهم من السابقين. أي هؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعال يصومون، يتصدّقون، هل هم يمنّون على الله عز وجل بعبادتهم؟! هل هو إذا تكابر في المجلس وجلس متربعاً قال: أنا صلّيت كذا وكذا وفعلت كذا وكذا وأنفقت كذا وكذا؟! لا، إنما يفعلونه لله ويخافون أن لا يُتَقَبَّل منهم. ولذلك قال بعض السلف: لو أعلمُ أن الله تقبّل لي حسنة واحدة لتمنيت الموت، استدلالاً بقوله I (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) حصر، أي أن القبول محصورٌ بمن اتقى، يقول: لو تُقبل مني حسنة معناه أني من المتقين. وقد استدلّ القرطبي رحمه الله بقوله تعالى (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) على أن الصلاة في أول وقتها أفضل من تأخيرها. وأقول ما لم يدلّ الدليل على فضل تأخيرها كالإبراد في صلاة الظهر أو تأخير صلاة العشاء إلى الثلث الأول، وإلا الأصل أن الصلاة في أول وقتها أفضل من تأخيرها.

ثم قال الله I (وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) يخبر تعالى عن عَدْلِهِ وشَرْعِهِ على عباده في الدنيا أنه لا يكلِّف هذه النفوس إلا ما تُطيق وتستطيع القيام به فلا يكلِّفُهم ما لا يطيقون وقد جاء ذلك في آيات أخرى كما في خواتيم سورة البقرة (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا).

ثم قال الله I (وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ) ما المراد بالكتاب هنا؟ قال بعضكم اللوح المحفوظ وقال بعضكم كتاب الأعمل وقال بعضكم القرآن. المفسرون لم يذكروا إلا كتاب الأعمال أو القرآن، أما اللوح المحفوظ ما ذكر لأن القضية قضية مجازاة هل يجازى الإنسان بما في اللوح المحفوظ وإلا بما كُتب عليه؟ بما كُتب عليه، ولذلك (وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ) إختلف فيه المفسرون على قولين:

Ø   منهم من قال كتاب الأعمال التي كُتبت على الإنسان (كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ)

Ø   والقول الثاني أنه القرآن (وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ) أي هذا القرآن ينطق بالحق

أيهما أرجح؟ الأول لأن السياق يقتضيه وأن المراد به كتاب الأعمال لأنه قال (وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) تحدثنا عنها (وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ) وخاتمة الآية يقول (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) أي أنه يكتب عليهم ما عملوا، ورجّح هذا القول ابن عطية وابن كثير رحمة الله عليهم.

ثم قال I (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) أي لا يُبْخَسون من الخير شيئاً. ثم قال رادّاً على هؤلاء الكفار (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا) أي في غفلة وضلالة، هم غافلون أنه سيُكتب عليهم كل شيء، لاهون في هذه الدنيا. (مِنْ هَذَا) أي من القرآن هذا قول، وقيل (مِنْ هَذَا) أي من كتاب الأعمال، أيهما أرجح؟ كتاب الأعمال، لأننا رجحنا قبل قليل. (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ) ما معنى (من دون ذلك)؟ أي من دون الشرك قاله ابن كثير عن ابن عباس، هذا معنى. المعنى الثاني قال ابن عطية: الإشارة من ذلك إلى الغمرة والضلال المحيط بهم (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ) أي من دون هذه الغمرة والضلال. ومعنى الآية هذا على قول ابن عطية بل هم ضالّون مُعرِضون عن الحق وهم مع ذلك لهم سعايات فسادٍ فوَسَمَهُم وتعالى بحالتيّ شرّ وعلى هذا التأويل فالإخبار عما سلف من أعمالهم وعما هم فيه الآن. (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ) القول من الشرك معناه يتكلم عن الأعمال الماضية أي هم في غمرة وفي ضلال وفي شرك، ولهم أعمال دون الشرك من معاصٍ وسائر الذنوب. القول الثاني قول ابن عطية رحمه الله، يقول ابن عطية رحمه الله: أن الله وصفهم بحالتيّ شرّ ما مضى من زمانهم عندما قال (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ) الآن (أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ) أي سيعملونها ما مضى وما يُستقبل، أي أنهم عملوا ومصرّون على أعمالهم.

(حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ) قال بعض المفسرين أن (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ) أي مترفي قريش لأن الخطاب لهم الآن (بِالْعَذَابِ) قيل ذلك كان يوم بدر حينما قُتِلَ كبارهم ورؤساؤهم، وقيل: بل ذلك بالجوع حينما دعا عليهم النبي e بقوله: « اللهم سبعاً كسبع يوسف » على قريش. (إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ) من هم الذين يجأرون؟ قال (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ) والترف تعرفونه هو زيادة النعمة كما قال الله عز وجل (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ). (إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ) من الذي جأر؟ المُترفون، الذي جأر هم المترفون. من الذي قال (لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ) الملائكة قالوا لهم، يعني (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ) أخذنا يعني بدأنا بأخذهم وعاينوا العذاب، وبدأوا يحسون بالعذاب، بدأوا يجأرون ردّت عليهم الملائكة فقالوا (لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ) يعني قد كُتِبَ عليكم العذاب. ومن المفسرين من جعل العذاب للمترفين والذي يجأر هم أهل المترفين في مكة بعد موتهم، وهذا يعضُد من قال أنهم قتلى بدر. قال القرطبي: وهذا قول حسن، يعني (أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ) أخذناهم بمعنى أهلكناهم (إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ) أي يجأر من؟ أهلهم، هذا قول. القول الثاني: أن الذي جأر من؟ المترفين حال نزول العذاب ومعاينة العذاب عليهم. أيهم أولى؟ تأملوا سياق الآيات نقول إن الجأر للمترفين أو لأهل المترفين؟ (إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ) السياق يؤيّد أن الذي جأر المترفون (إِنَّكُمْ مِنَّا) أي قد كُتِبَ عليكم العذاب. (قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ) أي إذا دُعيتُم أبيتم وإن طُلِبتُم امتنعتم كما قال الله (ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ). ثم قال I (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ) مستكبرين به، الاستكبار عنه أو به؟ يعني هل كفار قريش يستكبرون الآن؟ وإذا قلنا القول الأول والقول الثاني كل واحد له معنى (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ) القول الأول: مستكبرين حال منهم حين نكوصهم عن الحق وإبائهم عليه استكباراً عليه واحتقاراً أي مستكبرين عن الحق، و (بِهِ) الضمير يحتمل ثلاثة أشياء:

القول الأول: (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ) أي بالحَرَم، الخطاب لقريش الآن (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ) أي أنهم يحتقرون هذا الشيء (مُسْتَكْبِرِينَ) أي يتكبرون، ذُمّوا لأنهم كانوا يسمرون فيه بالهُجْرِ من الكلام (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا) أي أن هذا الحرم ماذا تفعلون به؟ تقولون فيه القول المستكبِر قول الهجر يعني لا تقدّرون الحرم حق قدره (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ) أي بالحرم.

القول الثاني: (بِهِ) أي بالقرآن، كانوا يسمرون ويذكرون القرآن بالهجر من الكلام إنه سحر، إنه شعر، والسمر يكون ليلاً وتقولون أنه كاهن وغير ذلك من الأقوال.

القول الثالث: (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ) أي محمد e إذا جلستم في الليل تسمرون ما يكون شغلكم إلا محمد e تسبونه وتضربون له الأمثال الباطلة أنه شاعر وكاهن وساحر ومجنون إلى آخره. يعني هذا القول الأول أن الاستكبار يعني مستكبرين بهذا الشيء حال من استكبارهم وإبائهم فإن كان الحرم فإنهم يقولون في الحرم ما لا يصلح أن يُقال في الحرم! وإن كان القرآن فإنهم يتهمون القرآن بأنه كهانة وشعر! أو بمحمد e.

القول الثاني يختلف عن القول الأول تماماً، قال (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ) أي بالبيت تفتخرون به وتعتقدون أنكم أولياؤه بمعنى أنكم استكبرتم بأنكم أهل البيت بردّكم الحق. واضح الفرق بين القولين؟

(مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ) القول الأول: أي أنهم استكبروا عن الحق نكوصاً وإباء استكباراً وعلى هذا القول الضمير يحتمل ثلاثة أشياء وكلها صحيحة

القول الثاني: أن الاستكبار حصل بسبب أنكم تدّعون أنكم أهل البيت يعني تقولون نحن أهل البيت حتى أنهم كانوا من الاستكبار وش يكونون؟ الناس يذهبون إلى عرفة وهم ما يذهبون إلى عرفة قريش ويقولون نحن أهل البيت ما نخرج من الحرم يسمونه الحمس أي يفتخرون بالبيت ويعتقدون، ففخركم إذا جلستم في الليل في أنديتكم نحن أهل البيت، ونحن سَدَنَته، ونحن الذين نُطعِم الحجاج، ونحن الذين نفعل، فردّكم هذا عن اتباع الحق ولم تستجيبوا لدعوة محمد eم تعتقدون أن فعلكم وكونكم أهل الحرم شافعٌ لكم في ردكم هذا الحق.

ثم قال الله I (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) القول المراد به هنا القرآن. يقول تعالى مُنكِراً على المشركين في عدم تفهمهم للقرآن وتدبرهم وإعراضهم عنه مع أنهم قد خُصُّوا بهذا الكتاب الذي لم ينزَّل إلا على محمد e. (أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ) فكان اللائق بهؤلاء أن يقابلوا نعمة الحَرَم ونعمة الرسول محمد e ونعمة القرآن أن يقابلوها بماذا؟ أولى الناس أن يتبعوا محمد من؟ من بُعِثَ فيهم محمد أهل الحرم، قال (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) أي ولو تدبروا القرآن لوجدوه زاجراً عن معصية الله، لو تدبروه وعقلوه، والتدبر هو التعقّل والتفكّر، ولذلك قال السعدي رحمه الله معلّقاً على هذه الآية: دل على أن تدبر القرآن يدعو إلى كل خير ويعصِم من كل شر. كيف أخذها السعدي رحمه الله؟ هذا الاستنباط من أين أخذه السعدي؟ يقول: إن تدبر القرآن يدعو إلى كل خير ويعصم من كل شر. كيف أخذها السعدي رحمه الله؟ نريد في هذه الآيات، نعم، هم الآن أهل الحرم أثبت الله U على أنهم مستكبرين وأنهم لم يتّبعوا النبي e فقال الله رادّاً عليهم (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) بمعنى لو أنهم تدبروا القرآن لدلّهم على نبوة النبي e واتّبعوه. (أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ) أفهم لا يعرفون محمد وصدقه؟ّ يعني ما السبب الذي جعلهم يعني هل كونهم أهل الحرم يأتيهم القرآن ويأتيهم النبي e رجل يعرفون أمانته وصدقه من صغره ما هو شخص غريب أول مرة يرونه، يقولون هذا رجل لا نعرف تاريخه، لا نعرف التاريخ له، يكون صادق يكون كاذب، لكن هذا النبي e محمد يعرفونه منذ طفولته، منذ نعومة أظفاره، بل سمّوه الأمين. ولهذا قال جعفر بن أبي طالب u للنجاشي: أيها الملك إن الله بعث فينا رسولاً نعرف نسبه وصدقه وأمانته فهو معروف. (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) إذاً لماذا لم يُسلِموا؟ (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ) يعني أنهم يقولون إن محمد جُنّ أي افتراه من عنده أو به جنون لا يدري ما يقول؟ يعلمون أن محمداً بكامل قواه العقلية. (بَلْ جَاءَهُمْ) أي النبي e (بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) يُحتَمل أن هذه الجملة جملة حالية أي حالهم حين جاء الحق أكثرهم كاره له وبالتالي وضعوا تصور مسبق ولم يهتدوا، وإلا لو سمعوا رأوا الحق وسمعوا الحق وصفوا قلوبهم وأتوا وسمعوا سماع المسترشد لكنهم أتوا وهم أصلاً قد بيّتوا ردّ هذا الحق ويحتمل أن تكون خبرية مستأنفة أي (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) خبر من الله I كما قال في آيات أخرى (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) والمعنى أنه لا يلزّم أن يكون قد ثبت أن اتباع الأنبياء هم القِلَّة.

ثم قال الله I (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) قال بعض المفسرين الحق هنا هو الله I، وضعّف هذا القول ابن عطية وقال: هذا ليس من نمط الآية وذكر قولاً آخر وهو أن الحق هنا هو الصواب المستقيم وقال هذا هو الأحرى. ولا يظهر لي والله أعلم تعارض بين القولين فإن القرآن أو محمد أو الله تبارك وتعالى أو الصراط المستقيم لا تعارض بينها إذا لو اتبع هؤلاء أهواء هؤلاء المشركين النتيجة (لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) لماذا؟ لفساد أهواءهم واختلافها.

(بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ) يقول الله I بل أتيناهم بهذا القرآن بذكرهم ما هو؟ أي القرآن (فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ) أي عن كتابهم (مُعْرِضُونَ (71) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا) يعني هل أنت يا محمد تسألهم أجراً؟ السبب في ردّهم الدعوة أنك يا محمد قد طلبت منهم أجراً وهم عاجزون عن دفع هذا الأجر أو لا تستحق هذه الدعوة؟! (فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ) أي أنت لا تسألهم أجرةً ولا شيئاً ولا مالاً على دعوتك إياهم إلى الهدى بل أنت محتسب الأجر عند الله I. (فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ) كما قال I عن سائر أنبيائه (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ)، (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ)، (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا)، (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا) فكلها أثبتت أن الأنبياء لا يأخذون على دعوتهم أجوراً أو يطلبون بل إنهم يحتسبون ذلك عند الله I. (وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) روى الإمام أحمد عن ابن عباس أن رسول الله e أتاه فيما يرى النائم ملكان فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: إضرب مَثَل هذا ومَثَل أمته، الملك يقول أحدهما: اضرب مثل لمحمد ومثل أمته، فقال: إن مثله ومثل أمته كمثل قوم سُفْر يعني على سفر  انتهوا إلى رأس مفازة، فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به لا يستطيعون أن يذهبون يتقدمون ولا يرجعون ، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل في حُلّة حَبِرَة، فقال: أرأيتم إن أوردتكم رياضاً مُعْشِبة، وحياضاً رواءً تتبعوني؟ يعني انقطعت بهم السبل وهو كما كان حال قريش، إن الله مَقَتَ الناس عربهم وعجمهم ولم يبقَ إلا بقايا من أهل الكتاب، يعني بعث النبي e في أحلك الجهل والضلال كحال هؤلاء الذين كانوا لا يستطيعون أن يتقدمون، فبعث النبي e قال معي النور وأهديكم إلى النور. فقالوا: نعم. طبيعي الواحد يقولوا لهم الآن هم انقطعوا يقول لهم: أتتبعوني أعطيكم رياضاً معشبة وحياضاً رواءً يعني مليئة فانطلق، فأوردهم رياضاً مُعشِبة وحياضاً رواء، فأكلوا وشربوا وسمِنوا فقال لهم: ألم ألفِكُم على تلك الحال؟! فجعلتم لي إن وردت بكم رياضاً معشبة وحياضاً رواء أن تتبعوني؟ قالوا: بلى، قال: فإن بين أيديكم رياضاً أعشب من هذه، وحياضاً أروى من هذه، يعني أن أمامكم الجنة، شيء عظيم، أعظم مما أعطيتكم من هذه، كأني النبي e يقول: هذا الإيمان وفيه شيء آخر غير الإيمان الجزاء الأخروي مثل هؤلاء الذين اتبعوه فعلموا صدقه، يعني فعلاً أوردهم رياضاً قال: لا هناك رياض أحسن، فقالت طائفة: صدق والله، وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نُقيم عليه. أي أنك يا محمد مهمتك الأولى والأخيرة أنك تدعوهم إلى صراط مستقيم.

(وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) لا يؤمنون بالبعث، لا يؤمنون بيوم القيامة (عَنِ الصِّرَاطِ) عن هذا الصراط المستقيم (لَنَاكِبُونَ) أي لعادلون جائرون منحرفون، مع أنه مستقيم لكنهم سينحرفون. يقال: نَكَبَ فلان عن الطريق إذا زاغ عنها. يقول الله I وهو أعلم بهم وحالهم (وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ) أي لو رفعنا عنهم العذاب بعدما رأوه (لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) يخبر سبحانه وتعالى عن غِلَظِهم وكفرهم بأنه لو أراح عللهم وأفهمهم القرآن لما انقادوا له ولاستمروا على كفريهم وعنادهم وطغيانهم .

كما قال: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) وقال في آية أخرى (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) فهذا من باب علمه تعالى بما لا يكون لو كان كيف يكون. أي أنهم لو ردوا إلى هذه الدنيا أو رفع عنهم العذاب ما آمنوا.

(وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ) أي ابتليناهم بالمصائب والشدائد (فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) أي فما رَدَّهُم عن ذلك عما كانوا فيه من الكفر والمخالفة بل استمروا على ضلالهم وغيهم (فَمَا اسْتَكَانُوا) أي ما خشعوا ولقد دعا عليهم النبي e " سبع كسبع يوسف " قتل منهم كبراؤهم في بدر ومع ذلك استمروا في غيهم (فَمَا اسْتَكَانُوا) أي ما خشعوا (وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) أي ما دعوا، التضرع هو الدعاء لله I، كما قال سبحانه: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا) أي دعوا (وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) عن ابن عباس أنه قال: جاء أبو سفيان إلى رسول الله e فقال: يا محمد لم يسلم بعد أنشدك الله والرحم، قد أكلنا العلهز يعني: الوبر والدم من دعاء النبي e عليه فأنزل الله (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا) يعني يعلمون أن النبي e دعا عليهم ومع ذلك أبو سفيان من كبرائهم يأتي إلى النبي e يطلب منه أن يدعو ليرفع عنهم العذاب إذا كنت تعلم أن هذا نبي وأنه دعا عليكم واستجيب له وتطلب منه أن يدعو ليرفع عنكم لماذا لا تؤمنون به؟ وهذا مصداق هذه الآيات. (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) المبلس الذي قد نزل به الشر ويئس من زواله ونسخه بخير. (إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) أي حتى إذا جاءهم أمر الله وجاءتهم الساعة بغتة وأخذهم من عقاب الله ما لم يكونوا يحتسبون فعند ذلك أبلسوا من كل خير، وأيسوا من كل خير، وأفلسوا من كل خير، وأيسوا من كل راحة، وانقطعت آمالهم ورجاؤهم.

ثم يذكر I يذكرهم بالنعم التي عليهم يقول أنزلت الكتب وأرسلت الرسل انظروا التناسب (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) يعني يذكرهم بنعمه لماذا لم يستجيبوا أن جعل لهم سمعاً، وبصراً، وقلوباً، عقولاً وفهوماً، يدركون بها الأشياء، يميزون بين الخير والشر، بين الحسن والقبيح، بين الصادق والكاذب، بين الأمين والخائن. (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) أي ما أقلّ شكركم لله U على ما أنعم به عليكم، قيل معنى (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) أي شكراً قليلاً ما تشكرون، ورجّحه ابن عطية، القول الثاني أي ما أقل شكركم لله (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) فيه قولان لأهل التفسير: (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) أي ما أقل شكركم لله، الثاني: شكراً قليلاً ما تشكرون. ما الفرق بين القولين؟ الأول الذي قلنا: شكراً قليلاً ما تشكرون، نفى عنهم الشكر جملة وتفصيلاً، هذا رأي ابن عطية رحمه الله. أما قولنا: ما أقل شكركم لله فهو أثبت لهم القليل من الشكر، ما هو الأليق بحالهم؟ نفي الشكر عنهم جملة وتفصيلاً.

ثم قال I (وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ) أخبر I عن قدرته وسلطانه في برئه الخليقة وبثّهم لها في سائر أقطار الأرض على اختلاف أجناسهم ولغاتهم، ثم يوم القيامة يحشرهم (وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ) ذكر المبدأ والمعاد. (ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) يحيي الرِمَم ويميت الأمم (وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) أي عن أمره تسخير الليل والنهار كل منهما يطلب الآخر طلباً حثيثاً، يتعاقبان لا يفتران، ولا يفترقان بزمان كما قال I (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ).

(أَفَلَا تَعْقِلُونَ) أي أفليس لكم عقول تدلكم على العزيز العليم؟ الذي قد قهر كل شيء، وعز كل شيء، وخضع له كل شيء، (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) جعل لكم السمع والبصر، وهو الذي بدأكم، وهو الذي إليه حشركم، وهو الذي أراكم شيئاً ترونه تعاقب الليل والنهار (أَفَلَا تَعْقِلُونَ).

 

ثم قال Iمخبراً عن منكري البعث الذين أَشبَهوا مَنْ قَبْلَهُم من المكذبين: (بَلْ قَالُوا) مع كل ما ذكرنا، وكل ما قررنا، وكل ما أخبرنا من الأمم السابقة وردّ أقوامهم عليهم، ما ذكرنا من الأدلة (بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ) من هم الأولون؟ الذين ذكروا في أول هذه السورة قوم نوح وقوم عاد (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ). (بَلْ قَالُوا) من هم الذي قالوا؟ كفار قريش (مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (81) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) يعني يستبعدون وقوع ذلك بعد صَيْرُورَتِهِمْ إلى الْبِلَى (لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) هذا الوعد ما هناك نبي إلا قال: أنتم تبعثون، ما رأينا آباءنا ما أتى البعث، هذه (أَسَاطِيرُ) يعني أكاذيب وأحاديث (الْأَوَّلِينَ) يتسلون بها لا حقيقة لها. فهذه النتيجة التي وصلوا إليها بعد كل هذه الأمور، بعد كل هذه التقريرات، بعد كل هذه المواعظ من الأمم السابقة ومنهم هم، بعد تقرير ما قرره لهم، النتيجة؟ النتيجة التي قالها كفار قريش من مات على كفره وإلا منهم من أسلم ماذا قالوا؟ (بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (81) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) أي هذا ديدنهم، تشابهت قلوبهم وتشابهت ردودهم، كما اتفق الأنبياء في دعوتهم إتفق أقوام الأنبياء في ردّ دعوتهم. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل