سور القرآن، دروس ومحاور - بين يدي سورة طه

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة طه

بين يدي السورة

سورة طه سورة مكية نزلت بعد سورة مريم تتحدث عن تربية الله لأولئك الذين اختارهم الله لحمل رسالته، لمحمد صلى الله عليه وسلم وموسى عليه السلام وهي تلم بموضوعات السور المكية كما هي العادة.

اسم السورة

ابتدأت سورة طه بهذين الحرفين (ط، هـ) للتنبيه إلى أن هذه السورة كهذا القرآن مؤلفة من مثل هذه الحروف. يتلو هذين الحرفين حديث عن القرآن كما هو الحال في السور التي تبدأ بالحروف المقطعة ويختار لبداية هذه السورة حرفان ينتهيان بإيقاع كإيقاع السورة ويُقصران ولا يمدّان لتنسيق الإيقاع كذلك. وقد أطلق بعض العلماء على هذه السورة سورة الكليم وهو موسى عليه السلام وذلك لأن أغلب فصولها اشتملت على ذكر قصة موسى عليه السلام.

ما ورد فيها من الحديث

عن أبي هريرة قال: لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر أسرى ليلة حتى أدركه الكرى أناخ فعرّس ثم قال يا بلال إكلأ لنا الليلة قال: فصلى بلال ثم تساند إلى راحلته مستقبِل الفجر فغلبته عيناه فنام فلم يستيقظ أحد منهم وكان أولهم استيقاظًا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي بلال، فقال بلال بأبي أنت يا رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتادوا ثم أناخ فتوضأ فأقام الصلاة ثم صلى مثل صلاته للوقت في تمكث ثم قال (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) أي حين تذكرني.

وأخرج مالك عن أسلم قال: كان عمر بن الخطاب يصلي من الليل ما شاء الله أن يصلي حتى إذا كان آخر الليل أيقظ أهله للصلاة ويقول لهم: الصلاة الصلاة ويتلو هذه الآية (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴿١٣٢﴾)

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزلت بأهله شدة أو ضيق أمرهم بالصلاة وتلا (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ)

مناسبة السورة لما قبلها

قال العلماء إن الله سبحانه وتعالى ذكر في سورة مريم قصص عدة من الأنبياء عليهم السلام بعضها مبسوط ومفصل كقصة زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام وبعضها بين البسط والإيجاز كقصة إبراهيم عليه السلام وبعضها موجز مجمل كقصة موسى عليه السلام وأشار إلى بقية النبيين إجمالًا ثم جاءت بعد ذلك سورة طه لتكمل سيرة سورة مريم في ذكر تاريخ وقصص الأنبياء. فذكرت فيها قصة موسى عليه السلام مستوعبة غاية الاستيعاب وبسطها سبحانه وتعالى غاية البسط ثم أشار عز شأنه إلى تفصيل قصة آدم عليه السلام الذي وقع في سورة مريم مجرد ذكر اسمه. وتأتي سورة الأنبياء لتتابع مسيرة ذكر الأنبياء وقصصهم مع أقوامهم فتكون المناسبة بين هذه السور الكريمة هي أنها اشتركت في سرد قصص الأنبياء مع أقوامهم تسردها هذه السور للعظة والعبرة. وبالتالي ستنتج معنا مناسبة أخرى بين هذه السور التي تذكر قصص الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه وهي اتحاد رسالة الله على لسان الأنبياء المذكورين. فتأمل التشابه الواضح بين قول عيسى عليه السلام عندما نطق في المهد (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴿٣٠﴾ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴿٣١﴾ مريم) وبين ما أوحاه الله سبحانه لنبيه موسى عندما قال له (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴿١٤﴾ إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴿١٥﴾) إنه توحيد الله وإفراده بالعبادة والتذكير بيوم الحساب.

إجمال مواضيع السورة

تبدا سورة طه وتختم خطابًأ للرسول صلى الله عليه وسلم ببيان وظيفته وحدود تكاليفه فيبين مطلع السورة للنبي صلى الله عليه وسلم أن الله ما أنزل عليك القرآن لتتعب وتغلو في مكابدة الشدائد حين تحاور أولئك القوم الطغاة وتفرط في السى على كفرهم وتتحسر على عدم إيمانهم، بل أنزلناه عليك لتبلغ وتذكّر وقد فعلت فلا عليك إن لم يؤمنوا بعد هذا، وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم على ما كان يعتريه من النَصَب والتعب حين كان يدعو أولئك القوم ذوي الخصومة ولا عجب فالكلام صنعتهم وبه يتفاخرون وعليه يعتمدون إذ يقرعون الحُجة بالحجة والبرهان بالبرهان وهو لديهم أمضى من السِنان. فالرسالة ليست شقوة كتبت عليك وليست عناء تُعذَّب به إنما هي الدعوة والتذكير وهي التبشير والإنذار وأمر الخلق بعد ذلك عائد إلى الله تعالى فالرسول لا يكلَّف فتح مغاليق القلوب والسيطرة على الأفئدة والنفوس إنما ذلك إلى الله الذي أنزل هذا القرآن وهو المهيمن على الكون كله المحيط بخفايا القلوب والأسرار.

(طه ﴿١﴾ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى ﴿٢﴾ إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ﴿٣﴾ تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا ﴿٤﴾ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴿٥﴾ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ﴿٦﴾ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴿٧﴾ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴿٨﴾)

ثم أتبع الله سبحانه وتعالى ذلك بما يقوي قلب النبي من قصص الأنبياء وما فعلته أممه معهم وكيف كانت العاقبة لهم والنصر حليفهم، ففي هذا سلوى له عليه الصلاة والسلام وتأسٍ بهم فيما قاموا به من الذود عن الحق مهما أصابهم من العنت والأذى من جراء الدعوة إليه كما اشار إلى ذلك سبحانه وتعالى بقوله (وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) [هود: 120] وبدأ بقصة موسى لأن محنته كانت شديدة فقد تحمل من المكاره ما تنوء به راسيات الجبال وقابل ذلك بعزم لا يفتر وبقوة تفلّ الحديد. وقصة موسى مع فرعون أكدت أن الإنسان بضعفه وعجزه لا يستغني بنفسه لا بد له من هاد يهديه الطريق ويرضده إليه ويمده بأسباب وجوده وسعادته فموسى عليه السلام كان في اشد الحاجة إلى معونة الله وهدايته عندما ضل الطريق في صحراء سيناء والله سبحانه وتعالى لن يتخلى عنه ناداه وأوحى إليه وأرشده وأرسله إلى فرعون ليصحح له طريق سيره بعد أن ضلّ وطغى. ثم بينت الآيات فواضل إحسانه سبحانه وتعالى وسوابغ نعمه على عبده موسى السابقة على الرسالة واللاحقة لها.

(وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ﴿٩﴾ إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى ﴿١٠﴾ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى ﴿١١﴾ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴿١٢﴾ وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ﴿١٣﴾ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴿١٤﴾ إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴿١٥﴾ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى ﴿١٦﴾ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ﴿١٧﴾ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى ﴿١٨﴾ قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى ﴿١٩﴾ فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى ﴿٢٠﴾ قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى ﴿٢١﴾ وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى ﴿٢٢﴾ لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى ﴿٢٣﴾ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴿٢٤﴾ قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴿٢٥﴾ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ﴿٢٦﴾ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ﴿٢٧﴾ يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴿٢٨﴾ وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي ﴿٢٩﴾ هَارُونَ أَخِي ﴿٣٠﴾ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴿٣١﴾ وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ﴿٣٢﴾ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ﴿٣٣﴾ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ﴿٣٤﴾ إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا ﴿٣٥﴾ قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ﴿٣٦﴾ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى ﴿٣٧﴾ إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى ﴿٣٨﴾ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴿٣٩﴾ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ﴿٤٠﴾ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴿٤١﴾)

والله سبحانه وتعالى أعلم حيث يجعل رسالته كما أخبر هو عن ذلك فيختار لهم الرجال الذين يصطفيهم لتلك المهام الخطيرة فيتولى تربيتهم وتهيئتهم لمهمتهم ويزودهم بما يحتاجونه في الطريق لأنهم سيقابلون الطغاة والمتجبرين فلا بد لهم من قوة القلب ووفرة العقل وسيتحدثون مع الضعاف والفقراء الذين لا يهتم بشأنهم أحد من الناس فلا بد لهم من رحمة في قلوبهم وتواضع وسماحة يكسبون بها ود الذين يدعونهم إلى الله. وقد لاحظنا أن موسى دعا ربه أن يشرح له صدره وييسر له أمره وأن ينطلق لسانه في الكلام ليفهمه المخاطبون وأن يعان بوزير من أهله يعينه وينصره فآتاه الله كل ذلك لأنها أشياء تعينه على ما كلّفه الله به في أداء رسالته.

(اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴿٤٢﴾ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴿٤٣﴾ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴿٤٤﴾ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى ﴿٤٥﴾ قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴿٤٦﴾ فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ﴿٤٧﴾ إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴿٤٨﴾ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى ﴿٤٩﴾ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴿٥٠﴾ قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى ﴿٥١﴾ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ﴿٥٢﴾ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى ﴿٥٣﴾ كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى ﴿٥٤﴾ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ﴿٥٥﴾ وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آَيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى ﴿٥٦﴾ قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى ﴿٥٧﴾ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى ﴿٥٨﴾ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ﴿٥٩﴾ فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى ﴿٦٠﴾ قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى ﴿٦١﴾ فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ﴿٦٢﴾ قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ﴿٦٣﴾ فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى ﴿٦٤﴾ قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى ﴿٦٥﴾ قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ﴿٦٦﴾ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى ﴿٦٧﴾ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى ﴿٦٨﴾ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ﴿٦٩﴾ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ﴿٧٠﴾)

بدأت هذه السورة بالحديث عن القرآن وقصة موسى في هذا القرآن فالآن يعقب السياق على القصة بالعودة إلى القرآن ووظيفته وعاقبة من يعرض عنه ويرسم هذه العاقبة في مشهد من مشاهد يوم القيامة تتضاءل فيه أيام الحياة الدنيا وتتكشف الأرض من جبالها وتعرى وتخشع الأصوات للرحمن وتعنو الوجوه للحيّ القيوم. لعل هذا المشهد وما في القرآن من وعيد يثير مشاعر التقوى في النفوس ويذكّرها بالله ويصلها به ثم يريح السياق القرآني الرسول من ناحية القرآن الذي ينزل عليه فيطلب منه أن لا يعجل في ترديده خوف أن ينساه وأن لا يشقى بذلك فالله حافظه وميسّره، وما عليه إلا أن يطلب منه ربه أن يزيده علمًا. وبمناسبة حرص الرسول على أن يردد ما يوحى إليه قبل انتهاء الوحي خشية النسيان يعرض السياق نسيان آدم لعهد الله وينتهي بإعلان العداوة بينه وبين إبليس وعاقبة من يتنكرون عهد الله ومن يعرضون عنه من ولد آدم ويرسم هذه العاقبة في مشهد من مشاهد القيامة كأنما هو نهاية الرحلة التي بدأت في الملأ الأعلى ثم تنتهي إلى هناك مرة أخرى.

وتختم السورة بتسلية الرسول عن إعراض المعرضين وتكذيب المكذبين فلا يشقى بهم فلهم أجل معلوم ولا يحفل بما أوتوه من متاع الحياة الدنيا فهو فتنة لهم وينصرف إلى عبادة الله وذكره فترضى نفسه وتطمئن. ولقد هلكت القرون من قبلهم وشاء الله أن يُعذر إليهم بالرسول الأخير فلينفض يده من أمرهم ويكلهم إلى مصيرهم.

 

(كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا ﴿٩٩﴾ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا ﴿١٠٠﴾ خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا ﴿١٠١﴾ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ﴿١٠٢﴾ يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا ﴿١٠٣﴾ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا ﴿١٠٤﴾ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا ﴿١٠٥﴾ فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا ﴿١٠٦﴾ لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا ﴿١٠٧﴾ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا ﴿١٠٨﴾ يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ﴿١٠٩﴾ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴿١١٠﴾ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ﴿١١١﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ﴿١١٢﴾ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ﴿١١٣﴾ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴿١١٤﴾ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴿١١٥﴾ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى ﴿١١٦﴾ فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴿١١٧﴾ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى ﴿١١٨﴾ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى ﴿١١٩﴾ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ﴿١٢٠﴾ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ﴿١٢١﴾ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ﴿١٢٢﴾ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴿١٢٣﴾ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴿١٢٤﴾ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ﴿١٢٥﴾ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴿١٢٦﴾ وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ﴿١٢٧﴾ أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى ﴿١٢٨﴾ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى ﴿١٢٩﴾ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ﴿١٣٠﴾ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴿١٣١﴾ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴿١٣٢﴾ وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى ﴿١٣٣﴾ وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴿١٣٤﴾ قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى ﴿١٣٥﴾)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل