بلاغة آية وحديث - الحلقة 52 - (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا)

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 52

الآية التي معنا هي الخامسة والثلاثون من سورة النساء (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ﴿٣٥﴾) في هذه الآية فيما تشير الباحثة الأستاذة وضحى بنت محمد العريفي بلاغة فريدة من بلاغات القرآن الكريم حيث قال الله تعالى (ا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) ولم يقل الله تعالى تكملة للآية: وإن يريدا فسادًا أو إفسادا أو تفريقًا، لم يذكر الله تعالى في هذه الآية إلا الإصلاح وكأنه والله أعلم يلفت انتباه الحاكمين الاثنين اللذين يأتيان من الأهل الحكم الذي يأتي من أهل الزوج والحكم الذي يأتي من أهل الزوجة يلفت الله تعالى نظرهما ويصوّب فكرهما ورأيهما إلى أن يحددا النظر كل النظر إلى الإصلاح (إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا) ولم يذكر ما يقابله: وإن يريدا تفريقا، وكأنه يقول: يا حكمان انظرا في الإصلاح لا تفكرا في الحل الآخر أنتما أمامكما حلان ولكن أريد منكم اتخاذ الحل الصح وهو الإصلاح (إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا). وهنا مسالة مهمة وهي أن الإنسان إذا نوى الخير أعانه الله (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٦٩﴾ العنكبوت) الإسلام يحث على الإصلاح بدليل أنه في حال الشقاق الشديد وتعسر الحلول بين الزوج وزوجته يبعث حكم من أهل الزوج وحكم من أهل الزوجة حتى يتم الإصلاح بينهم وتزول الغمامة عن الوجوه وتزول الكآبة عن البيوت ويحصل ما يحصل من الاجتماع بعد خطر الفرقة التي يمكن أن يكون قد تلم بهم وتعصف ببيتهم الهادئ الآمن. قال الله سبحانه وتعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا) شبه الله تعالى عن طريق الاستعارة العظيمة الأمر الذي يشق بيت الزوجية ويفرق الزوجين عن بعضهما بالشق وهو الصدع الذي يكون متفرعًا يشق به الشيء جانبين اثنين وهذا من الاستعارة في أساليب البلاغة، الاستعارة العظيمة الجليلة الذي شبه الله تعالى به البيت في حال تفرقه كالجدار الذي يصدع وكالطريق الذي يشق شقين: الزوجة من جهة والزوج من جهة والضحية في هذه الحال هم الأولاد، هل هم مع الزوج؟ هل هم مع الزوجة؟ صحيح كل شيء بقدر الله والطلاق حلّ والطلاق بقدر الله كما أن الزواج بقدر الله وتوفيق الله لكنه غير محبب لأن الله سبحانه وتعالى سماه شقًا (شِقَاقَ بَيْنِهِمَا) فالطلاق صُوّر لنا بهذه الصورة التي لا تخطر لنا على بال حتى نحذر منه قدر الإمكان ولا نتعجل به ولذلك من حكمة الله أن جُعل عند الرجل والرجل بطبيعته أكثر اتزانًا وأثر مسكا لأعصابه ولو كان الطلاق بيد المرأة لطلقت في حال الغضب وفي حال أقل من الغضب ولكنها حكمة الله جل جلال الله. وهنا نذكر طريفة من الطرائف للشاعر الفرزدق، الشاعر الأموي المشهور الفرزدق في يوم من الأيام غضب على زوجته نوار أو تخاصم معها أو حضر الشيطان فذهب إلى مجلس الحسن البصري وأصحابه الذين يتدارسون الفقه والحديث فذهب إليهم ليُشهد على نفسه أنه يريد أن يطلق فقال له: اِذهب بنا إلى حلقة الحسن والفرزدق داخل عازم على الطلاق فسلّم على الحسن وقال كيف أصبحت يا أبا سعيد؟ فقال أنا بخير ثم قال له أبو سعيد وهو الحسن رحمه الله: كيف أصبحت يا أبا فراس؟ قال: تعلمن أن النوار مني طالق ثلاثا (طلقها في مجلس الفقه بحضور الشيخ وتلاميذه) قال الشيخ: قد سمعنا نحن وأصحابنا فانطلق الفرزدق خارجا وهو في الطريق قال الفرزدق لصاحبه الذي معه: يا صاحبي إن في قلبي من النوار شيئا، يعني بمجرد أن خرج الفرزدق من مجلس الطلاق حنّ إلى زوجته وقال الأبيات المشهورة بعد أن قال له صاحبه: قد حذرتك من الطلاق فقال الفرزدق:

ندمت ندامة الكسعي لما *** غدت مني مطلقةً نوار

وكانت جنتي فخرجت منها *** كآدم حين أخرجه الضرار

ولو أني ملكت يدي ونفسي *** لكان عليّ للقدر الخيار

ندم الفرزدق ندامة الكسعي والكسعي رجل من اليمن له قصة طريفة أنه كان معه قوس وخمسة أسهم فيها فرمى حمارًا يريد أن يصطاده فذهب السهم وظن الكسعي أنه لم يصطد الحمار الأول فرمى الثاني والثالث والرابع والخامس حتى أنهى الأسهم الخمسة وهو يظن أنه لم يقتل منها ولا صيدًا واحدًا فغضب على قوسه وكسرها فلما أصبح الصباح ورأى النور وإذا بكل سهم قد أصاب حمارًا فقتله فندم الكسعي على كسر القوس وقطع إبهامه – زاد الطين بلة – فقال:

ندمت ندامة لو أن نفسي تطاوعني إذن لقطعت خمسي

تبين لي سفاه الرأي مني لعمر أبيك حين كسرت قوسي

هذه القصة تدل على أن الاستعجال أمر خطير حتى أن الفرزدق يزيد على أبيات الكسعي فقال:

وكنت كفاقئ عيني عمدًا *** فأصبح لا يضيء له النهار

وما فارقتها شِبَعا ولكن*** رأيت الزهد يأخذ ما يُعارُ

وهنا يتبين لنا خطورة العجلة في الطلاق وأن الإنسان ينبغي له أن يتأنى ولا يشق بيته كما قال الله تعالى (شقاق بينهما) عافانا الله وإياكم من كل مكروه وأمر مخذول.

بلاغة حديث

 

بلاغة الحديث في هذه الحلقة فهي ستكون عن البشارة والبشارة في اللغة مأخوذة من البِشْر وهو الخبر السار الشار الذي يشير إلى الأمر الحسن، الأمر الجميل ولذلك يحسن بالإنسان أن يبشر غيره بأي أمر خير يعلمه ولو تتبعنا القرآن الكريم لوجدناه يذكر (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى) والصحابة رضي الله عنهم تأثروا بآداب القرآن وبحديث النبي صلى الله عليه وسلم فكان بعضهم يبشر بعضًا والرسول صلى الله عليه وسلم هو الأول في التوجيه في ذلك قال عليه الصلاة والسلام: يسرا ولا تعسرا وبشّرا ولا تنفرا. البشارة هديٌ نبوي نأخذ منها  حديث كعب بن مالك الطويل في الثلاثة الذين خُلّفوا ومضت الليالي الخمسون كاملة شديدة ثقيلة حتى ضاقت الأرض بما رحبت على الصحابة الثلاثة: هلال بن أمية ومرارة بن الربيع وكعب بن مالك حتى إذا أذن الله بالتوبة لقد تاب الله على الثلاثة الذين تخلفوا عن تلك الغزوة تاب الله عليهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم مبشرًا أم سلمة زوجه الكريم قال لها صلى الله عليه وسلم: يا أم سلمة تيب على كعب. ولما جاء كعب يركض في صلاة الفجر إلى محمد صلى الله عليه وسلم قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك، بشّره الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ الجميل وعندما كانت قصة الإفك وفيها ما فيها من المآسي والآلآم ونزلت التوبة على عائشة رضي الله عنها بعد ليالي لم يرق لها دمع ولم يهنأ لها نوم ونزل الوحي مبرئا عائشة رضي الله عنها وأرضاها قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أبشري. إذن فلم لا نأخذ كم هذا اللفظ البلاغي الحسن اللفظ النبوي الذي عليه مشكاة النبوة لم لا نأخذ منه درسًا في حياتنا أن نتباشر فيما بيننا وأن يبشر بعضنا بعضًا وأن يرسل الإنسان لأخيه البشارة بالنجاحات وبالتفوق وبالأخبار السارة وبقدومه من الحج وبصدور الموافقة له على الحج أو بنجاح له في جامعة أو مدرسة او ربح بتجارة، هذا هدي نبوي راق أسأل الله أن يجعلنا جميعًا ممن يتحلون بالأخلاق النبوية. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل