نظرات لغوية في القرآن الكريم - د. صالح العايد - 30

نظرات لغوية في القرآن الكريم حلقات إذاعية

د. صالح العايد

التفريغ لموقع إسلاميات حصريًا

نظرات لغوية في سورة يوسف

(30)

إن المتدبر لسورة يوسف يبكي قلبه قبل عينه على ما فيها من ابتلاء وامتحان ليوسف وأبيه يعقوب من أقرب الناس إليهما، ويبهره أسلوب عرض القصة؛ فهو أسلوب معجز أذهل أهل مكة الذين كانت تعجبهم أقاصيص الروم والفرس التي كان النضر بن الحارث يفاخر بها محمدًا صلى الله عليه وسلم ويقول لقومه: أنا والله أحسن حديثًا من محمد فهلّموا أحدّثكم حديثًا أحسن من حديثه، فأنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم هذه السورة التي حوت أرقى الأساليب فتأخذ بسويداء القلب لأنها كما قال سيد قطب رحمه الله: تمثل النموذج الكامل لمنهج الإسلام في الأداء الفني للقصة، ذلك الأداء الصادق الرائع بصدقه العميق وواقعيته السليمة، المنهج الذي لا يهمل خلجة بشرية واقعية واحدة، وفي الوقت ذاته لا ينشأ مستنقع من الوحل يسميه الواقعية، كالمستنقع الذي أنشأته الواقعية الغربية الجاهلية. انتهى كلامه رحمه الله.

وما قرأت السورة يومًا إلا أحسست بقلبي يكاد أن يخرق صدري مما أطلع عليه وأتفكر فيه من جمال لغوي في آياتها. والسورة جديرة بدراسة الإعجاز القرآني فيها، ولذلك أخصص هذه الحلقة لنظرات لغوية في سورة يوسف.

النظرة الأولى:

في قوله تعالى في الآية الرابعة: ﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4)﴾ الكواكب والشمس والقمر غير عاقلة، ولذلك كان الأنسب أن يقال: "رأيتها ساجدة"، ولكنه عدل عن ذلك وأعاد عليها ضمير العاقلين وجمع الحال جمع مذكر سالمًا فقال: ﴿سَاجِدِينَ﴾ لأنه لما وصف النجوم بالطاعة والسجود وهي من أفعال العقلاء نزّلها منزلة العقلاء.

ثم تأملوا تكرار الرؤيا حيث قال: ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ ليدل على حقيقة رؤياه وتيقنه منه، وأنها ليست أضغاث أحلام، ولذلك بادره أبوه قال: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ [سورة يوسف:5].

ومما هو جدير بالإشارة أن اللغة العربية تُطلق الرؤيا على الأحلام، والرؤية على ما يراه المرء ببصره أو بعلمه.

النظرة الثانية:

في قوله تعالى في الآية الثالثة والعشرين ﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ راود على وزن فاعل، والأصل في هذه الصيغة أن تدل على المشاركة، وهي في هذه الآية:

·        إما على معناها الأصلي إذا نظر إلى تكرار المرأة المحاولة معه مرة بعد أخرى، وممانعته من ذلك، فصار الأمر كأنه صادر من الطرفين.

·        أو أن المشاركة غير واردة ولا مرادة هنا، فتكون راود مثل سافر وعاين وعافى وداين وباعد وجاوز وغيرها.

وتأملوا قوله: ﴿الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ فلم تسمَ المرأة، وإنما أوتي بالاسم الموصول وجُعل صلته قوله: ﴿هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ وهذا له فوائد كثيرة منها: إظهار عفة يوسف عليه السلام وكمال نزاهته، فإن عدم ميله إليها واستجابته لطلبها مع كونهما في بيت واحد بعيدين عن الشبهة ومع مداومة مشاهدته لمحاسنها وكونه تحت ملكها كل ذلك يدل على بلوغه عليه الصلاة والسلام أعلى معارج العفة والنزاهة. كما أنه يدل على جرأتها وقوة شكيمتها بأن سعت إلى فتى رُبيَ في بيتها وعاش في كنفها تطلب منه حرامًا.

أما قوله تعالى: ﴿عَن نَّفْسِهِ﴾ فلم يسبق للعرب استعمال هذه الكناية الرائعة عن طلب المواقعة والجماع، فهو من مبتكرات القرآن العظيم، وتعدية الفعل بـ "عن" للدلالة على أن معنى المراودة هنا محاولة أن يجاوز الفتى عفافه وتمكينه إياها فكأنها تراوده عن أن يسلم إليها إرادته وحكمه في نفسه.

وأخيرًا تأملوا قوله تعالى: ﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ﴾ فعلماء الصرف يقولون التضعيف في هذا الفعل للدلالة على تكثير المفعول أي تكثير الأبواب، ولكني لا أرى ذلك بل أرى أن المراد أغلقت الأبواب إغلاقًا محكمًا بشدة وقوة يدعوان إلى الطمانينة، أما تكثير المفعول به وهو "الأبواب" فناشئ من جمع الباب على الأبواب، وإن كان هذا الجمع جمع قلة لأنني أظن أن أبواب البيت لم تكن تجاوز العشرة، وهو ما تدل عليه جموع القلة، ولو كانت أكثر من ذلك لربما قال: وغلقت البيبان، وهذا يدل على أن تضعيف الفعل دال على إحكام الفعل على كثرة المفعول، والله أعلم.

النظرة الثالثة:

في قوله تعالى في الآية الثلاثين: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ حوت هذه الآية من معالم الجمال اللغوي ما يعجز اليراع عن وصفه، وما يحار العقل ببراعته.

فإن قوله تعالى: ﴿نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ يدل على مدى انتشار هذا الخبر بين النساء فوصف النسوة بكونهن في المدينة مع ما تدل عليه كلمة "المدينة" من سعة وكبر يشعر بكثرة ما تتحدث به النساء عن ذلك الخبر العجيب.

ثم إن قوله: ﴿امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ دون تسميتها أو الكناية عنها كما حصل في الآية السابقة ﴿الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ يُشعر باستهجان هؤلاء النسوة هذا العمل لوقوعه من امرأة ذات زوج، فصدور المراودة من مثلها أقبح من صدوره مما لا زوج لها مع اشتراكهما في القبح. ثم إن إضافة المرأة إلى العزيز زيادة بالتشنيع عليها لأن زوجها عزيز مصر وكبيرها، فكيف تجرؤ على تدنيس كرامته ومكانته؟!.

ومن معالم الجمال اللغوي في الآية قوله: ﴿تُرَاوِدُ فَتَاهَا﴾ فإضافة "فتى" إلى ضمير المرأة مبالغة في التقبيح لها، إذ المراوَد مملوك لها لا رجل حرّ، والحرائر تستنكف عن النظر إلى العبيد فكيف بمراودتهم؟!.

ثم إن استعمال الفعل المضارع "تراود" بدل الماضي كما في الآية السابقة ﴿وَرَاوَدَتْهُ﴾ يدل على علم هؤلاء النسوة أن المرأة مستمرة في مراودة الفتى في الماضي والحاضر والمستقبل، ويدل على ذلك أنها أجابتهن فيما بعد بقولها: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [سورة يوسف:32].

أما قوله تعالى: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ فهو في غاية الروعة التعبيرية الجمالية، فإن شغاف القلب حجابه، فكأن حبّ هذا الفتى قد مزّق حجاب قلبها ووصل إلى فؤادها، أو أن حبه أحاط بقلبها مثل إحاطة الشغاف بالقلب فاشتغل بحبه، وصار حجابًا بينه وبين كل ما سوى هذه المحبة، فلا تعقل صاحبة هذا القلب سواه، ولا يخطر ببالها غيره.

 

قال ابن القيم رحمه الله: إنهن جمعن لها في هذا الكلام واللوم بين العشق المفرط والطلب المفرط، فلم تقتصد في حبها ولا في طلبها، أما العشق فقولهن: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ أي وصل حبه إلى شغاف قلبها، وأما الطلب المفرط فقولهن: ﴿تُرَاوِدُ فَتَاهَا﴾ والمراودة الطلب مرة بعد مرة، فنسبوها إلى شدة العشق وشدة الحرص على الفاحشة، والله أعلم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل