(فإذا فرغت فانصب)

فإذا فرغت فانصب
الكاتب / د.عبد العزيز بن داود الفايز
 
لما كان الوقت هو الحياة وهو العمر الحقيقي للإنسان، وأن حفظه أصل كل خير، وضياعه منشأ كل شر، كان لابد من وقفة تبين قيمة الوقت في حياة المسلم، وما هو واجب المسلم نحو وقته؟ 
 
إذا عرف الإنسان قيمة شيء ما وأهميته حرص عليه وعزَّ عليه ضياعه وفواته،  وهذا شيء بديهي، فالمسلم إذا أدرك قيمة وقته وأهميته، كان أكثر حرصاً على حفظه واغتنامه فيما يقربه من ربه، وها هو الإمام ابن القيم رحمه الله يبين هذه الحقيقة بقوله  "وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر مرَّ السحاب، فمن كان وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوباً من حياته.... فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأماني الباطلة وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير من حياته".  
 
ويقول ابن القيم أيضا: العبد من حيث استقرت قدمه في هذه الدار فهو مسافر إلى ربه. "
 
ويقول ابن الجوزي: "ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ويقدم فيه الأفضل فالأفضل من القول والعمل، ولتكن نيته في الخير قائمة من غير فتور بما لا يعجز عنه البدن من العمل ". 
 
ولقد عني القرآن والسنة بالوقت من نواحٍ شتى وبصور عديدة، فقد أقسم الله عز وجل به في مطالع سور عديدة بأجزاء منه مثل الليل، والنهار، والفجر، والضحى، والعصر، ومعروف أن الله إذا أقسم بشيء من خلقه دلَّ ذلك على أهميته وعظمته، وليلفت الأنظار إليه وينبه على جليل منفعته. 
 
وجاءت السنة لتؤكد على أهمية الوقت وقيمة الزمن، وتقرر أن الإنسان مسئول عنه يوم القيامة، فعن معاذ بن جبل أن رسول الله  قال( لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع خصال: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه ).
 
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الوقت نعمة من نعم الله على خلقه ولابد للعبد من شكر النعمة وإلا سُلبت وذهبت. وشكر نعمة الوقت يكون باستعمالها في الطاعات، واستثمارها في لباقيات الصالحات، يقول  ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ ) .
 
فدل هذا الحديث الشريف على أن الفراغ نعمة عظيمة من الله عز وجل, وأن كثيرا من الناس مغبون في هذه النعمة, وسبب ذلك الغبن يرجع إلى أحد ثلاثة أمور:
1/ أنه لم يستغل هذا الفراغ على أكمل وجه, وذلك بأن يكون قد شغل فراغه بأمر مفضول مع أنه كان بإمكانه أن يشغله بأمر أفضل.
2/ أنه لم يشغل هذا الوقت بشيء من الأعمال الفاضلة التي تعود عليه بالنفع في دينه ودنياه, وإنما شغله بأمور مباحة لا أجر فيها ولا ثواب.
3/ أنه شغله بأمر محرم –والعياذ بالله-, وهذا أشد الثلاثة غبنا, فهو ضيع على نفسه فرصة استغلال الوقت بما يعود عليه بالنفع, ولم يكتف بذلك بل شغل وقته بما يكون سببا لتعرضه لعقوبة الله عز وجل في الدنيا والآخرة 
أخي القارئ إن الوقت هو رأس مال الإنسان فمن اغتنمه فيما ينفعه كان ذلك فلاحا له في الدنيا والآخرة : قال الحسن: يا ابن آدم إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومك ذهب بعضك. وقال عمر بن عبد العزيز: إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما وإن الوقت إذا فات لا يعود: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إن لله حقا بالنهار لا يقبله بالليل، ولله حق بالليل لا يقبله بالنهار. 
 
ولهذا كان الوقت عند السلف أغلى من الدراهم والدنانير، قال الحسن: لقد أدركت أقواما كانوا أشد حرصا على أوقاتهم من حرصكم على دراهمكم ودنانيركم!
 
أخي الحبيب : لا تدع في وقتك فراغا فإن المؤمن ليس عنده وقت فراغ, قال تعالى)  فإذا فرغت فانصب ) قال بعض المفسرين: «المعنى إذا أتممت عملا من مهام الأعمالفَانْصَبْ فأقبل على عمل آخر بحيث تعمر أوقاتك كلها بالأعمال العظيمة» وللحديث تتمة .
 
للتواصل : مكة المكرمة فاكس 052611110
المصدر: موقع د. عبد العزيز الفايز
http://alfayeez.com/articles/19



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل