بلاغة آية وحديث - الحلقة 57 - (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ)

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 57

الآية التي معنا اليوم هي الآية الرابعة والسبعون من سورة النساء (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿٧٤﴾) هذه الآية العظيمة التي في سورة النساء أخبر الله تعالى فيها أن المجاهد في سبيل الله إن قُتل أو غلب فإن له أجرًا عظيمًا، وهنا وقفات بلاغية:

أول وقفة فيها في عبارة (أو). (أو) فيما تفيد التقسيم، يعني هذا الأمر يحصل أو هذا الأمر، إما القتل في سبيل الله وإما الانتصار، إحدى الحُسنيين: النصر أو الشهادة، والعقل يقول إن فيه قسمة ثالثة وهي الأسر فلماذا لم يذكر الأسر في القرآن الكريم؟ تجيب الدراسات البلاغية معنا هنا فيما تشير إليه الباحثة الكريمة الأستاذة وضحى بنت محمد العريفي إلى أن العلماء ذكروا فيه أمرًا بلاغيًا جميلًا وهو أن الله والله أعلم يريد أن يوجه المقاتلين المجاهدين الباذلين نفوسهم الرافعين على الأكفّ أرواحهم أن يوجههم أنهم إما أن يُقتلوا فيذهبوا إلى الجنة شهداء وإما أن يغلبوا عدوهم وينتصروا وكأنه يطوي الذكر عن الثالثة وهي الأسر لأنه لا يحبّذ للمؤمن أن يكون أسيرًا، وأيّ نفس مجاهدة ستسشعر النصر أو الشهادة بالله كيف ستكون هذه الهمة للقتال في سبيل الله؟ إنها همّة عالية: إما أن أنتصر وإما أن أُقتل وأفارق الحياة لا أفكر في الانهزام، في الضعف، في الأسر، أنا لا أعيش هذا

لنا الصدر دون العالمين أو القبر

هذا التقسيم العجيب الذي طوى صفحًا عن ذكر القسمة العقلية الثالثة وهي الأسر واكتفى بالقسمتين الاثنتين: النصر أو الشهادة (فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ) وفي الحالتين كلتيهما سيؤتيه الله أجرًا عظيمًا، وإذا كان الله الذي سيؤتي فإنه أجرٌ حقًا عظيم لأن الله هو الذي سيؤتيه، وإذا كان أجرًا من الله فهو أجر عظيم فكيف وقد وصفه الله بأنه أجرًا عظيما بمعنى لو قال الله: فسوف نؤتيه أجرا لكان شيئا كبيرًا عظيمًا فكيف والله وصفه بكونه أجرًا عظيمًا.

هنا وقفة عظيمة مع هذا الأجر العظيم: إن الله أعدّ في الجنة مائة درجة أعدّها للمجاهدين في سبيله، الله أكبر! إنها مائة درجة ولكن للمجاهدين في سبيله ليس جهاد حميّة ولا جهاد انتصار للنفس ولا جهاد شعارات ضالّة، ولا جهادا خارجيا على ولاية شرعية وإنما جهاد في سبيل الله، الذي قاتل لتكون كلمة الله هي العليا هو الذي في سبيل الله كما أفتى بذلك محمد صلى الله عليه وسلم عن الرجل الذي يقتل حمية ويقاتل ويقاتل: قال من قاتل لتكون كلمة الله هي العلي فهو في سبيل الله، اللأمر محسوم والجهاد الحق واضح نسأل الله أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه.

في الآية وقفة بلاغية أخرى عندما قال الله تعالى (وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) القتال في سبيل الله هو جزء من العيش في سبيل الله، والحياة في سبيل الله أطول واشق وألذ وأكثر منفعة من الموت في سبيل الله، الله تعالى يقول (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) الأنعام) قدّم المحيا على الممات، يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله فيما يروى عنه: إن الحياة في سبيل الله أصعب من الموت في سبيل الله . الموت في سبيل الله مرة وينتهي لكن الحياة في سبيل الله طويلة، منذ سن التكليف إلى أن يبلغ اليقين ويتوفى الإنسان، قد يستمر عشرين، ثلاثين، أربعين، خمسين سنة، سبعين سنة أو أكثر أو أقل، هذه الحياة في سبيل الله هي التي تحتاج إلى الاستنارة بهدي الشرع. الابتسامة في وجوه الآخرين هي في سبيل الله، قضاء حوائج الآخرين هي حياة في سبيل الله، منفعة الناس، الأعمال التطوعية، القيام بحق الوالدين هي حياة في سبيل الله، القيام بالواجب المنط به الموف في وظيفته، التاجر في تجارته، سائق الأجرة في سيارته، أن لا يظلم في مقياس، أن لا يظلم في مكيال،  صاحب البقالة والمحل التجاري، كل هذا حياة في سبيل الله. أرأيتم كيف أن الحياة في سبيل الله أطول وأشق وتستدعي أمورًا أكثر مما يستدعيه الموت في سبيل الله. الناس يعتقدون أن أعلى شيء أن يموت الإنسان في سبيل الله والله تعالى قال (وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي) فالحياة في سبيل الله أيضًأ تتطلب نفسًأ راقية سامقة لا يعرفها إلا من عاشها  ولا يتلذذ بها إلا من ذاق لذاتها.

نسأل الله تعالى أن يوفقنا للعيش في سبيل الله وأن ينزلنا منازل الشهداء وأن يبلغنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

بلاغة حديث

 

وقفات بليغة مع عتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنته الحبيبة المحببة فاطمة عندما جاءته في حديث سبق ذكره تقول له: إن نساءك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة في عائشة رضي الله عنها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا بنية ألا تحبين ما أحب؟ الله أكبر ما أجمل هذا اللفظ! الله أكبر ما أرقّ هذا الكلام! الله أكبر ما أدل الألفاظ على المعاني! يا بنيّ’، يناديها بالنداء حتى تنتبه له لأن النداء هو إقبال المخاطَب، يا بنيّة، انتبهي يا بنية، فإذا أقبلت عليه فاطمة وهي مقبلة عليه بقلبها وقالبها، قال لها بنيّة، لو قال لها يا بنتي لكانت لفظة رقيقة، لو قال يا بنتُ لكانت لفظة رقيقة، لو قال يا فاطمة لكانت لفظة رقيقة، لو قال يا أم الحسن لكانت لفظة رقيقة، فكيف وهو صلى الله عليه وسلم يقول: يا بنيّة بالتصغير، بالتحبيب بعد النداء بحرف النداء (يا) يا بنيّة أنت قريبة من قلبي يا بنيتي، أعاتبك، اقبلي مني، ألا تحبين من أحب؟ كيف تأخذين بأقوال أمهات المؤمنين في سؤال العدل بينهن وبين عائشة وأنا أعدل الناس؟! يا بنية أحبي ما أحب. وهنا لم يعنّفها صلى الله عليه وسلم ولم يوبّخها رضي الله عنها وصلى الله عليه وسلم، ولم يجبهها بالكلام ولم يقل لها ما علاقتك هذا شأني الزوجي، هذا بيني وبين زوجاتي، اخرجي منها، لا، لا يقول هذا من قال الله تعالى عنه (وإنك لعلى خلق عظيم). وإنما حملها إلى محمل آخر بلفظ رقيق ومعنى جميل" يا بنية ألا تحبين ما أحب؟"، وفي بعض الألفاظ (أيّ بنية) بحرف النداء الذي يدل على القرب من القلب كما قال لقمان لابنه (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴿١٣﴾ لقمان) تصغير بنيّ وبنيّة مما يقرب القلوب ويهدئ النفوس ويوثق العلاقة الحميمية بين الوالد وولده، بين الأم وابنتها، بين الأم وابنها، بين الأب وابنته، بين الأب وابنه، إن هذا جاء في موعظة حسنة ورحمة مهداة من رب البريات من الله سبحانه وتعالى. وهنا نلحظ أن التنغيم الصوتي يهدأ شيئًا فشيئا "يا بنيّة، ألا تحبن ما أحبّ؟" صلى الله على من وفّق لهذا اللفظ الراقي النبيل محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل