سور القرآن، دروس ومحاور - محور سورة مريم

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة مريم

محور السورة: التوحيد والتنزيه

إن توحيد الله سبحانه وتعالى وتنزيهه عن الولد والشريك هو محور آيات سورة مريم وهو الدرس الكبير التي نزلت هذه السورة الجليلة لتلقيه على مسامع الذين رضوا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا. إن الله تعالى هو رب العالمين وتنتظم ربوبيته عالم الجماد والنبات والأحياء خلق كل شيء ثم تعهد قيامه ونظامه وبقاءه ونماءه وفناءه ولم يشركه في ذلك أحد ويكاد القرآن الكريم كله يكون دعوة إلى إفراد الله سبحانه وتعالى بصفات الألوهية فكل القرآن حديث عن الله تعالى وتعريف به، باسمائه وصفاته، بخلقه وأفعاله، وقضائه وقدره وقوانينه التي يتعامل بها مع عباده المؤمنين وغير المؤمنين في الدنيا والآخرة ولما كان القرآن الكريم كتابًا يعرّف بالله فلا عجب من تكرار الحديث عن توحيد الله تعالى فيه لأن التوحيد هو أساس الدين كله فلا عبادة من دون توحيد ولا معنى لأي عمل يقوم به الإنسان ليطيع الله من دون توحيد فلا بد إذن من تأكيد القرآن على قضية التوحيد ولا مانع من تكرارها بأساليب مختلفة فمرة يتحدث القرآن عن توحيد الله من خلال آيات الله في الكون الدالة على وحدانيته وعظيم سلطانه، ومرة بتذكير الإنسان بنعم الله التي أفاضها عليه ومرة بعرض مشاهد القيامة من بعث وحشر وحساب وميزان وثواب وعقاب وتارة من خلال الجدل الذي يجري بين الرسل وأقوامهم المعاندين ثم نصرة الله للموحدين وتدميره للكافرين الجاحدين، وتارة من خلال علم الله المحيط بالغيب ومراقبته على أعمال البشر ومحاسبتهم عليها في الآخرة. وهكذا يستوفي القرآن الكريم الحديث عن التوحيد من كل جوانبه ويفيض في الحديث عن مستلزمات هذا التوحيد ومقتضياته. وهذه سورة مريم عليها السلام نزلت من عند الله تعالى لتكمل سلسلة الحديث عن التوحيد فقد لوحظ أن موضوعاتها وقصصها تؤكد وتبين قضية التوحيد. وقد افتتحت سورة مريم بتلك الحروف المقطعة التي لا يعلم حقيقة معانيها إلا الله تعالى وحده. ثم بعد ذلك تبدأ قصة زكريا عليه السلام ودعائه ربه بنداء خفي بعيد عن أعين الناس بأن يهبه الله ولدًا صالحًا برًا تقيًا فقد كان زكريا مشغول البال على مستقبل دعوته من بعده فهو أحد أنبياء بني إسرائيل الذين دعاهم إلى عبادة الله وتوحيده فهو يريد أن يرزقه الله ولدًا يرث دعوته إلى التوحيد والإصلاح لقومه فقد كان يخشى على قومه الشرك والضلال من بعده، فلا بد إذن أن تستمر دعوة التوحيد فيهم فهو لذلك يسأل ربه بضراعة أن يهبه وليًا يرث منه هذه الدعوة.

ثم ترتسم بعد ذلك لحظة استجابة الله له في رعاية وعطف ورضى فالرب ينادي عبده من الملأ الأعلى ويعجل له البشرى ويغمره بالعطف فيختار له اسم الغلام الذي بشّره به إنه فيض الإله يغدقه على عبده الذي دعاه في ضراعة وناجاه في خفية وكشف له عما يخشاه والله وحده فقط لا غير هو الذي يستطيع أن يسمع دعاء عبده وهو بهذه الظروف فإيمان زكريا بوحدانية ربه هو الذي جعله يتوجه إليه بالمسألة خفية بعيدًا عن الضجيج والصخب. إن الذي دفعه إلى هذا الدعاء هو حرصه على على استمرار دعوة التوحيد في قومه. ثم ينشأ يحيى بن زكريا ليخلف أباه في دعوته وإن أول نداء يوجهه الله ليحيى عليه السلام في هذه السورة هو قوله (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) والكتاب هو التوراة فقد ورث يحيى أباه ونودي ليحمل العبء وينهض بالأمانة في قوة وعزم لا يضعف ولا يتهاون ولا يتراجع عن تكاليف الوراثة.

(كهيعص ﴿١﴾ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ﴿٢﴾ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ﴿٣﴾ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ﴿٤﴾ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ﴿٥﴾ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴿٦﴾ يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ﴿٧﴾ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ﴿٨﴾ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ﴿٩﴾ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ﴿١٠﴾ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ﴿١١﴾ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ﴿١٢﴾ وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا ﴿١٣﴾ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ﴿١٤﴾ وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ﴿١٥﴾)

وتأتي بعد ذلك المعجزة الكبرى معجزة ميلاد عيسى عليه السلام من غير أبّ فيعرض السياق القرآني مشاهج ولادته كما يولد البشر ولكن من غير أب فالله على كل شيء قدير. ويشاء الله سبحانه وتعالى أن تكون أول كلمة ينطق بها وهو في المهد هي قوله (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴿٣٠﴾) إن سورة مريم عليها السلام هي سورة التوحيد وتنزيه الله تعالى عن الشريك والولد وقد قصّت علينا هذه السورة قصة ميلاد واحد من البشر الذين اصطفاهم الله تعالى ولكن لما كان ميلاده معجزا على غير العادة أضاف الناس صفة الألوهية وجعلوه ابنًا لله عز وجلّ ونحن نلاحظ أنه لما أعلن عيسى عليه السلام عبوديته لله تعالى قال الله تعالى عندها (ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴿٣٤﴾ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿٣٥﴾ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿٣٦﴾). ذلك عيسى بن مريم لا ما يقوله المؤلّهون له أو المتهمون لأمه في مولده ذلك هو في حقيقته وذلك واقع نشأته، ذلك هو بنفسه يقول قول الحق الذي فيه يمترون ويشكون، يقول هاهو بلسانه ويقول حاله في قصته (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ) فليس من شأنه أن يتخذ ولدا والولد إنما يتخذه الفانون للامتداد ويتخذه الضعفاء للنصرة والله باق لا يخشى فناء قادر لا يحتاج معينا، والكائنات كلها توجد بكلمة (كن) (إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) فما يريد تحقيقه يحققه بتوجه الإرادة لا بالولد والمعين. وينتهي ما يقوله عيسى عليه السلام بإعلان ربوبية الله له وللناس ودعوته إلى عبادة الله الواحد بلا شريك (وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ). فلا يبقى بع شهادة عيسى وشهادة قصة مجال للأوهام والأساطير.

وبعد هذا التقرير يعرض القرآن اختلاف الفرق والأحزاب في عيسى عليه السلام فيبدو هذا الاختلاف مستنكَرًا نابيًا في ظل هذه الحقيقة الناصعة.

(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ﴿١٦﴾ فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ﴿١٧﴾ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ﴿١٨﴾ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ﴿١٩﴾ قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ﴿٢٠﴾ قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ﴿٢١﴾ فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا ﴿٢٢﴾ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ﴿٢٣﴾ فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴿٢٤﴾ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ﴿٢٥﴾ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ﴿٢٦﴾ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ﴿٢٧﴾ يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ﴿٢٨﴾ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ﴿٢٩﴾ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴿٣٠﴾ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴿٣١﴾ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ﴿٣٢﴾ وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴿٣٣﴾ ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴿٣٤﴾ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿٣٥﴾ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿٣٦﴾ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمِْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿٣٧﴾ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴿٣٨﴾ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٣٩﴾ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴿٤٠﴾)

ثم تأتي بعد ذلك قصة إبراهيم مع أبيه المشرك تأتي هذه القصة لتؤكد درس السورة الكبير درس التوحيد والتنزيه لله تعالى لتكشف هذه القصة عما في عقيدة الشرك من نَكارة وكذب وضلال وإن في انتقال السياق من قصة عيسى عليه السلام الذي جعله الناس إلهًا وأضافوا له صفات الإله إلى قصة إبراهيم عليه السلام درسًا بليغًا، فإبراهيم هو عَلَم من أعلام التوحيد بل إنه كان أمة في التوحيد والدعوة إليه ولهذا جعله الله قدوة لإمام الموحدين محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123) النحل). فالسياق يلفت النظر من الإنسان الذي جُعل شريكًا مع الله إلى الإنسان الذي كان رمزًا للتوحيد ووظّف كل حياته للدعوة إلى التوحيد وهاه وذا إبراهيم يدعو أباه إلى التوحيد بأدب ولطف ظاهرين (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ﴿٤٢﴾) فالأصل في العبادة أن يتوجه بها الإنسان إلى من هو أعلى من الإنسان وأعلم وأقوى فكيف يتوجه بها إلى ما دون الإنسان بل إلى ما هو في مرتبة أدنى من مرتبة الحيوان لا يسمع ولا يبصر ولا يملك ضرًا ولا نفعًا إذ كان أبوه يعبد الأصنام كما هو حال قريش الذين يواجههم الإسلام، وهذا العلم الذي يدعو إبراهيم إليه أباه ليس من اجتهاده بل هو وحي من الله عز وجلّ فقد جاء إبراهيمَ من العلم ما لم يأت أباه. وحاول إبراهيم جاهدًا أن يأخذ بيد أبيه من طريق الشيطان إلى طريق الرحمن ولكن هذه الدعوة اللطيفة بأحب الألفاظ وأرقّها لا تصل إلى القلب المشرك فإذا أبو إبراهيم يقابله بالاستنكار والتهديد والوعيد: أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم وكاره لعبادتها ومعرضٌ عنها؟! أوبلغ بك الأمر إلى هذا الحد من الجرآءة؟! فهذا إنذار لك بالموت الفظيع إذا أنت أصررت على هذا الموقف الشنيع لئن لم تنته لأرجمنك فاغرب عن وجهي وابعد عني طويلا استبقاء لحياتك إن كنت تريد النجاة. هذا هو حال القلوب المفعمة بالشرك قلوب قاسية جافة أما القلب الموحد فهو قلب مطمئن موصول بالله وذلك كقلب إبراهيم عليه السلام الذي قال لأبيه بعد هذا التهديد (سلام عليك) فلا جدال ولا أذى ولا رد لهذا التهديد الوعيد، سأدعو الله أن يغفر لك ويتجاوز عنك، وقد عودني ربي أن يكرمني ويجيب دعائي وإن كان وجودي إلى جوارك ودعوتي لك تؤذيك فسأعتزلك أنت وقومك وأعتزل ما تدعون من دون الله وأدعو ربي أن لا يجعلني شقيا. وهكذا هجر إبراهيم أهله والديار وحيدًا موحّدًا ولكن الله العليم الخبير لم يتركه وحيدًا بل وهب له ذرية وعوضه خيرًا وجعل في ذريته النبوة والكتاب. إنها ثمرة التوحيد التي وهبها الله لإبراهيم عليه السلام فقد أرسل الأنبياء من ذريته دعاة للتوحيد وعبادة الواحد الأحد ثم تمضي الآيات مع هذه الذرية اصطفى الله منها الأنبياء الذين تابعوا مسيرة إبراهيم عليه السلام.

(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ﴿٤١﴾ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ﴿٤٢﴾ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ﴿٤٣﴾ يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ﴿٤٤﴾ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ﴿٤٥﴾ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ﴿٤٦﴾ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ﴿٤٧﴾ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا ﴿٤٨﴾ فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا ﴿٤٩﴾ وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ﴿٥٠﴾ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ﴿٥١﴾ وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ﴿٥٢﴾ وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ﴿٥٣﴾ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ﴿٥٤﴾ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ﴿٥٥﴾ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ﴿٥٦﴾ وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ﴿٥٧﴾)

ويأتي بعد ذلك المقطع الأخير من السورة ليمضي في جدل حول عقائد الشرك وحول إنكار البعث ويعرض في مشاهد القيامة مصائر البشر في مواقف حافلة بالحركة والانفعال يشارك فيها الكون كله سماواته وأرضه، إنسه وجنّه، مؤمنوه وكافروه. وتنقل سورة مريم سورة التوحيد والتنزيه لله تعالى، تنقل استنكار الكون كله لتلك الكلمة النابية التي قالها المشركون (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ﴿٨٨﴾) فيهتز كل ساكن من حولهم ويرتج كل مستقر ويغضب الكون كله لبارئه وهو يحس بتلك الكلمة تصادم كيانه وفطرته وتجافي ما وقر في ضميره وما استقر في كيانه (تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ﴿٩٠﴾ أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ﴿٩١﴾ وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴿٩٢﴾). وفي وسط الغضبة الكونية يصدر البيان الرهيب: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴿٩٣﴾ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ﴿٩٤﴾ وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ﴿٩٥﴾) فلا ولد ولا شريك إنما خلقٌ وعبيد، كل فرد يقدم وحيدًا لا يأنس بأحد ولا يعتز بأحد، فإذا هو وحيد فريد أمام الديان. وفي وسط هذه الوحدة والوحشة والرهبة إذا المؤمنون في ظلال ندية من الودّ السامي، ود الرحمن سبحانه وتعالى فما أبعد الشقة بين الموحدين وبين المشركين في يوم الحساب! فكم كانت عاقبة الشرك وخيمة في الدنيا هلاك ودمار وفي الآخرة الذل والنار، فما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.

 

(وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ﴿٨٨﴾ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ﴿٨٩﴾ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ﴿٩٠﴾ أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ﴿٩١﴾ وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴿٩٢﴾ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴿٩٣﴾ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ﴿٩٤﴾ وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ﴿٩٥﴾ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴿٩٦﴾ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا ﴿٩٧﴾ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ﴿٩٨﴾)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل