نظرات لغوية في القرآن الكريم - د. صالح العايد - 33

نظرات لغوية في القرآن الكريم حلقات إذاعية

د. صالح العايد

التفريغ لموقع إسلاميات حصريًا

(33)

النظرة الأولى

في قوله تعالى في الآية الحادية عشر من سورة الأنعام (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴿١١﴾) قال في هذه الآية الكريمة (ثُمَّ انْظُرُوا) وفي غيرها استعمل الفاء (فانظروا) ومعلوم أن ثمّ تدل على التراخي والفاء تدل على التعقيب والسر في ذلك والله أعلم أن الأمر بالسير في هذه الآية وقع في سياق الحديث عن قرون غابرة إذ قال الله تعالى قبلها (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ ﴿٦﴾ الأنعام) فكثرة القرون وإيغالها في أزمنة متطاولة ناسب معه استعمال (ثم) التي تدل على التراخي والبعد أما في غيرها من الآيات لم تذكر القرون وإنما ذكرت العِبَر كقوله تعالى (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) آل عمران) ولهذا حسنت الفاء هنا دون الآية الأولى. وقال الخطيب الإسكافي: إن قوله (سيروا في الأرض فانظروا) يدل على أن السير يؤدي إلى النظر فيقع بوقوعه وليس كذلك (ثم)، ألا ترى أن الفاء وقعت في الجزاء ولم تقع فيه (ثم). فقوله في سورة الأنعام (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا) لم يجعل النظر فيها واقعًا عقيب السير متعلقًا وجوده بوجوده لأنه بعثٌ على سير بعد سير لما تقدم من الاية التي تدل على أنه تعالى حداهم على استقراء البلاد ومنازل أهل الفساد وأن يستكثروا من ذلك ليروا أثرًا بعد أثرًا في ديار بعد ديار قد عمّ أهلها بدمار. فدعا إلى العلم بذلك بالسير في البلاد ومشاهدة هذه الآثار وفي ذلك ذهاب أزمنة كثيرة ومدد طويلة تمنع النظر من ملاصقة السير كما في المواضع الأخر التي دخلتها الفاء لما قصد من معنى التعقيب واتصال النظر بالسير. إذ ليس في شيء من الأماكن التي استعملت فيها الفاء ما في هذا المكان من البعث على استقراء الديار وتأمل الآثار فجعل السير في الأرض في هذا الموضع مأمورًا به على حدة والنظر بعده مأمورًا به على حدة وسائر الأماكن التي دخلتها الفاء علّق فيها وقوع النظر بوقوع السير لأنه لم يتقدم الآية ما يحدو على السير الذي حدا عليه في ما قبل هذه الآية فلذلك خصت بـ(ثم) التي تفيد تراخي المهلة بين الفعلين والله أعلم.

النظرة الثانية:

في قوله تعالى في الآية الخامسة والعشرين من سورة الأنعام (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿٢٥﴾) (من) اسم موصول يصلح للمفرد والمثنى والجمع ولذلك قال الله تعالى في هذه الآية (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ) فجعل صلة (من) فعل الواحد لكنه قال في سورة يونس (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ ﴿٤٢﴾ يونس) فجعل صلة (من) فعل الجماعة (يستمعون) وسبب الاختلاف بين الآيتين في الأسلوب اختلاف المراد بـ (من) فآية الأنعام نزلت في نفر قليل من قريش هم أبو سفيان والنضر بن الحارث وعتبة وشيبة وأمية وأبيّ بن خلف حيث كانوا يستمعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ليلًا فيؤذونه ويرجمونه ويمنعونه من الصلاة خوفًا من أن يسمعه أحد فيتأثر به وبدعوته فيدخل في الإسلام فهم قليلو العدد فنزّلوا منزلة الواحد فأعيد الضمير على لفظ (من). أما قوله (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ) فالمراد بـ (من) جميع الكفار الذين يحدث منهم هذا فيسمعون القرآن الكريم ولا ينتفعون بسماعه فيكون حجة عليهم فكأنهم صم لا يعقلون ما يسمعون فروعيت كثرة المقصودين فخوطبوا بما يدل على الجماعة.

النظرة الثالثة

في قوله تعالى في الآية الثالثة والأربعين من سورة يونس (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ ﴿٤٣﴾) جعل صلة (من) فعل الواحد مع أن الجملة معطوفة على الاية السابق ذكرها (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ) وكان السياق اللفظي يقضي بأن يقال (ينظرون) لأنهم كثيرون كالمستمعين ولكن يجاب عن ذلك بأن يقال: إن المستمعين لما كانوا محجوجين بما يسمعونه من كلام الله تعالى كانوا هم الأكثرين في الحجاج وليس كذلك المنظور إليه لأن الآيات المرئية بالعين التي أُيّد بها رسولنا صلى الله عليه وسلم لم تكن بكثرة آيات القرآن الكريم التي سمعها المشركون ولذا عاد الضمير مفردًا على (من) مع النظر ومجموعًا مع الاستماع. وهاهنا تنبيه تحسن الإشارة إليه وهو أن هناك فرق بين سمع واستمع ففي "استمع" زيادة في المبنى تدل على زيادة في المعنى حيث إن الاستماع فيه قصد وتكلّف فتقول: سمعت بكاء الطفل واستمعت إلى تلاوة القرآن الكريم. واستعمال الاستماع هاهنا بحق الكفار ليس للدلالة على قصدهم ذلك بل لأن المسموع شاقٌ عليهم فهم يتكلفون استماعه والله أعلم.

النظرة الرابعة

في قوله تعالى في الآيتين الثامنة والأربعين والتاسعة والأربعين من سورة يونس (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٤٨﴾ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴿٤٩﴾ يونس) قال في هذه الآية (ضَرًّا وَلَا نَفْعًا) ولكنه قال في سورة الأعراف (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿١٨٨﴾ الأعراف) فقدّم في سورة يونس الضرّ على النفع وعكس ذلك في سورة الأعراف والسر في ذلك والله أعلم أن ما في سورة الأعراف من تقديم النفع على الضر جاء في سياق الكلام عن قيام الساعة وهذا موقف يرجو فيه كل إنسان النفع ويخشى الضر ويتمنى فيه تعجيل الثواب والسلامة من العقاب لذلك قدم النفع أما في سورة يونس فإنه جاء في سياق الرد على استعجال الكفار عذاب الله تعالى وما يتوعدهم به الرسول صلى الله عليه وسلم من الضر فتقديم الضر على النفع لأنه هو المطلوب لمجازاة الكفار وهو ما يحقق رغبتهم المبنية على الاستهزاء والسخرية والله أعلم.

النظرة الخامسة

في قوله تعالى في الآية الستين من سورة الأنعام (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٦٠﴾) تأملوا كيف خصّ الوفاة بالليل مع أنها تحدث في الليل والنهار وكيف خصّ العمل بالنهار مع أنه يحدث بالنهار والليل فالسر في ذلك والله أعلم أن أكثر أعمال الناس فتحدث بالنهار وأما الوفاة فإنها خصت بالليل لأن كل نفس تنام يعد نومها موتًا كما قال تعالى (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٤٢﴾ الزمر) فخصّ الوفاة بالليل لأنها تقع في النوم وخصّ العمل بالنهار لأن أكثر أعمال الناس تقع في النهار والله أعلم.

 

رابط الحلقات الصوتي:

 

https://drive.google.com/folderview?id=0B9xZopo6xsFBVTUtSUNRbGNQb0E&usp=sharing



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل