مع القرآن - حوار موسى مع فرعون في سورة الشعراء

مع القرآن

قصة الحوار بين نبي الله موسى وفرعون في القرآن الكريم

د. عبد المحسن المطيري

(فقرة مع القرآن في برنامج الرسالة اليوم)

تفريغ صفحة إسلاميات حصريًا

سؤال: حوار موسى عليه السلام وفرعون تكرر كثيرًا في كتاب الله سبحانه وتعالى بعدة صيغ ومن زوايا مختلفة، قبل الدخول في ثنايا الحوار ما هي أسباب تكرار قصة موسى في أكثر من موضع في القرآن الكريم؟

قصة موسى مع فرعون هي الأكثر تكرارًا في القرآن وقصة موسى هي قصة أحداث مثيرة جدًا وطالت هذه القصة وطالت أحداثها. موسى عليه السلام هو كليم الله عز وجلّ وله منزلة الله جل وعلا يقول (وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا) كان صاحب وجاهة عليه السلام ومن وجاهته أنه شفع لرجل أن يكون نبيًا عند الله عز وجلّ وهذه تدل على منزلة عظيمة عند الله جلّ وعلا وهو كليم الله عز وجلّ أيضًا. فلذلك هذه القصة تكررت في القرآن وهي أنموذج لمسائل كثيرة وقضايا وتأصيلات عقلية وعقدية وتربوية وإيمانية ودعوية يستفيد منها، الفوائد في قصة موسى وفرعون فوائد كبيرة جدًأ وكثيرة ولذلك تجد القرآن يكرر هذه القصة ويركز في كل سورة من السور على جانب من جوانب القصة بحسب سياق السورة، في بعض السور نجد تأصيل مسألة الألوهية والربوبية وإثبات صفات الله جلّ وعلا ونزع هذه الربوبية ممن لا يستحقها، تجد هذا الجانب يركّز عليه في هذه السورة. تجد في سياق آخر تجد أن القرآن يركز على صبر موسى عليه السلام والتجاؤه إليه واعتصامه به وتجد في سياق آخر على كيفية الحوار بين الداعية إلى الله عز وجلّ وغيره وكيفية تأسيس الحوار وكيف الحوار الصحيح وكيف من أراد أن يفر من الحوار وكيف أيضًا إثبات الحجج والبراهين وهذا واضح في قصة موسى مع فرعون وسنتطرق في هذه الحلقة لإدارة موسى للحوار مع فرعون.

موسى عليه كان في لسانه لثغة وفرعون لم يفته أن يعيب موسى عليه السلام به، يريد أن يستنقص موسى بأمر خارج عن إرادته، كيف يدّعي النبوة ثم هو يكون صاحب عيب خلقي في لسانه يقول فرعون لقومه استنقاصًا لموسى (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52)]الزخرف[لا يكاد يتكلم وينطق نطقًا صحيحًا وهذه طريقة من طرق إثارة الخصم ولفت انتباه الناس إلى أمور أخرى هي خارجة عن محل الحوار.

حوار موسى عليه السلام مع فرعون في سورة الشعراء

قال تعالى في الآية العاشرة في سورة الشعراء (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿١٠﴾ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ ﴿١١﴾ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ﴿١٢﴾ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ ﴿١٣﴾ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ﴿١٤﴾ قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ﴿١٥﴾ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٦﴾ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿١٧﴾)

بدايةً موسى عليه السلام كان يشعر بثقل المهمة، في البداية الحوار بين الله سبحانه وتعالى وموسى، الله جلّ وعلا أشهر موسى بثقل المهمة وموسى عليه السلام كان يشعر أنه سيكون بينه وبين فرعون حوار يحتاج إلى حجة وإلى فصاحة وإلى بيان وبلاغة وكل هذا له أثر في إيصال الرسالة إلى الناس وإيصال الحوار لهم وأن الحجة لا بد أن تصل للناس بشكل صحيح حتى تقنع هؤلاء القوم بأمر عظيم ادعاه فرعون وحشد له كل ما يريد لأجل إثبات ربوبيته وألوهيته من دون الله عز وجلّ فأمر إثبات فرعون لألوهيته وحشد جنوده، قتّل أبناء بني إسرائيل واستحيا نساءهم إلى آخر ما فعل فرعون كل ذلك لأجل إثبات ربوبيته من دون الله عز وجلّ ولذلك كان موسى عليه السلام يشعر أن الأمر ليس بهيّن لذلك قال في آية أخرى (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34)]القصص[) كان موسى عليه السلام يريد رجلا أزيرا له وعونا له أمام هذا الطاغية ربما لو وقف أمامه  موسى في أكثر من موقف ذكر الله تعالى أنه كان خائفا (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67)]طه[) (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا) رغم أن موسى عليه السلام كان رجلا قويًا، كانت المهمة عظيمة. الحوار هنا بين موسى وفرعون كان يحتاج إلى رجل أزيرا له وردءا له وهو هارون ولذلك قال (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ) ذكر من البداية أنه يريد رجلا عضدًا له وسندًا له فصرّح بهذا الأمر من بدايته (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي) يحصل له شيء من الضيق والرهبة والخوف والشخص حتى في حواره وكلامه مع الناس إذا وقع شيء من الخوف والرهبة فإن اللسان يتلعثم وربما لا يستطيع أن يصف أفكاره صفًّا صحيحا بل وقد تذهب الأفكار من ذهنه، لذلك موسى عليه السلام نبّه إلى ذلك.

الحوار سيكون مع طاغية مع متجبر مدّعي للألوهية والربوبية، يحشد الأجناد والسحرة  ويستخدم الأدوات التي بيد يديه لمحاولة استصغار الآخرين وهي مهمة ثقيلة على النفس.

(قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18)]الشعراء[) لماذا يبدأ فرعون الحوار بهذه الطريقة؟

موسى عليه السلام أعلن من البداية الأمر الذي جاء به (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16)]الشعراء[) فموسى عليه السلام صرّح  بهذا الأمر وهذا فيه اعتزاز وفيه إعلان للتوحيد وفيه إعلان للربوبية ونزع لأمر يستند عليه فرعون وهو الربوبية من دون الله عز وجلّ، نزع ركن ركين يقوم عليه فرعون (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ولذلك الخطاب بالنسبة للشخص لا بد أن يكون فيه عز وجلّ وبيان من البداية (إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) فرعون كان يستعبد بني إسرائيل يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم كل هذا لأجل أن يوطّد ملكه. فرعون ليس هينا في موضوع الحوار وعنده طريقة في هز الخصم الذي أمامه فبدأ بقضية بعيدة عن حقوق بني إسرائيل، هذا الشعب المظلوم بدأ بأمر آخر (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18)]الشعراء[) قمة الاحتقار والازدراء لموسى عليه السلام، ألم تكن صغيرا فينا؟ ألم تكن وليدا فينا؟ نحن الذي ربيناك وأنعمنا عليك، قد كنت في كنفنا وترعرعت على أيدينا فكيف الآن تأتي وتريد أن تنزع منا الملك والربوبية؟ (أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ) هذا الأمر الأول: موضوع الاحتقار والازدراء لموسى عليه السلام. ثم الثاني وهو أعظم قال (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19)]الشعراء[) هذه الفعلة التي يريدها فرعون هي قتل موسى عليه السلام لرجل من آل فرعون والقتل أمر شنيع وفرعون هنا يريد أن يشوه صورة موسى أمام قومه كيف تكون اليوم نبيا وتدعي أن هناك رب وإله وأنك رسول من عنده ثم قبل ذلك قد قتلت رجلا فهل يليق بمن يقتل أن يكون نبيًا بعد ذلك؟! وما صرّح بالمسألة و(وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ) هذا من أساليب التهويل عند فرعون، هذه الفعلة التي لا أستطيع أن أصرّح بها من عظم هذه الفعلة وشناعتها (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19)]الشعراء[) موسى كان ثابتا ومعلنًا للخطأ الذي وقع فيه وهذا مما يثبت مصداقية موسى عليه السلام أمام قوم فرعون (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20)]الشعراء[) كنت على ضلال وخطأ لما فعلت هذه الفعلة وأنت صادق يا فرعون فيما قلت وأنا فعلت هذه الفعلة وأنا معترف بها ومعترف بخطأي (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21)]الشعراء[) رد موسى على فرعون رد الصاع بصاعين قال له (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22)]الشعراء[) قضية القتل أنا أعترف بها لكن الله عز وجلّ بعد ذلك وهب لي الحكم والرسالة. ثم انتقل إلى الشبهة الأولى والاحتقار، يقول موسى يرد على فرعون وينقض هذه الحجة بحجة أشدّ منها قال (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22)]الشعراء[) هذه الولادة التي كنت في كنفك تمنّ عليّ هذا الفعل وإنما أنت السبب فيه؟! أنت تقول أني أنا قتلت رجلا واحدا وأنت قتلت قوما ولم أذهب إليك في بيتك ولم تخرجني والدتي في التابوت في اليم حتى أقع في قصرك إلا بسبب طغيانك وفعلك وظلمك.

موسى عليه السلام يقول إن كنت أنا قتلت رجلا واحدا فأنت يا فرعون قد قتلت أمة فأيها أعظم شناعة؟! والسبب في لجوئي إليك وهروبي وفراري إلى القصر ما كنت أنت تفعله من تقتيل بني إسرائيل، لما خافت أمه ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)]القصص[) فذهاب موسى إلى قصر فرعون إنما هو خوف من فرعون فأمّنه الله عز وجلّ. لما شعر فرعون أن الأمر قد كان واضحًا في حجة موسى واضحة وفرعون عنده قضية الفرار من الحجج وتحويل الموضوع عندما يقول له موسى عليه السلام (إنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) يحتقره ولما قال له (أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) قال له (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ) هنا انتقل فرعون إلى فرار آخر وهو السؤال قال فرعون (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) وسؤال فرعون سؤال كبر لا سؤال استفهام، فرعون لا يريد الحق، سؤال فيه تهكم و ازدراء لموسى عليه السلام (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) ما حقيقته؟ من الذي تتحدث عنه؟ هل هناك إله غيري؟ وقد صرّح بهذا في آية أخرى قال (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)]القصص[) فرعون كان متقرر عنده هذا الأمر ولا يريد الوصول إلى الحق لكن موسى عليه السلام لما كان يناظر فرعون، المناظرة أحيانا يريد الشخص أن يفحمه إذا كان مريدًا للحق فإن لم يكن مريدًا للحق فيراد بهذه المناظرة إيصال الحق إلى الناس عامة ولذلك ابن القيم رحمه الله له كلام في قول الله عز وجلّ (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)]النحل[) يقول ابن القيم: ذكر الله عز وجلّ في هذه الآية مراتب الدعوة إلى الله عز وجلّ

أولها(بِالْحِكْمَةِ) الحكمة أن تبين لشخص جاهل الحكم فيقول سمعنا وأطعنا.

والثاني الموعظة الحسنة رجل يعرف الحق ولكنه يحتاج إلى وعظ وتذكير إيماني وذكر للآخرة كما قال الله عز وجلّ عن المنافقين (وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا) يحتاج إلى إثارة إيمان.

والثالثة رجل هو يعرف الحق لكن تريد أن تصل إلى الحق من خلاله من خلال المجادلة إما أن تبين له الحق هذه أول فائدة من المجادلة والفائدة الثانية إن لم يكن مريدا للحق فالناس المخدوعون به يتبين لهم أن هذا الرجل على باطل وهذه هي مناظرة موسى مع فرعون.

(قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24)]الشعراء[) في هذا الخطاب ثلاث جمل جاءت بين موسى وفرعون ونتأمل في تدرج موسى عليه السلام في هذه الجمل الثلاث: فرعون قال (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ)  ثم قال (قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27)]الشعراء[) ثم قال (قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25)]الشعراء[) ثم قال (قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) موسى عليه السلام ردّهم أولا إلى ربوبية الله للسموات والأرض (قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24)]الشعراء[) إن كنتم موقنين أي إن كنتم تريدون اليقين الحق وإن كان هذا الأمر أظهر منه الدليل الثاني قال (رَبُّ السَّمَاوَاتِ) هذه حجة عظيمة، أن السموات والأرض أنت لست مالكا لهذا يا فرعون فهي لله، هل خلقت السموات والأرض يا فرعون؟  لذلك فر فرعون إلى الاحتقار وصرف الموضوع (قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25)]الشعراء[) هذا الكلام لا يساوي شيئا، كلام غريب، لا يستحق السماع، فرّ فرعون من الجواب على موسى فرجع موسى عليه السلام إلى دليل أخص قال (قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26)]الشعراء[) هل خلقت أباك يا فرعون؟ اين كنت يا فرعون عندما كان أبوك موجودا؟ كنت من عدم، والرب لا يكون منعدما ولا يكون من فناء، فكانت هذه الحجة اشد على فرعون مما قبلها فاحتد فرعون في الجواب هنا في السابق كان في رده تهكم والآن انتقل إلى تهديد أكبر (قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ)]الشعراء[) عندما أضاف موسى إلى قوم فرعون (رَسُولَكُمُ) يريد أن يثير حنق القوم أنه لا يستحق أن يكون رسولًا لي لكنه رسول لكم أنتم حتى يثير القوم عليه (رسولكم  لمجنون) لأن كلام موسى بعيد عن الجنون والرجل الذي يتأمل يعرف أنه بعيد عن الجنون أكّد الجملة بعدة مؤكدات حتى يزيل الشك من قلوبهم (إنّ واللام والجملة الاسمية) (إن رسولكم  لمجنون) وهنا كان الجواب بقدر العبارة لما كانت عبارة فرعون شديدة رد عليه موسى بعبارة أشد (قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28)الشعراء) إن كنت تتهمني بالجنون فأنتم كذلك بعيدون عن العقل وإلا فالأصل في موسى اللين (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)]طه[) (فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19)]النازعات[) كان خطابه فيه شيء من اللين لكن لما العبارة كانت فيها قسوة من فرعون رد موسى بنفس الشدة التي بدأ فرعون بها (رَبُّ الْمَشْرِقِ) وهذا فيه نزول أخص مما سبق، بدأ بالسموات والأرض وهي أعمّ ثم ربكم ورب آبائكم باعتبار أنهم يعايشون الآباء ممن قبلهم من الناس ثم انتقل إلى أمر يشاهدونه ليلا ونهارا بل في كل لحظة  وهو شروق الشمس وغروبها وهذا يذكرنا بحوار إبراهيم عليه السلام مع النمرود بدأ بقوله (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) انتقل إبراهيم إلى أمر عاجز عنه النمرود أن يغيره فقال (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) أسقط في يد فرعون لما رد عليه بهذه الحجة (قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28)]الشعراء[) هذه العبارة فيها شيء من الشدة إن كنت صاحب عقل وصاحب لبّ وصاحب تمييز فسوف يتبين لك أن شروق الشمس وغروبها دلالة على وجود الله جلّ وعلا وربوبيته وإن فرعون لا يستطيع أن يتحكم في الشمس في غروبها وشروقها.

انتقل فرعون إلى أسلوب آخر وهو أسلوب التهديد والتخويف قال فرعون (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29)]الشعراء[) هنا انتهت الحجج والبراهين وعندما يسقط في يد رجل بهذه الحجج الباهرة فإنه سينتقل للتهديد والتخويف ليهز هذا الشخص ويوقفه عن التشكيك وإزالة ملكه من الأرض.ولذلك في آيات أخرى يقول فرعون لقومه (قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63)]طه[) فأثار القوم على موسى بأنهم يريدون الملك وأنهم يريدون إزالة ما كانت عليه آباؤهم وأجدادهم، لأن قوم فرعون كانوا من الأقباط وموسى عليه السلام كان من بني إسرائيل وكانوا مستضعفين في الأرض فأراد فرعون أن يثير الحنق حنق قومه على قوم موسى موسى وأن موسى إنما يريد أن ينزع الملك منكم ويجعله في بني إسرائيل وهذه من الطرق التي أرادها فرعون أن يجعل الأمر بين موسى عليه السلام وقومه وبين الأقباط أراد أن يثيرهم على أمور الدنيا وأن الأمر لم يصبح مسألة دينية وإنما أمرا دنيويا يريد أن يغتصب أرضكم ويأخذ ملككم، هنا قال (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29)]الشعراء[) إما أن تتوقف عن إثارة الحجج والبلبلة والإثارة للناس وإما أن أجعلك من المسجونين وأكّد العبارة بكثير من المؤكدات (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) وعبارة (مِنَ الْمَسْجُونِينَ) تدل على أنك تعرف من سبقناك بهذا السجن وبهذا التعذيب وأنه سيحصل لك كما حصل لمن قبلك.

 

التعليقات

  1. سمر الأرناؤوط علق :

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    أخي الكريم أولا ينبغي أن نعلم معنى وكز في اللغة. يقول د. فاضل السامرائي في هذه الآية:

    الوكز ضربة خفيفة وليست ضربة تميت وهذا من باب القتل الخطأ ولم يكن موسى عليه السلام قاصداً لقتله‏ (انتهى كلام د. فاضل)

    ولهذا أخي الكريم القتل الخطأ يُغفر بالتوبة وهذه الآية تعلمنا وتحثنا على سرعة التوبة بعد ارتكاب الذنب سواء مقصودا أو غير مقصود غفر الله لنا جميعا وجعلنا ممن إذا أذنبوا سارعوا بالتوبة إلى الله فيتوب عليهم ويغفر لهم.
    إدارة المدونة

  2. وليد علق :

    السلام عليكم
    اعوذ بالله من الشيطان الرجيم
    بسم الله الرحمن الرحيم
    (فوكزه موسى فقضى عليه وقال ربي اغفر لي فغفر له)
    لماذا هذه السرعة في المغفرة وهو قد قتل نفس بغير حق ؟؟؟
    افيدوني بعلم ان كنتم تعلمون

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل