ما هي نيتك في الصلاة؟

ما هي نيّتك في الصلاة؟

بقلم سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

 الصلاة هذا الركن العظيم الذي هو نعمة من الله سبحانه وتعالى على عباده يدفعهم فيه إلى الإقبال عليه معظّمين له طائعين راغبين بما عنده راجين رحمته وثوابه طالبين مغفرته ورضوانه. فنحن لا نصلي لإسقاط الفرض وإنما نصلي طاعة لله الذي أمرنا بها والصلاة عمل والعمل يحتاج إلى نيّة لأن قبول الأعمال متوقف على النوايا كما في الحديث: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" وهذا أمر قد نغفل عنه كثيرًا لأنه أمر قلبي خفيّ لا يعلمه إلا الله عز وجلّ ونغفل عن أن العبد قد يبلغ بنيته ما لا يبلغه بعمله إن كان صادقًا مخلصًا فيها. فإذا كانت النيّة في حياة المسلم تجعل عاداته عبادات فكيف بها بالعبادات؟!

عندما يدرّب العبد نفسه على النية قبل كل عبادة ويجددها قبل كل عمل سيتحول يومه كله إلى عبادة وستكون حياته حقًا في سبيل الله مصداقًا لقول الله تعالى (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٦٢﴾ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴿١٦٣﴾ الأنعام). فمن نوى عند طعامه أنه يتقوى به على طاعة الله فهو مأجور على نيته ومن نوى بخروجه إلى وظيفته السعي على رزقه ورزق عائلته ويحصل على المال الذي يمكنه التصدق منه ومساعدة المحتاجين فهو مأجور على نيته، وربة البيت التي تنوي بإعداد البيت والطعام أن تؤمن لزوجها وأولادها مقومات البيت الذي فيه السكينة والراحة فهي مأجورة على نيتها، وهكذا في الأعمال الدنيوية نؤجر على النية الصادقة والتي لا تأخذ منا جهدًا ولا وقتًا ولا مالًا والأعمال سنقوم بها على أي حال فلماذا لا نسبقها بنية طيبة تجعل منها عبادات نتنقل بين أفيائها ليل نهار؟

وأما النيّة في العبادات فهي أوقع وتمثل كما أراها والله أعلم مع الاستغفار عقب كل عبادة حصنًا منيعًا يحفظ لبّ العبادة من أي خلل أو عدم إخلاص أو عدم حضور قلب. والنية الصادقة المخلصة تجعل العبد يقظّا دائمًا لكل كلمة يقولها ما نيته في قولها؟ هل يريد بها وجه الله؟ وفي كل فعل يقوم به هل يبتغي به مرضاة الله؟ وهل هذا العمل سيقربنه من محبة الله؟ وهل هذه العبادة ستكون في ميزان الحسنات؟ هكذا حال العبد المؤمن الذي يعيش في الدنيا سعيًا للآخرة (وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴿١٩﴾ الإسراء) والسعي للآخرة يبدأ من النية الصادقة عند كل قول وفعل وعمل وعبادة. فكما أن الصيام في رمضان ينبغي أن تبيّت النية له من الليل فكذلك في سائر العبادات لأنها كلها مترابطة ببعضها فما نتعلمه من عبادة ينبغي أن نعممه على سائر العبادات فالإخلاص مطلوب في كل العبادات والإتقان مطلوب فيها والإحسان وعلم أحكامها ومعرفة أسرارها وواجباتها.

كيف أطبق النية في الصلاة؟

قد يسأل البعض كيف تكون النية في الصلاة؟ وقد يظن البعض أن النية هي أن أقول: نويت أن أصلي لله أربع ركعات فرض صلاة الظهر حاضرا كما علّمونا للأسف منذ الصغر، وهذا غير دقيق فالنيّة لا يُتلفظ بها لأنها عمل قلبي ويكفي أن تستحضرها في قلبك قبل صلاتك. ذكرنا في رسائل سابقة معاني الصلاة المتعددة منها أنها مكفرة للذنوب وأنها نور وأنها طاعة وعروج وسبيل لدخول الجنة وغيرها كثير ومن هذه المعاني وغيرها يمكننا أن ننتقي النيّة التي ننويها قبل كل صلاة وننوّع فيها فنختار لكل فرض نيّة جديدة تجعلنا دائمي اليقظة والوعي لما نقوم به ونستشعر أن بهذه النية، بهذا العمل البسيط يُكتب لنا من الأجر ما قد لا يُكتب للعمل نفسه لأنه قد يكون فيه خلل ما أو تقصير.

فإذا صليت وأنت تنوي أن صلاتك تكفّر الذنوب فإنك ستقبل على صلاتك حريصّا على استشعار مقامات المغفرة في الصلاة وتركّز عليها وتستحضرها كأن تطيل في ركوعك وسجودك لعلمك أن الذنوب تتساقط عنها فيهما كما في الحديث.

وإذا صليت وأنت تنوي أن صلاتك قرب لك من ربك عز وجلّ فستحرص على استحضار مقامات القرب من الله تعالى فتقرأ الفاتحة بتأمل أن الله تعالى قريب منك يرد عليك وتستشعر قربه في السجود وفي التحيات..

وإذا صلّيت وأنت تنوي أن الصلاة عروج لروحك وقلبك إلى الملأ الأعلى فستحلق بك صلاتك إليه..

وإذا صلّيت وأنت تنوي أن الصلاة راحة لك كما كانت لنبيك صلى الله عليه وسلم فستصلي وأنت تتلمس مواطن الراحة والأمان وتنزّل الرحمات من الرحمن الرحيم وتصلي بطمأنينة لا بعجلة وسرعة.

وإذا صليت وأنت تنوي أن الصلاة مفتاح كل خير فستقيمها وأنت مستحضر أن هذه الصلاة ستفتح لك بعدها أبواب خير ما كنت تعلمها فتطلب من ربك الإعانة على أن تكون أنت مفتاحا للخير..

وإذا صلّيت وأنت تنوي أن الصلاة تشمل أركان الإسلام الخمسة ستصلي صلاة تخرج منها صائمًا مزكيّا حاجا موحّدا لله تعالى..

وإذا صليت وأنت تنوي اتباع الأنبياء كلهم من قبلك فستصلي وأنت مستحضر قافلة الأنبياء ترجو الله أن يجعلك معهم على الصراط المستقيم إلى جنات النعيم...

وهكذا جدّد في نيّتك وتفنن فيها فإنها لن تكلفك شيئًا لكنك سترى أثرها في صلاتك وحياتك قبل أن ترى أجرها عند الله في ميزان حسناتك، ذلك الميزان الذي يزن بمثقال الذرّة حتى لو كانت نيّة قلبية لا يعلمها إلا اللطيف الخبير سبحانه... ولنتخيّل حال قلوبنا وأقوالنا وأفعالنا وأعمالنا إن سبقها نوايا صادقة طيبة تسعى لتحقيق أهداف سامية راقية فيها صلاحنا وصلاح غيرنا في الدنيا والآخرة؟! لا شك أننا سنكون واعين مدركين لكل لفظة تخرج من أفواهنا ولكل عمل تقوم به جوارحنا فلا نقول عندها إلا طيبا ولا نسعى إلا فيما فيه خير وصلاح وفلاح، وكل هذا بمجرد أن استحضرنا نيّة صادقة مخلصة خالصة لله تعالى قبل كل أمر فيا لعظمة هذا الدين ويل لحرصه على أن يتقلب العبد في نعم الله ورحمته وفضله ليل نهار، الرحمات متاحة والخير موفور والفضل عميم لكن هل نتعرض لهذه الرحمات والنفحات فنغنم؟! أم نتجاهلها فنغرم؟!

اللهم ارزقنا صدق النيّة والإخلاص فيها لنكون على مدار اليوم والليلة ممتثلين أوامرك متخلّقين بأخلاق القرآن متدبرين لسائر أقوالنا وأفعالنا أن تكون صالحة صادقة مخلصة فنعيش في ظلالها حياة راضية في سبيلك سبحانك..

 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل