سور القرآن، دروس ومحاور - من دروس سورة طه

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة طه

من دروس السورة: قصة موسى في سورة طه

ها هوذا موسى عليه السلام في الطريق بين مدين ومصر إلى جانب الطور، ها هوذا عائد بأهله بعد أن قضى فترة التعاقد بينه وبين نبي الله شعيب على أن يزوجه إحدى ابنتيه في مقابل أن يخدمه ثماني سنوات أو عشرًا ثم خطر له أن يفارق شعيبا وأن يستقل بنفسه وبزوجه ويعود إلى البلد الذي نشأ فيه والذي فيه قومه بنو إسرائيل يعيشون تحت سياط فرعون وقهره. لماذا عاد وقد خرج من مصر طريدًا؟ قتل قبطيًا فيها حين رآه يقتتل مع إسرائيلي وغادر مصر هاربًا، وبنو إسرائيل فيها يسامون العذاب ألوانًا حيث وجد الأمن والطمأنينة والأمن في مدين إلى جوار شعيب صهره الذي آواه وزوجه إحدى ابنتيه؟ إنها جاذبية الوطن والأهل، تتخذها القدرة ستارًا لما تهيئه لموسى من أداور، وهكذا نحن في هذه الحياة نتحرك تحركنا أشواق وهواتف ومطامح ومطامع، وإن هي إلا الأسباب الظاهرة للغاية المضمرة والستار الذي تراه العيون لليد التي لا تراها الأنظار ولا تدركها الأبصار، يد المدبر المهيمن العزيز القهار.

وهكذا عاد موسى وهكذا ضلّ طريقة في الصحراء، ضلّ طريقه والليل مظلم والمتاهة واسعة، نعرف هذا من قوله لأهله (امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) فأهل البادية يوقدون النار على مرتفع من الأرض ليراها الساري في الصحراء فتكشف له الطريق أو يجد عندها القِرى والضيافة. ولقد رأى موسى النار فاستبشر فذهب يطلب قبسًأ من النار ولكنه وجد المفاجأة الكبرى: إنها النار التي تدفئ لا الأجسام ولكن الأرواح، النار التي تهدي لا في الليل ولكن في الرحلة الكبرى (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى ﴿١١﴾ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴿١٢﴾ وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ﴿١٣﴾ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴿١٤﴾ إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴿١٥﴾ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى ﴿١٦﴾).

يلخَّص هذا الوحي في ثلاثة أمور مترابطة: الاعتقاد بالوحدنية والتوجه بالعبادة والإيمان بالساعة وهي أسس رسالة الله الواحدة. وبينما موسى مستغرق إذ يتلقى سؤالًا (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ﴿١٧﴾ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى ﴿١٨﴾) ذلك أقصى ما يعرفه موسى عن تلك العصا، ولكن هاهي ذي القدرة القادرة تصنع لي في تلك العصا في يده ما لم يخطر له على بال تمهيدًا لتكليفه بالمهمة الكبرى (قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى ﴿١٩﴾ فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى ﴿٢٠﴾ قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى ﴿٢١﴾). ووقعت المعجزة الخارقة التي تقع في كل لحظة ولكن الناس لا ينتبهون إليها وقعت معجزة الحياة فإذا العصا حية تسعى وكم من الذرات الميتة أو الجامدة كالعصا تتحول في كل لحظة إلى خلية حية ولكنها لا تبهر الإنسان كما يبهره أن تتحول عصا موسى حية تسعى، ذلك أن الإنسان أسير حواسه فلا يبعد كثيرا في تصوراته عما تدركه حواسه وانقلاب العصا حية تسعى ظاهرة حسية تصدم حسّه فينتبه لها بشدة. أما الظواهر الخفية لمعجزة الحياة الأولى ومعجزات الحياة التي تدبّ في كل لحظة فهي خفية قلّما يُلتفت إليها وبخاصة أن الألفة تفقدها جدّتها في حسّه فيمر عليها غافلًا أو ناسيًا.

وصدر الأمر العلوي مرة أخرى إلى عبده موسى (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى) ثم يأتيه التكليف بعد ذلك.

(وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ﴿٩﴾ إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى ﴿١٠﴾ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى ﴿١١﴾ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴿١٢﴾ وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ﴿١٣﴾ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴿١٤﴾ إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴿١٥﴾ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى ﴿١٦﴾ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ﴿١٧﴾ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى ﴿١٨﴾ قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى ﴿١٩﴾ فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى ﴿٢٠﴾ قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى ﴿٢١﴾ وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى ﴿٢٢﴾ لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى ﴿٢٣﴾ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴿٢٤﴾)

يأتيه التكليف بالذهاب إلى الطاغية فرعون وإن موسى يعرف من هو الطاغية فرعون فقد رُبّيَ في قصره وشاهد طغيانه وجبروته وشاهد ما يصبه على قومه من عذاب ونكال وموسى في هذه اللحظة في حضرة ربه يحسّ الرضى والتكريم والحفاوة فليسأله إذن ما يعينه على مواجهة هذه المهمة العسيرة ويكفل له الإستقامة على طريق الرسالة قال (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴿٢٥﴾) فانشراح الصدر يحوّل المهمة العسيرة إلى متعة ويحيل عناء لذّة وطلب إلى ربه أن ييسر له أمره وتيسير الله لعباده هو ضمان النجاح وإلآ فماذا يملك الإنسان بدون هذا التيسير والطريق طويل وشائك ومجهول؟! وطلب إلى ربه أن يحل عقدة لسانه فيقهوا قوله وطلب أن يعينه الله بمعين من أهله فقال له الله (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ﴿٣٦﴾). إن موسى عليه السلام ذاهب لمواجهة أقوى ملك في الأرض، إنه ذاهب لخوض معركة الإيمان مع الطغيان، إنه ذاهب إلى خضم من الأحداث والمشكلات مع فرعون أول الأمر ثم مع قومه بني إسرائيل وقد أذلّهم الاستعباد الطويل وأفسد فطرتهم وأضعف استعدادهم للمهمة التي هم منتدبون لها بعد الخلاص. وقد أطلع الله موسى أنه لن يذهب لهذه المهمة بدون استعداد وتهيؤ، فقد صُنع على عين الله منذ زمان ودُرِّب على المشاقّ وهو طفلٌ رضيع ورافقته العناية وسهرت عليه وهو صغيرٌ ضعيف، وكان تحت سلطان فرعون ومتناوله وهو مجرّد من كل قوة فلم تمتد إليه يد فرعون لأن يد القدرة كانت تسنده وعين القدرة كانت ترعاه في كل خطاه، فلا عليه اليوم من فرعون وقد بلغ أشدّه وربه معه قد اصطنعه لتفسه واستخلصه واصطفاه وألقى عليه محبة منه. فيا للقدرة القادرة التي تجعل من المحبة الليّنة درعًا تتكسّر عليها الضربات وتتحطم عليها الأمواج وتعجز قوى الشرالطغيان أن تمسّ حاملها بسوء ولو كان طفلا رضيعا!.

والآن يأتي التكليف (اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴿٤٢﴾ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴿٤٣﴾ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴿٤٤﴾) وإلى هنا كان الخطاب لموسى عليه السلام وكان المشهد مشهد المناجاة في الفلاة. وهنا يطوي السياق المسافات والأبعاد والأزمان فإذا هارون مع موسى وهما يكشفان لربهما عن خوفهما من مواجهة فرعون وطغيانه فيجيئهما الردّ الحاسم الذي لا خوف بعده ولا خشية معه (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴿٤٦﴾) إنه الله القوي الجبار الكبير المتعال الله القاهر فوق عباده وهنا يسدل الستار ليُرفع فإذا هما أمام الطاغية في حوار وجدال أتياه وربهما معهما يسمع ويرى فأبلغاه ما أمرهما ربهما بتبليغه قال (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى ﴿٤٩﴾)؟ (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴿٥٠﴾) ربنا الذي أعطى الوجود لكل موجود في الصورة التي أوجده بها وفطره عليها، ثم هدى كل شيء إلى وظيفته التي خلقه لها وأمدّه بما يناسب هذه الوظيفة ويعينه عليها. وثنّى فرعون بسؤال آخر فقال: ما شأن القرون التي مضت من الناس؟ أين ذهبت؟ ومن كان ربها؟ وما يكون شأنها وقد مضت ولا تعرف إلهها؟ فأحال موسى علم ذلك إلى الله فهو الذي يعلم شأن تلك القرون في ماضيها ومستقبلها. ثم يستطرد موسى فيعرض على فرعون آثار تدبير الله في الكون وآلآءه على بني الإنسان فيختار بعذ هذه الآثار المحيطة بفرعون (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى ﴿٥٣﴾ كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى ﴿٥٤﴾) ولقد عرض موسى على فرعون كل آياته فكذب وأبى وقال (قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى ﴿٥٧﴾ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى ﴿٥٨﴾ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ﴿٥٩﴾) وهنا يسدل الستار ليرفع على مشهد المباراة.

(اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴿٤٣﴾ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴿٤٤﴾ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى ﴿٤٥﴾ قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴿٤٦﴾ فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ﴿٤٧﴾ إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴿٤٨﴾ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى ﴿٤٩﴾ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴿٥٠﴾ قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى ﴿٥١﴾ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ﴿٥٢﴾ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى ﴿٥٣﴾ كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى ﴿٥٤﴾ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ﴿٥٥﴾ وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آَيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى ﴿٥٦﴾ قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى ﴿٥٧﴾ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى ﴿٥٨﴾ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ﴿٥٩﴾ فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى ﴿٦٠﴾)

رأى موسى عليه السلام قبل الدخول في المباراة أن يبذل لهم النصيحة وأن يحذّرهم عاقبة الكذب فكان هذا بالفعل ولعل كلماته أثّرت في بعض القلوب ولكن المتعنتين راحوا يهيّجون المترددين فقالوا (قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ﴿٦٣﴾ فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى ﴿٦٤﴾) ثم اقدموا والقوا سحرهم وإنه لسحر عظيم فأوجس في نفسه خيفة موسى فأتاه الوحي ليقول له لا تخف إنك أنت الأعلى فمعك الحق ومعهم الباطل أنت موصول بالقوة الكبرى وهم يخدمون بشرًا ثانيًا، فألقى موسى عصاه ووقعت الفاجأة الكبرى إن عصاه تلقف ما يأفكون، فأُلقي السحرة سجًدا قالوا آمنا برب هارون وموسى فلم يُطق فرعون ما يشاهد حوله من عجائب فأخذته العزّة بالإثم وصار يهدّدهم بألوان العذاب الشديد (فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى) ولكنه كان قد فات الأوان، كانت اللمسة الإيمانية قد وصلت الذرّة الصغيرة بمصدرها الهائل فإذا هي قوية قويمة، إنها لمسة الإيمان في القلوب التي كانت من لحظة تحنو لفرعون وتعدّ القرب منه مغنمًا يتسابق إليه المتسابقون، فإذا هي بعد لحظة تواجهه في قوة وتحتقر جاهه وسلطانه وأُلهم السحرة الذين آمنوا بربهم أن يقفوا من الطاغية موقف المعلم المستعلي فقالوا له (إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ﴿٧٤﴾ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا ﴿٧٥﴾).

وهنا يسدل الستار ليرفع على مشهد آخر (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى ﴿٧٧﴾ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ ﴿٧٨﴾ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى ﴿٧٩﴾) لقد تولّت يد القدرة إدارة المعركة بين الإيمان والطغيان فلم يتكلّف أصحاب الإيمان فيها شيئا سوى اتباع الوحي والسرى ليلا ذلك أن القوتين لم تكونا متكافئتين فلا سبيل إلى خوض معركة مادية أصلاً هنا تولت يد القدرة إدارة المعركة ولكن بعد أن اكتملت حقيقة الإيمان في نفوس الذين لا يملكون قوة سواها يقول الطغيان (فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) فيقول الإيمان (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا). عندما بلغت المعركة بين الإيمان والطغيان في عالم القلب إلى هذا الحد تولت يد القدرة راية الحق لترفعها عاليًا وتنكّس راية الباطل بلا جهد من أهل الإيمان. وإلى هنا ينتهي مشهد النصر فيُسدل الستار ليُرفع على مشهد آخر من القصة.

(قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى ﴿٦٥﴾ قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ﴿٦٦﴾ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى ﴿٦٧﴾ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى ﴿٦٨﴾ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ﴿٦٩﴾ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ﴿٧٠﴾ قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى ﴿٧١﴾ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿٧٢﴾ إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴿٧٣﴾ إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ﴿٧٤﴾ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا ﴿٧٥﴾ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ﴿٧٦﴾ وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى ﴿٧٧﴾ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ ﴿٧٨﴾ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى ﴿٧٩﴾ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ﴿٨٠﴾ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى ﴿٨١﴾ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ﴿٨٢﴾)

يبدو أن الاستعباد الطويل لبني إسرائيل في ظل الفرعونية الوثنية كان قد أفسد طبيعة القوم وأضعف استعدادهم لاحتمال التكاليف والصبر عليها والوفاء بالعهد والثبات عليه فلا يكاد موسى يتركهم في رعاية هارون ويبعد عنهم قليلا حتى تتخلل عقيدتهم كلها وتنهار أمام أول اختبار، فرجع موسى من مناجاة ربه إلى قومه ليجدهم عاكفين على عجل من الذهب له خوار يقولون هذا إلهكم وإله موسى. فراح موسى يسألهم في حزن وغضب يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدًا حسنًا؟ وقد وعدهم بالنصر ودخول الأرض المقدسة في ظل التوحيد. أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم؟! سمع موسى منهم حجتهم التي ذكرتها سورة طه والتي تكشف عن مدى ما أصاب نفوسهم من تخلخل وأصاب تفكيرهم من فساد، عندها يتجه موسى إلى أخيه هارون باللوم (قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ﴿٩٢﴾ أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ﴿٩٣﴾) فيبدي هارون حجته التي ذكرتها السورة. ثم يتجه موسى إلى مسبِّب هذه الفاتنة: السامريّ، ويواجهه بعنف ويعلن طرده من جماعة بني إسرائيل مدى حياته. وكانت عقوبة العزل إحدى العقوبات في ديانة موسى وبحنق وغضب يأمر موسى بالإله المزيّف أن يُحرق ويُنسف في اليمّ وهنا يعلن موسى عقيدة التوحيد أثناء حرق الإله المزيف فيقول (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) وهنا تنتهي قصة موسى في سورة طه ولا تكتمل بقية أحداثها في هذه السورة لأن جو السورة هو جو الرحمة والرعاية بالمختارين المصطفين فلا حاجة إلى عرض مشاهد أخرى من هذه القصة في هذا الجو الظليل لا سيما إذا كانت تتمة القصة تحكي سلسلة عصيان بني إسرائيل وكفرهم بالله وقتلهم الأنبياء بغير حق وإنما ذكر هذا القسم في هذه السورة لأنه مناسب لجوّها ومحورها والله أعلم.

 

(وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى ﴿٨٣﴾ قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ﴿٨٤﴾ قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ﴿٨٥﴾ فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ﴿٨٦﴾ قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ﴿٨٧﴾ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ﴿٨٨﴾ أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ﴿٨٩﴾ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ﴿٩٠﴾ قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ﴿٩١﴾ قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ﴿٩٢﴾ أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ﴿٩٣﴾ قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴿٩٤﴾ قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ ﴿٩٥﴾ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ﴿٩٦﴾ قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ﴿٩٧﴾ إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴿٩٨﴾)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل