نظرات لغوية في القرآن الكريم - د. صالح العايد - 32

نظرات لغوية في القرآن الكريم حلقات إذاعية

د. صالح العايد

التفريغ لموقع إسلاميات حصريًا

(32)

إن للقرآن الكريم شانًا عجيبًا فما يزال المسلم يتلوه مرات ومرات فلا يمله، بل لا تزيده تلاوته إلا حلاوة، ولا ترديده إلا محبة، ولا يزال غضًا طريًا، وغيره من الكلام مهما بلغت فصاحته وحسنه يُملّ مع الترديد، ويعادى إذا أعيد، لأن إعادة الحديث على القلب أثقل من الحديد كما قال السيوطي رحمه الله تعالى. فلنعد إلى القرآن الكريم ننظر فيه متدبرين معتبرين فإلى نظرات هذه الحلقة:

النظرة الأولى:

في قوله تعالى في الآية 233 من سورة البقرة: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ في هذه الآية العظيمة عدة تأملات:

التأمل الأول: في قوله: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ فهذه جملة خبرية معناها الأمر، فالتقدير: أيها الوالدات أرضعن. والأمر هنا أمر ندبٍ لا إيجاب بدليل استحقاق الأم عليه الأجرة، ولقوله تعالى في سورة أخرى: ﴿ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [سورة الطلاق:6]. وقيل إن الخبر على معناه، ويكون الكلام حينئذ أبلغ لأنه يدل على شيئين:

·        الأول: أن هذا حق من حقوق الأم، لا ينبغي للمولود له أن ينازعها فيه.

·        الثاني: أنه حق على الأم لا ينبغي لها أن تماطل فيه، أو تتخلى عنه، أو تساوم فيه. ويؤيد ذلك تقديم الاسم على الفعل، والتعبير بالجملة الاسمية التي تدل على الحصر، فلو قيل: "ترضع الوالدات أولادهن" ما كان مُلزمًا للأم ولا للمولود له، والله أعلم.

التأمل الثاني: في قوله: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ سبق أن قلت في حلقة سابقة إن هناك فرقًا بين الإكمال والإتمام، فالإكمال لإزالة نقصان العوارض بعد تمام الأصل، والإتمام لإزالة نقصان الأصل. فلماذا وصف الحولين بالكمال ووصف الرضاعة بالإتمام؟ وصف الحولين بالكمال لأنه لفظ يحتمل عدم الإكمال لو قيل: حولين مجردًا من الصفة، إذ يمكن أن تقول: أقمت في مدينة الرياض حولين، ولو لم تستكملهما، فجعل الله تعالى الحولين الكاملين حدًا عند اختلاف الأبوين في مدة الإرضاع، فلا يحق للوالدة الامتناع عن إرضاع الولد قبل إكمال الحولين، أما لو أراد الأب فطام ولده دون بلوغ الحولين فله ذلك ما لم يكن في ذلك ضرر على الولد، ثم إن وصف الحولين بالكمال تنبيه على أنه لا يجوز تجاوز ذلك، وأنه لا حُكم للإرضاع بعدهما.

أما استعمال الإتمام مع الرضاعة فلأن الفطام يمكن أن يحصل قبل استغراق المدة المعتادة، ثم إن الرضاعة لا يمكن أن تكمل لأن الطفل لو لم يُقصر على الفطام لشبع على حب الرضاع، كما قال الشاعر:

والنفس كالطفل إن تتركه شبّ على *** حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

التأمل الثالث: في قوله: ﴿الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ لِمَ لم يقل: "وعلى الوالد"؟ قال العز بن عبد السلام: الجواب أن الولد ينفع أباه أكثر مما ينفع أمه، لأن الولد يحمل أباه في المحافل ويدفع عنه في الحروب إلى غير ذلك من النفع مما لا يحصل للأم، فأراد سبحانه أن يبينه بـ(المولود له) على العلة التي لأجلها اختُصّت نفقة الولد بأبيه دون أمه.

ولأن اللام تستعمل في النفع، فيقال: شهد له، ومنه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [سورة فصلت:46] وهي هنا مُشعرة بالنفع الحاصل من الولد. انتهى كلامه.

فاستعمال لفظ (المولود له) بدلًا من لفظ الوالد أو الأب ليدل أيضًا على إعلام الأب بفضل الله تعالى عليه حيث منحه الولد وأعطاه إياه. واللام في قوله: ﴿الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ معناها شبه التمليك، فالولد شبه المُلك لأبيه، يتصرف في ماله وفي نفسه فيما يختار غالبًا، وكذلك الولد يكون غالبًا مطيعًا لأبيه متمثلًا ما يأمره به منفّذًا ما يوصي به، كذا قال أبو حيان رحمه الله، والله أعلم.

النظرة الثانية:

في قوله تعالى في الآية الثامنة من سورة النحل: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ عادة العرب في كلامها أن تؤخر الأهم للامتنان به إذا كان المقام مقام تعداد للفضائل والمكارم، لكن ظاهر الآية يوحي بتقديم الأهمّ حيث قدم "الخيل" على "البغال"، و"البغال" على "الحمير"، والجواب عن ذلك أن الآية سارت على القاعدة ولم تشذّ عنها، فالحمير أهم من الخيل والبغال، والبغال أهم من الخيل، نظرًا إلى أن معظم ناس اليستفيدون من الحمير حيث يقدرون عليها ولا يقدرون على الخيل، ويقدر كثير من الناس على البغال أكثر من قدرتهم على الحصول على الخيل، ومن هنا يتضح أن الآية لم تخالف سنن العرب في كلامها والله أعلم.

ثم تأملوا قوله تعالى: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ فالركوب والزينة علتان لخلق هذه الدواب، لكن عبر عن الركوب بالفعل، وعبر عن الزينة بالاسم المنصوب، ويعلل النحاة ذلك بقولهم: إن الزينة مفعول لأجله من الفعل في آية سابقة على هذه الآية ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا﴾ [سورة النحل:5] حيث اتحد المصدر مع العامل بالفاعل، ففاعل الخلق والتزيين هو الله تعالى، ولذلك فقد استوفى المصدر شروط النصب على المفعول لأجله فنصبت (زينة)، أما الركوب ففاعله المخاطبون فانتفى شرط من شروط نصب المفعول لأجله لعدم اتحاده مع عامله بالفاعل فجُرّ باللام.

أما التعليل المنظور فيه إلى المعنى فهو أن يقال: إن المقصد الأساس من خلق هذه الدواب هو الركوب، وهو يتجدد مرة بعد أخرى وهو غير ثابت، ولذلك عبّر عنه بالفعل وجرّه باللام المفيدة للتعليل. أما "الزينة" فهي تابعة لأهم الغرضين وهو الركوب فجعلها تبعًا، وعبر عنها بالاسم الذي يدل على الثبوت والدوام لأن الزينة غير متجددة.

وأخيرًا فقوله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ هو الإعجاز بعينه، فالعرب حين نزول القرآن الكريم لم تعرف غير وسائل النقل المذكورة في الآية، أما وسائل النقل الأخرى فأشار الله تعالى إليها إشارة بقوله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾، ولذلك لا تعجب حين تقرأ بعض التفاسير القديمة فتجدها لا تقطع بمراد الله تعالى بهذه الآية، لأن هؤلاء المفسرين لم يروا غير هذه الوسائل المعهودة لديهم، والله أعلم.

النظرة الثالثة:

في قوله تعالى في الآية 35 من سورة الإسراء: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ قيّد إيفاء الكيل بقوله: ﴿إِذا كِلْتُمْ﴾ ولم يفعل ذلك مع الوزن، ولذلك فائدة جليلة، فالكيل إما أن يكيله الإنسان أو يكتاله، فالأول بيع وهو الذي يقع فيه البخس، قال تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) المطففين)، والثاني وهو الاكتيال شراء لا حاجة للأمر بإيفائه لأن المشتري سيكون حريصًا على ذلك دون أن يوصى به، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) المطففين﴾ بل إن المشتري مأمور بأن يتسامح عند الكيل له، ولم يقيد بقوله: ﴿ إِذا كِلْتُمْ﴾ لأوهم أن الإيفاء مطلوب في الكيل والاكتيال، لكنه لما قيّد بالشرط أفهَمَ أن المقصود وقت الكيل لا وقت الاكتيال، وقال أبو حيان رحمه الله: إن المراد ألا يتأخر الإيفاء بأن يكيل به بنقصان ما ثم يوفيه بعد، فلا يتأخر الإيفاء عن وقت الكيل، والله أعلم.

 

أما عدم تقييد الوزن بقول: "إذا وزنتم" فلعل الاكتفاء بتقييد كون الوزن بالقسطاط المستقيم يُغني عن ذكر الشرط لأنه إذا وزن بالميزان المستقيم لا يُتصور الجور غالبًا، بخلاف الكيل فإنه كثيرًا ما يقع التطفيف مع استقامة الآلة، كذا قال أبو السعود والله أعلم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل