سور القرآن، دروس ومحاور - محور سورة طه

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة طه

محور السورة: رعاية الله لمن يصطفيهم

إن رعاية الله سبحانه وتعالى لأولئك الناس الذين يصطفيهم وحمايته لهم ومحبته، هو محور هذه السورة الجليلة التي تدور آياتها في فلكه، وهو الدرس الكبير في هذه السورة. يُخبرنا مطلع سورة طه بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشقّ عليه كفر الكافر وإعراض المُعرِض فهو يريد أن يعمّ الخير كل الناس الذين تبلغهم دعوته فكان كثير الحزن على هؤلاء الناس وكان يُجهد نفسه بالتلاوة والعبادة فنزل مطلع السورة يخفف همّه ويسليه فيقول له السياق: إن الله ما أنزل عليك القرآن ليؤدي إلى شقائك، ما أنزلناه لتشقى بتلاوته والتعبد به حتى يجاوز ذلك طاقتك ويشق عليك، فهو ميسر للذكر لا تتجاوز تكاليفه طاقة البشر ولا يكلفك إلا ما في وسعك ولا يفرض عليك إلا ما في طوقك والتعبد به في حدود الطاقة نعمة لا شقوة وفرصة للإتصال بالملأ الأعلى واستمداد والطمأنينة والشعور بالضر والأنس، ما أنزلناه عليك لتشقى مع الناس حين لا يؤمنون به. فلست مكلفًا أن تحملهم على الإيمان حملًا ولا أن تذهب نفسك عليهم حسرات. وما كان هذا القرآن إلا للتذكير والإنذار وقارئ هذه الآيات من أول سورة طه يكاد يلمس حرص هذه الآيات على راحة النبي صلى الله عليه وسلم وتهدئة روعه وتخفيف ثقل همّه فلقد كان عليه الصلاة والسلام يجهد نفسه في دعوة القوم ويشقّ عليه كفرهم حتى يكاد أن يهلك نفسه من أجلهم والله سبحانه وتعالى أنزل هذه الآيات عليه رعاية له ورأفة به فهو عليه الصلاة والسلام ذو مقام رفيع الشأن عند الله سبحانه وتعالى فهو المصطفى المختار الذي اختاره الله وأمّنه على وحيه وقد عوّد الله عز شأنه هؤلاء المصطفين على الرعاية والرحمة والرأفة بهم.

(طه ﴿١﴾ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى ﴿٢﴾ إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ﴿٣﴾ تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا ﴿٤﴾ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴿٥﴾ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ﴿٦﴾ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴿٧﴾ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴿٨﴾)

ويريد سياق الآيات أن يزيد في تسلية النبي عليه الصلاة والسلام وتخفيف همّه فيقول له: لست في المعركة وحدك فهذا موسى على ما عانى مع قومه الطغاة الكفار وقد كان حمله ثقيلا تنوء به راسيات الجبال ولكنه كان في رعاية الله وحمايته. والآيات في قصة موسى عليه السلام تؤكد درس السورة الكبير فقد كان عليه السلام محفوفًا برعاية الله منذ ولادته فتأمل هذه الآيات التي جاءت في شأن موسى عليه السلام (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ﴿١٣﴾) وقوله تعالى (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) وقوله (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) وتأمل كيف أوحى الله إلى أمه أن تقذفه في التابوت ثم تقذف التابوت في البحر، كيف تفعل أم هذا بابنها؟! إن الأم لا تفعل هذا بابنها مهما كان نوع المخاطر التي تحفّ به ولكنها قدرة الله وعنايته التي قذفت في قلب الأم الوجلة على ابنها أن تسلمه لمن يرعاه ويحفظه ويلقي عليه محبة منه وليصنع على عينه فمن أين يأتي الخوف عليه إذا كان الله قد تعهده ويريد أن يصنعه لنفسه! إنه ما من شرحٍ يمكن أن يضاف إلى الظلّ الرفيق اللطيف العميق الذي يلقيه التعبير القرآني العجيب (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) وكيف يصف لسان بشري خلقًا يُصنع على عين الله؟! إن قصارى ما يفعله البشر أن يتأملوه ويتملوه، إنها منزلة وإنها كرامة أن ينال إنسان لحظة من العناية فكيف بمن يُصنع صنعًا على عين الله؟!

(قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ﴿٣٦﴾ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى ﴿٣٧﴾ إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى ﴿٣٨﴾ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴿٣٩﴾ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ﴿٤٠﴾ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴿٤١﴾)

إن قصة موسى عليه السلام وردت في سور كثيرة ولكنها تعرض في حلقات تناسب موضوع السورة ومحورها فلا يستطيع قارئ القرآن أن يحيط بقصة موسى عليه السلام من خلال سورة واحدة بل إن كل سورة تعرض من قصته طرفًا يتناسب مع ظلها وجوها ومحور موضوعاتها وفي سورة طه التي نحن بصدد الحديث عنها فقد سبق قصة موسى مطلع السورة يشفّ عن رحمة الله ورعايته بمن يصطفيهم لحمل رسالته وتبليغ دعوته فجاءت القصى مظللة بهذا الظل تبدأ بمشهد المناجاة وتتضمن من رعاية الله لموسى عليه السلام وتثبيته وتأييده وتشير إلى سبق هذه الرعاية للرسالة فقد كانت ترافقه في طفولته فتحرسه وتتعهده. وقصة موسى من خلال سورة طه احتوت على عدة قوانين تؤكد درس السورة الكبير الذي ينص على أن المؤمنن الصادقين يحفهم الله برعايته وأما من أعرض وتكبر فهو موكول إلى نفسه. فهاهم بنو غسرائيل قد نجاهم الله من عدوهم ورأوا هلاكه بأعينهم وأكرمهم الله بنبيهم موسى عليه السلام وبالطيبات من الرزق الذي رزقهم الله إياها وكانت رعايته لهم مستمرة ونعمه عليهم مغدقة وكان هذا جزاء إيمانهم بنبي الله موسى وبرسالته ولكن لم تدم عليهم هذه النعمة طويلا لأنهم غيّروا وبدّلوا فكان أول انحرافهم هو وقوعهم في الشرك فعبدوا العجل ونسوا عهدهم مع الله سبحانه وتعالى. وجرائمهم عبر التاريخ لا حصر لها ولا عدّ إنهم وراء كل فتنة وجريمة لذلك غضب الله عليهم وأذلهم في الأرض فكان شغلهم الشاغل عبر التاريخ نشر الفتن وسفك الدماء وحرب دين الله سبحانه وتعالى. وكذلك نلاحظ من خلال قصة موسى مع السامري أن الشقاء نابع من كسب الإنسان واختياره فبعد أن اعترف بجريمته قال (وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي).

(قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿٧٢﴾ إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴿٧٣﴾ إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ﴿٧٤﴾ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا ﴿٧٥﴾ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ﴿٧٦﴾ وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى ﴿٧٧﴾ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ ﴿٧٨﴾ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى ﴿٧٩﴾ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ﴿٨٠﴾ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى ﴿٨١﴾ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ﴿٨٢﴾ وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى ﴿٨٣﴾ قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ﴿٨٤﴾ قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ﴿٨٥﴾ فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ﴿٨٦﴾ قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ﴿٨٧﴾ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ﴿٨٨﴾ أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ﴿٨٩﴾ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ﴿٩٠﴾ قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ﴿٩١﴾ قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ﴿٩٢﴾ أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ﴿٩٣﴾ قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴿٩٤﴾ قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ ﴿٩٥﴾ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ﴿٩٦﴾ قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ﴿٩٧﴾ إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴿٩٨﴾)

ويتكرر هذا القانون في قصة آدم عليه السلام الذي كرمه الله سبحانه وتعالى وأسجد له ملائكته وعلّمه أسماء الأشياء وأسكنه جنته، فهذه هي رعاية الله له وتكريمه له ولكنه استمع لوسوسة الشيطان فوقع فيما حذّره الله سبحانه وتعالى منه (وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ﴿١٢١﴾ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ﴿١٢٢﴾) فكان عليه السلام أول تائب إلى الله. ولا تزال الآيات في هذه السورة الكريمة تؤكد درس السورة الكبير: إن رعاية الله وحفظه تحيط بالإنسان طالما هو مستقيم على منهج الله عز وجلّ فإذا ما تخاذل عن منهج الله كان غير جدير بهذه الرعاية فتأمل قوله تعالى في التعقيب على قصة آدم (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴿١٢٣﴾ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴿١٢٤﴾ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ﴿١٢٥﴾ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴿١٢٦﴾ وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ﴿١٢٧﴾) فمن اتبع هدى الله فهو في أمان من الشقاء والضلال. والشقاء هو ثمرة الضلال ولو كان صاحبه غارقًا في المتاع فهذا المتاع ذاته شقوة في الدنيا والآخرة، والشقاء قرين التخبط ولو كان في المرتع الممرِع ثم الشقوة الكبرى في دار البقاء. ومن اتبع هدى الله فهو في نجوة من الضلال والشقاء في الأرض وفي ذلك عوض عن الفردوس المفقود حتى يؤوب إليه في اليوم الموعود.

ولقد أسرف من أعرض عن ذكر ربه، أسرف فألقى بالهدى بين يديه وهو أنفس ثراء وذخر وأسرف في إنفاق بصره في غير ما خُلِق له فلم يبصر من آيات الله شيئا، فلا جرم أنه يعيش معيشة ضنكًا ويُحشر يوم القيامة أعمى.

(وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ﴿١١١﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ﴿١١٢﴾ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ﴿١١٣﴾ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴿١١٤﴾ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴿١١٥﴾ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى ﴿١١٦﴾ فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴿١١٧﴾ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى ﴿١١٨﴾ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى ﴿١١٩﴾ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ﴿١٢٠﴾ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ﴿١٢١﴾ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ﴿١٢٢﴾ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴿١٢٣﴾ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴿١٢٤﴾ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ﴿١٢٥﴾ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴿١٢٦﴾ وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ﴿١٢٧﴾ أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى ﴿١٢٨﴾ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى ﴿١٢٩﴾)

ثم بعد ذلك يجول السياق في مصارع الغابرين ليؤكد درس السورة الكبير فحين تجول العين والقلب في مصارع القرون وحين تطالع العين آثارهم مساكنهم عن كثب وحين يتملى الخيال الدور وقد خلت من أهلها الأول ويتصور شخوصهم الذاهبة وأشباحهم الهاربة وحركاتهم وسكناتهم وخواطرهم وأحلامهم ووهمومهم وآمالهم حين يتأمل هذا الحشد من الأشباح والصور والانفعالات والمشاعر ثم يفتح عينيه فلا يرى من ذلك كله شيئا إلا الفراغ والخواء عندئذ يستيقظ للهوة التي تفغر فاها لتبتلع الحاضر كما ابتلعت الغابر، عندئذ يدرك يد القدرة التي أخذت القرون الأولى وهي قادرة على أن تأخذ ما يليها. وعندئذ يعي معنى الإنذار والعبرة أمامه معروضة للأنظار فما لهؤلاء القوم لا يهتدون وفي صارع القوم ما يهدي أولي الألباب (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى). ولولا أن الله وعدهم أن لا يستأصلهم بعذاب والحديث موجه إلى الطغاة والمتجبرين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم لحلّ بهم ما حل بالقرون الأولى ولكنها كلمة سبقت من الله وأجلٌ مسمى أمهلهم إليه فلا عليك يا محمد منهم، إن عليك إلا إبلاغهم فلا تشغل بالك بهم ولا تهتم لشأنهم ولا تشقى من أجلهم، هذه قوانين قد أُنزلت إليهم فمن اهتدى فلنفسه ومن ضلّ فإنما يضلّ عليه وابقَ أنت موصولًا بالله (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ﴿١٣٠﴾ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴿١٣١﴾ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴿١٣٢﴾) فهذا هو شأن الذين اصطفاهم الله سبحانه وتعالى واختارهم ليكونوا هداة للخلق وهذا هو مستوى الحياة  التي يعشونها بعيدًا عن أفكار الناس الباهتة التافهة.

 

(أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى ﴿١٢٨﴾ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى ﴿١٢٩﴾ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ﴿١٣٠﴾ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴿١٣١﴾ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴿١٣٢﴾ وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى ﴿١٣٣﴾ وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴿١٣٤﴾ قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى ﴿١٣٥﴾)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل