نظرات لغوية في القرآن الكريم - د. صالح العايد - 31

نظرات لغوية في القرآن الكريم حلقات إذاعية

د. صالح العايد

التفريغ لموقع إسلاميات حصريًا

(31)

النظرة الأولى:

في قوله تعالى في الآية السابعة والخمسين بعد المائة من سورة الأعراف (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿١٥٧﴾) كيف عرّف المعروف والمنكر بـ(ال) فهل كل معروف وكل منكر معروفان لدى المتلقين حتى يعرّفا بأداة التعريف؟ أم أن المعروف يكون معروفًا حين يأمر به الشارع والمنكر يكون منكرًا حين ينهى عنه؟ الجواب على ذلك أن المعروف والمنكر واضحان لكل ذي عقل سليم من المؤمنين والكافرين. فالمعروف هو ما تقبله العقول الراجحة والنفوس السليمة إذا عُرِض عليها والمنكر ما ترفضه وتأباه النفوس النقية وتنفر منه حين يعرض عليها. وكل ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم تقبله الفطرة وترضاه وكل ما نهى عنه عليه الصلاة والسلام تنفر منه وتأباه. سئل أعرابي: بمَ عرفت أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول؟ فقال: ما أمر بشيء فقال العقل ليته نهى عنه ولا نهى عن شيء فقال العقل ليته أمر به. ومثل هذا يقال في تعريف الطيبات والخبائث فالطيب كان طيبًا قبل أن يُحكم بحلّه والخبيث كان خبيثا قبل أن يُحرّم. وكما ذكر الأعرابي فإن تحليل الطيبات وتحريم الخبائث من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم. ولو لم يكن طيب الطيبات وخبث الخبائث معروفان لدى المخاطبين لما كان ذلك علمًا من أعلام النبوة التي يحتج بها على أهل الكتاب. وحين نتأمل كتاب الله تعالى نجد أن الطيبات لم ترد فيه إلا معرّفة إما بـ (ال) أو بالاضافة لكونها معروفة قبل الحكم عليها ويستثنى من ذلك الحكم آية واحدة هي قوله تعالى (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) النساء) فتنكيرها والله أعلم بسبب قلّتها وهي المذكورة في قوله تعالى (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146) الأنعام).

النظرة الثانية

في قوله تعالى في الآية الرابعة والتسعين من سورة الحجر (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴿٩٤﴾) حُكي أن أعرابيًا سمع هذه الآية فسجد فلما سئل عن سبب سجوده قال: سجدت لفصاحة هذا الكلام. فقوله (فاصدع) يعني اِمضِ فيه وأظهره واجهر به، قال ابن الاصبع في كتابه "بديع القرآن": المعنى صرِّح بجميع ما أوحي إليك وبلّغ كل ما أُمرت ببيانه وإن شقّ بعض ذلك على بعض القلوب فانصدعت، والمشابهة بينهما فيما يؤثره التصريح في القلوب فيظهر أثر ذلك على ظاهر الوجوه من القبض والانبساط  ويلوح عليها من علامات الإنكار والاستبشار كما يظهر على ظاهر الزجاجة المصدوعة فانظر إلى جليل هذه الاستعارة وعظيم إيجازها وما انطوت عليه من المعاني الكثيرة، انتهى كلامه. فالصدع على هذا القول يكون من الرسول صلى الله عليه وسلم لقلوب الكفار بما أوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم. ثم تأملوا إلى تخصيص الآية للمصدوع به بالأوامر حيث قال تعالى (بِمَا تُؤْمَرُ) ولم يقل "وبما تنهى" لأنه لما حذف الجار والمجرور بعد قوله (تؤمر) حيث أصل الكلام: بما تؤمر به صار اللفظ دالا على الأوامر والنواهي لأن أوامر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم كانت تقضي بأن يأمر الكافرين باتباع الدين الجديد وينهاهم عن عبادة الأصنام والطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم بتبليغ الكفار أوامر الله تعالى ونواهيه كلها أوامر للرسول عليه الصلاة والسلام ولأجل ذلك حسُن حذف الجار والمجرور فلم يقل "بما تؤمر به" إذ لو قيل ذلك لوجب أن يقال "وبما تنهى عنه" وما ينهى الإنسان عنه لا يليق به الجهر.

النظرة الثالثة

في قوله تعالى في الآية الرابعة بعد المائة من سورة البقرة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١٠٤﴾) حيث نادى الله تعالى المؤمنين بقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) ولم يقل يا أيها المؤمنون مع أنها أخصر بحذف الاسم الموصول والتعبير بالاسم بدل الفعل والجواب عن ذلك من وجهين والله أعلم:

الوجه الأول: أن التعبير بقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) يُشعر بتقدم حدوث إيمانهم لأنه عبّر عنه بالفعل الماضي ولو قال يا أيها المؤمنون لم يدل على ذلك ولم يرد في القرآن يا أيها المؤمنون قط.

الوجه الثاني: أن (ال) تستعمل للدلالة على كمال الشيء فإذا قيل يا أيها المؤمنون دل على أن المخاطبين هم الذين كمل إيمانهم فإذا جاء بعد النداء أمر أو نهي توهِّم أن ذلك مخصوص بمن هم كاملو الإيمان بخلاف ما إذا عبّر بالاسم الموصول فقيل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) فإن الفعل لا يُشعر إلا بمطلق الصفة. ومما وردت فيه (ال) دالة على الكمال قوله (يوسف أيها الصدّيق) وقوله (ويا أيها العزيز) ولعل من ذلك قوله (قل يا أيها الكافرون) والله أعلم.

وتأملوا قوله تعالى (لَا تَقُولُوا رَاعِنَا) فـ(راعنا) بمعنى راقبنا وانتظرنا وتأنَّ بنا يا رسول الله حتى نفهم ما تتلو علينا من كلام الله تعالى ونحفظه ولم يكن في هذه اللفظة مأخذ فينهى المؤمنون عن استمعالها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن اليهود حرفوا المراد بها حيث جعلوه من الرعونة أي الحمق فهم يعنون بها المسبّة له صلى الله عليه وسلم فضّ الله أفواهم.

وأخيرا تدبروا قول الله تعالى (لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا) حيث بدأ بالنهي ثم أتى بالأمر وهذا مما عُرف لدى العرب بالتخلية قبل التحلية فنهى عن قول راعنا ثم أتى بما هو أشق وأصعب حيث قيد الخطاب بقول (انْظُرْنَا) بعد أن حصل الاستئناس بالنهي.

النظرة الرابعة

 

في قوله تعالى في الآية الحادية والثمانين من سورة النحل (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴿٨١﴾) يستشهد أهل اللغة بهذه الآية على حذف العاطف والمعطوف ويجعلون التقدير: " وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر والبرد" فإذا سئلوا عن سرّ حذف البرد قالوا: إن الخطاب للعرب وبلاد العرب حارّة والوقاية عندهم من الحرّ أولى وأهمّ لأنه في حرارته أشد من البرد في برودته. والصحيح أن الوقاية من البرد ذكرها الله تعالى في الآية التي قبل هذه الآية حيث قال (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ﴿٨٠﴾) فالصوف والوبر والشعر لا تُلبس في الصيف والله أعلم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل