بلاغة آية وحديث - الحلقة 53 - (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: 40]

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 53

الآية المختارة لهذه الحلقة هي الآية الأربعون من سورة النساء (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: 40] هذه الآية العظيمة اشتملت فيما اشتملت عليه على وقفات تربوية رائعة وعلى بلاغة في تعبيرها وأسلوبها تطرقت إليه الباحثة الكريمة الأستاذة وضحى بنت محمد العريفي حين قالت إن إضافة (لدن) إلى ضمير الغائب في قوله (وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ) إضافة تشريف بمعنى أن الإنسان إذا أتى بحسنة فإن الله يؤتيه من لدنه أي من لدن الله وهذا في دلالة على جزالة المؤتى الذي سيؤتيك لله إياه جزل كبير عظيم، لمَ؟ لأنه من لدنه، والشيء الذي من لدن الله لا شك أنه شيء عظيم –ولله المثل الأعلى - لو قال أمير من الأمراء: سأعطيك جائزة لا شك أن النفس تتطلع لأن جوائز الأمراء كبيرة ولو قال أمير أكبر منه سأعطيك جائزة لتاقت النفس إلى جائزة الأمير الأكبر لأن جائزته ستكون أكبر وإذا قال الملك سأعطيك هدية أو جائزة فإن هدايا الملوك أكبر من هدايا الأمراء، وهكذا لله المثل الأعلى إذا كانت الأعطيات من لدنه فإنها أعطيات ضخمة عظيمة من كريم جواد لا يقدر النعم والأعطيات إلا الله جلّ جلال الله وتعالى وتقدس.

يؤكد ذلك أن كلمة (لدن) غير كلمة (عند) مثلا، لدن بمعنى عند ولكنها تفرق في هذا التعبير بمزيد اختصاص فلو قال إنسان: "عندي مال" فإنه يحتمل أن يكون المعنى عندي مال هنا في هذه البلدة أو عندي مال في بلدة أخرى أو في بنك دولي سيحوّل إليّ المال، لكن إذا قال: لدني مال، لدي المال الآن معناه أن لديه هنا في هذا المكان، ففرق بين أن نقول عندي مال لأنه يحتمل المال القريب والمال البعيد وبين أن نقول لدي مال أو لدني مال فإن المال معناه بقبضته فكيف إذا جاء التعبير من الله جل جلال الله بأنه يؤتي من لدنه أجرا عظيمًا!.  

وفي أول الآية (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً) على هذه القرآءة يعني إذا جاء الإنسان بحسنة، أيّ حسنة، فإن الله يضاعفها، إذا كانت المضاعفة من الله فإنها مضاعفة ضخمة، حقّة، جزلى لأن الذي يضاعفها هو الله. وفي الحقيقة إنه لو أن الله جلّ جلاله كافأنا على الحسنة بحسنة من عنده لكفى ولكنا منعّمين فكيف إذا كان الله يكافئنا بالحسنة التي نعملها بمضاعفتها؟ هذه المضاعفة من لدن الله قد لا تكون شيئًا واضحًا لنا محددًا لا ثاني له وإنما قد يكون الأمر مالًا يرزقنا الله إياه بحسنة قمت بها، قد تصلي لله رب العالمين الفريضة "ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه" الفرائض أحب شيء إلى الله والنوافل زيادة في فضل الفرائض فلو تقرب العبد، الرجل والمرأوة بعمل صالح قد يكون مضاعفة هذا العمل بمال يرزقه، قد تكون مضاعفة لتلكم الحسنة صحة نتنعم بها في أجسادنا، قد تكون تلك المضاعفة ولدًا نرزق إياه ويبارك لنا فيه، قد تكون المضاعفة براحة نفسية واطمئنان بال وسعة خاطر وانشراح صدر وزوال همّ وتفريج كرب، كل هذا داخل والله أعلم في مضاعفة الحسنة. قد تكون الحسنة التي ننعم بها هي الثبات على الإسلام الذي أنعم الله به، قد نعمل حسنة رجالا كنا أو نساء فنأتى بالمضاعفة عن طريق الأمن الذي نعيشه، الأمن الذي يستتب في الديار، الأمن إذا خاف الناس، الهدوء إذا فزع الناس، الإطمئنان إذا تفرّق الناس، الاجتماع إذا تشتت الناس، كل ذلك قد يكون من مضاعفة الحسنة الوارد في هذه الآية الكريمة وهذا غير مستغرب ولا مستبعد لأننا ننتعامل مع رب كريم عظيم جلّ جلاله. هذا ما كان في بلاغة هذه الآية العظيمة (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) أجرًا منكّرًا لا يعرف كنهه ولا حدّه ولا عدّه إلا الله، عظيمًا، وإذا قال العظيم: سأوتيك أجرًا عظيمًا فلك أن تتصور ما مدى عظمة هذا الأجر العظيم من الرب العظيم سبحانه وتعالى.

بلاغة حديث

 

بلاغة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما سبق الإشارة إليه في توبة الله تعالى على الثلاثة الذين خلفوا ومن ضمنهم كعب بن مالك رضي الله عنه عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم سليمة: يا أم سلمة، تيب على كعب. خاطب النبي صلى الله عليه وسلم زوجه الكريمة أم سلمة بقوله: يا أم سلمة، يبشرها بتوبة الله على أحد الصحابة، ليس ابنًا لها ولا أخاها ومع ذلك يبشرها لأن مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى وكما قال عليه الصلاة والسلام: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا. أم سلمة من فرحتها بتوبة الله سبحانه وتعالى على كعب بن مالك قالت: يا رسول الله أفلا أرسل إليه فأبشره؟ تريد أن ترسل من بيتها بيت النبوة إلى كعب بن مالك هناك في حصنه، في مكانه الذي كان معتزلاً فيه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم له أن يعتزل امرأته وأن يعتزل الناس، قالت: أفلا أرسل إليه فأبشّره. وهنا أدب من آداب بيت الزوجية، أدب من آداب أمهات المؤمنين رضي الله عنهن أجمعين عندما استأذنت زوجها وحبيبها محمدًا صلى الله عليه وسلم أن تبشّر ولم تتخذ الأمر وحدها ولم تقرر القرار منفردة وإنما راعت حرمة البيت الزوجي فاستأذنته وهنا يأتي التوجيه الحاني الهادئ من الرحيم محمد صلى الله عليه وسلم الذي يقدر الأمور قدرها ويعرف مقاييس الأمور وضوابط الحاجات قال عليه الصلاة والسلام: إذن يحطمكم الناس فيمنعونكم النوم سائر الليلة. يعني يا أم سلمة لو بشّرت كعبًا لعلم الناس بهذا الأمر ثم جاؤوا إليكم يحطمونك من كثرتهم يسألونك ما صحة الخبر، هل صحيح تيب على كعب؟ متى تيب عليه؟ ما حال صاحبيه؟ وهكذا سيمنعونكم النوم. ولاحظوا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخّر بشارة كعب حتى لا تُحرم زوجته وأمهات المؤمنين النوم في بيوتهن وفي حجراتهنّ يعني ذلك أن النوم مطلب والراحة أمر مهم حتى لبيت القائد الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم فوقت العمل وقت ووقت الزوجية وقت ووقت النوم وقت والراحة لها وقت والقيام له وقت ومخالطة الناس لها وقت والخلوة بالزوجة له وقت وهكذا تنزّل الأمور في منازلها وفي ذلك إشارة لطيفة خفية إلى أن الصحابة مجرد أن يعلموا توبة الله على كعب سيتوافدون ويفرحون لأن أمره أقلقهم أن يكون أحد الصحابة معتزلا عنهم مغضوبًا عليه أو معاقبًا. نسأل الله تعالى أن يجعل مجتمعاتنا كلها مجتمعات إسلامية متوادة مترابطة متحابة فيما بينها وأن يُبعد عنها الشقاق والأذى والنفرة وتكفير بعضنا بعضا أو اعتداء بعضنا على بعض.  



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل