واقعية العبادة

واقعية العبادة

بقلم: سمر الأرناؤوط

 خلق الله عز وجلّ آدم من تراب الأرض وشرّفه بأن نفخ فيه من روحه فصار إنسانًا سويًا خلقه في أحسن تقويم يؤهله لتلقي منهج الله تعالى ويعبده حق عبوديته. فعاش آدم وزوجه في الجنة بمقتضى متطلبات الروح هانئين مستورين إلى أن وسوس لهما الشيطان بالأكل من الشجرة فحرّك فيهما غرائز الطين وتاقت نفساهما للخلود والملك الذي لا يبلى وهذا كله بتقدير الله تعالى ومشيئته فهو سبحانه خلق آدم خليفة في الأرض منذ البدء (إني جاعل في الأرض خليفة) يعمر الأرض ويخلف الناس بعضهم بعضًا في عمارتها إلى يوم القيامة.

ومنذ تلك اللحظة التي أكل آدم وزوجه فيها من الشجرة والإنسان يعيش في صراع بين مكونات جسده الفاني من تراب وشفافية روحه التي بين جنبيه والتي هي سر من الأسرار (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي). والله عز وجلّ خلق الخلق وهو أعلم بما يصلحهم وما يحتاجونه ليقيموا حياتهم في الدنيا والآخرة فشرع العبادات في مواقيت ومواسم وخلق الإنسان وأودع فيه الشهوات أمر الإنسان بالسير في الأرض والسعي فيها والعمل والكدح (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحًا فملاقيه).

لكن ديننا ليس فيه رهبانية مطلقة والله عز وجلّ الذي خلق الخلق عالمٌ بخلقه عالم بضعفه عالم بتقلب قلبه، عالم بأهوائه وشهواته التي أودعها سبحانه فيه، عالم أن هذا الخلق مختلف عن الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم، عالم أن هذه النفس البشرية تملّ وتسأم ويعتريها الفتور فيجعل رمضان شهرا واحدا من اثني عشر شهرا ويجعل عرفة ساعات قليلة في يوم واحد ويجعل الصلوات خمس مرات في اليوم على فترات متباعدة وجعل الزكاة مرة في العام عندما يحول الحول.. والله عز وجلّ عالم أن هذا الخلق تفتنه الدنيا وزينتها، ويحب المال والنساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام ويحب التمتع بها وقد خلقها الله تعالى لتكون ابتلاءه وامتحانه في هذه الدنيا فهو لم يخلقه ملكًا يمشي على الأرض إنما خلقه بشرًا يعمر الأرض ويستخلف فيها وفق منهج إلهي ثابت واضح محدد لأن الله عز وجلّ لا يترك خلقه هملًا بلا منهج يربطهم به سبحانه وتعالى فهو خالقهم وربّهم.

 فالعبودية حلوة المذاق تسمو بالنفس البشرية لأعلى المراتب في العبادة لكننا بشر مخلوقين من طين يشدنا إلى الأرض فيتصارع الضدان صراعًا مستمرًا في كل لحظة من لحظات حياتنا وينبغي لكل إنسان أن يحسمه فيما بينه وبين نفسه ليس لصالح أحدهما على الآخر، لا لصالح الملائكية فقد لا يقدر عليها إلا من اصطفاهم الله تعالى لذلك ولا لصالح الطين لأنه سيؤدي به إلى ما لا تحمد عقباه من إشباع الأهواء والشهوات واتباع الهوى بعيدا عن الحق وإنما المؤمن الكيّس الفطن هو الذي يجد لنفسه سبيلا يزاوج بينهما بكل أريحية فيتقن العبودية في كل أحواله، في بيعه وشرائه، في سفره وحضره في كلامه وأفعاله في تعامله ومعاملاته ويلتزم بحدود الله في كل أمره ويتقن في نفس الوقت القيام بالأمور الدينية وفق منهج الله تعالى لا يتجاوز حدّا من حدود الله ولا يقربها وإنما يلجم جماح نفسه بتذكيرها بالآخرة فهو في سائر أحواله بين الحالين مجاهد يوازن بين حاجات روحه وجسده ولن يعيش الإنسان مرتاحًا هانئًا إلا عندما يجد هذا التوازن الدقيق ويحقق (ألا تطغوا في الميزان).



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل