بلاغة آية وحديث - الحلقة 54- (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء)

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

الحلقة 54

الآية المختارة في هذه الحلقة هي الآية الثالثة والأربعون من سورة النساء (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) هذه الآية الكريمة اشتملت فيما اشتملت عليه بالتخفيف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم عندما شُرع لها التيمم بدلًا عن الوضوء والعجيب في هذه الآية أن الله تعالى قال فيها آمِرًا (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ) وهنا ليس الأمر على الوجوب والله أعلم بمعنى لا يجب أن نتيمم وجوبًا وإنما هو أمر بالإباحة بالتيمم بعد الحدر بحيث أنه من لم يجد الماء أو توفرت فيه شروط التيمم من خوف المشقة أو الأذى أو مرض أو بطء البُرء أو نحو ذلك مما ذكره السادة الفقهاء فإنه يحل له أن يتيمم فجاء الأمر هنا من عدم تمكنهم من استعمال الماء أن ينتقلوا إلى الخطوة الأخرى من الطَهور وهي التيمم. والتيمم هنا حدده الله تعالى بهذه الكلمات البليغة عندما قال (فَتَيَمَّمُوا) توجهوا إلى صعيد طيب فامسحوا بوجوهكم وأيديكم. العجيب أن صفة التيمم أن يضرب الإنسان الصعيد الطيب، التراب والغبار على الأرض ثم يمسح بوجهه ويديه، هل هذا طهور؟ هو لم ينقّي النجاسة ولم يطهرها ولم ينطفها، إذن نعرف من ذلك أن المقصود والله أعلم الاستعداد النفسي والاستحضار للقيام بالعبادة لا أن هذا الطهور بلمسة على كفيه وعلى الوجه أنه يغسل الأذى أو يزيل النجاسة، لا، وإنما هو أمر تعبدي محضٌ ورخصة عظيمة من الله سبحانه وتعالى أن ينتقل الإنسان من الوضوء إلى التيمم دون أن يكون مفردات التيمم مزيلة للنجاسة إنما هي ترفع الحدث لكنها لا تزيل نجاسة حسية واضحة وذلك من فضل الله وتخفيفه قال الله سبحانه وتعالى (يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ) [النساء: 28] وقال تعالى (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ) [المائدة: 6] اليسر والتخفيف وإزالة الحرج هي من مقاصد هذه الشريعة الغرّاء وهي من الأمور التي يُحمد بها الإسلام حيث إن الله جلّ جلاله لم يخلقنا ليعذبنا ولم يخلقنا ليتعبنا ولم يرد الله ليجعل علينا الحرج وما جعل الله علينا رهبانية في ديننا إنما الرهبانية ابتدعها الناس وإلا فإن الدين حنيف ميسّرٌ يُسر قال صلى الله عليه وسلم: "إن هذا الدين يُسر ولن يشاقّ أحدٌ الدين إلا غلبه". فهذه اللفتة الكريمة أن المقصود بالوَضوء، بالتيمم الذي أتى بعد الوضوء إنما هو تنشيط وتجديد تنشيط واستحضار لكمال حضور الصلاة حتى يستحضرها الإنسان هي من فحوى هذه الآية وهي من بلاغتها كما أشارت الباحثة الكريمة الأستاذة وضحى العريفي في دراستها لهذه الآية.

ثم قال الله سوت (أو على سفر) هنا وقفة بلاغية عظيمة في الاستعارة ما يسميه البلاغيون الاستعارة (على سفر) الناس يقولون (نحن في سفر) لكن الله تعالى عبر بقوله (عَلَى سَفَرٍ) وهنا استعارة والله أعلم لمعنى العلو كأن السفر أشبة الركوب لأنه عادة لا يسافر الإنسان إلا راكبًا إما راكبًا على دابة أو على سيارة أو على طائرة أو على سفينة أو نحو ذلك فهو مسافر (على) ولذلك ناسبت أن يكون الانتقال من مكان إلى مكان عن طريق العلو والارتفاع وهذا الذي يفيده حرف الجر (على) أكثر مما يفيده (في) أو (بـ) أو نحو ذلك وإنما هو على سفر وهذا من الدقة العجيبة في اختيار الألفاظ القرآنية فسبحان من هذا كلامه وجلّ وتقدّس! (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) المريض يباح له التيمم، الذي على سفر ويخشى قلة الماء يباح له التيمم، هذا الصعيد الطيب واللفظ القرآني الفريد في اصطفاء اللفظ عندما قال (صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) والله أعلم ثمة مجاز في هذا التعبير حيث إن المسح كما جاء في السًنّة إنما هو على الكفّ واليد كاملة لا يُمسح عليها وهذا من إطلاق الكل وإرادة الجزء وهذا أيضًأ فن من فنون البلاغة "التعبير بالكل وإرادة الجزء" لأن الذي يُمسح عليه الكفّان فحسب وليست اليد كاملة هي موضع المسح وهذا وجه من وجوه بلاغة القرآن الكريم.

بلاغة حديث

بلاغة رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا، هذا الموضع هو موضع حميم بين أب وابنته، بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين سيدتنا فاطمة الزهراء رضي الله عنها وعن زوجها وأولادها والصحابة أجمعين. موقف يخرجه البخاري ومسلم رحمهم الله في مرض النبي صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه دخلت عليه فاطمة كما تروي أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة أحابت فأتتنا فاطمة لا تخطئ مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحّب بها النبي صلى الله عليه وسلم وقال مرحبًا بابنتي وأجلسها عن يمينه أو عن يساره ثم سارّها بحديث –أخبرها أمرًا بينها وبينه لا يسمعنه من في في المجلس من أمهات المؤمنين وكلهنّ كنّ حاضرات– قالت عائشة: فسارّها بحديث – يعني النبي صلى الله عليه وسلم سارّ فاطمة أخبرها بسرٍّ فبكت رضي الله عنها وأرضاها بكت بكاء شديدًا، ثم سارّها مرة أخر فضحكت ضحكًا واضحًا بيّنا، قالت عائشة: فعجبتُ ما رأيت حزنًا كفرح أو فرحًا كحزن في مثل هذا الموضع فقامت أم المؤمنين عائشة فقالت: يا فاطمة، ما الذي أسر إليك صلى الله عليه وسلم دوننا نحن نساءه فبكيت ثم أسرّ إليك فضحكت؟ قالت فاطمة البنت الحصيفة رضي الله عنها: لم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم. إلا أنه بعد موته صلى الله عليه وسلم أعادت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها السؤال على ابنة زوجها فاطمة قالت: ما السرّ الذي أخبرك به صلى الله عليه وسلم فبكيت ثم أخبرك بآخر فضحكت؟ قالت: الآن نعم، أما الأول فأخبرني صلى الله عليه وسلم أن جبريل عليه السلام كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة وأنه قد عارضني به العام مرتين ولا أرى ذلك إلا أن الأجل قد اقترب - يعني أجله صلى الله عليه وسلم -  فاتقي الله واصبري – يوجه الرسول صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة - ثم بكيت البكاء الذي رأيتنني، فإنني – قال عليه الصلاة والسلام – فإني نعم السلف أنا لك فبكيتُ بكاء رأيتيه ثم أسرّ إليّ مرة أخرى وقال: يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة؟ فضحكت لهذه البشارة وأخبرها صلى الله عليه وسلم أنها أول أهله لحوقًا به بعد وفاته. وفعلًأ ماتت السيدة الزهراء رضي الله عنها بعد أبيها صلى الله عليه وسلم بستة أشهر وقيل ثلاثة أشهر.

 

يُلحظ في هذا الخطاب النبوي الحاني الحميمي بين الأب وابنته أنه صلى الله عليه وسلم راعى نفس وشعور فاطمة رضي الله عنها وعاطفتها ورقتها بكونها ابنة ستفقد أباها وهي قد فُجعت بأمها من قبل فستبقى بلا أب ولا أم وليست أي أمّ وليس أيّ أبّ! ناداها صلى الله عليه وسلم وأخبرها بالتدرج أن الأجل قد اقترب واصبري يا بنيتي وأنا فرطك وأنا الذي سأتقدمك وأنا نعم السلف لك فبكت فاطمة رضي الله عنها بكاء شديدًا مع أنه صلى الله عليه وسلم يصبّرها لأن فقد الوالد أمر جلل وفراق الأم أو الأب لا يعرف مذاقه إلا من ابتلي به فصبر أو لم يصبر إلا أنه ابتلي، نسأل الله الصبر على تلك المصائب. هنا رضي الله عنها بكت والنبي صلى الله عليه وسلم بجوارها فما حالها عندما يكون النبي صلى الله عليه وسلم تحت الثرى؟! ولذلك سارّها بخبر آخر فأخبرها أنها سيدة نساء الجنة وأنها سيدة نساء هذه الأمة فضحكت رضي الله عنها وهنا لا تستطيع البقاء بعد حبيبها محمد صلى الله عليه وسلم فتوفاها الله بعد أبيها بأشهر قليلة جمعنا الله ووالدينا ووالديهم مع الزهراء ومحمد صلى الله عليه وسلم في أعالي الجنان. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل