نظرات لغوية في القرآن الكريم - د. صالح العايد - 29

نظرات لغوية في القرآن الكريم حلقات إذاعية

د. صالح العايد

التفريغ لموقع إسلاميات حصريًا

(29)

النظرة الأولى:

في قوله تعالى في الآية 99 من سورة آل عمران: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ سبيل الله دين الإسلام، أما صدّ أهل الكتاب عن سبيل الله فقد قيل إنهم يحتالون لصد من أراد الدخول في الإسلام عن ذلك، وهذا التأويل يصح على تأويل من "آمن" بمن "أراد الإيمان"، وأحسن من هذا التفسير أن يقال: إنهم يحاولون إفتتان المسلمين بأن يثيروا ما بينهم من عداوات جاهلية، كما كان اليهود يفعلون مع الأوس والخزرج، أو بأن يشكَكوا في دين الإسلام

وبالرسول صلى الله عليه وسلم، إذ كانوا يقولون لهم إن صفته عليه الصلاة والسلام ليست في كتابهم، ولا تقدمت البشارة به صلى الله عليه وسلم في كتبهم.

والذي أريد أن ألفت النظر إليه في هذه الآية هو في قوله: ﴿ تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ فالضمير يعود على سبيل الله، والسبيل يذكّر ويؤنّث، وهذه الآية شاهد على تأنيثها، ومثلها قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [سورة يوسف:108]، ومن التذكير قوله تعالى: ﴿ وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ [سورة الأعراف:146]. والأصل أن يقال: "تبغون لها عوجًا"، لكن عُدِل عنه إلى ما هو أبلغ، فإن المعنى مع تقدير حرف الجر هو: تطلبون لها إعوجاجًا، فيكون "عوجًا" مفعولًا به، لكن ما ورد في الآية من حذف اللام وجعل الضمير مفعولًا به وجعل (عوجًا) حال أكمل في المعنى؛ حيث إنهم يريدون أن تكون الطريقة المستقيمة المشهود لها بالعدل العوج نفسه، كما تقول: "عمر عدل" أبلغ من قولك: "عمر عادل"، ففي المثال الأول كأن عمر صار العدل كله وهكذا شأن أهل الكتاب يريدون من الإسلام أن يكون العوج كله لا أن يكون معوجًا فقط، والله أعلم.

النظرة الثانية:

في قوله تعالى في الآيتين 52، 53 من سورة المائدة بعد أن نهى الله المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء قال: ﴿ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ (53)﴾ تأملوا قوله تعالى: ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ حيث قال: ﴿ يُسَارِعُونَ﴾ ولم يقل: "يسرعون"، وقال: ﴿ فِيهِمْ﴾ ولم يقل: "إليهم"، ولهذا الأسلوب فوائد عظيمة، منها: أن "يسارع" التي هي في أصل استعمالاتها تدل على المشاركة استعملت هاهنا بدلًا من "يسرع" للدلالة على مبالغة مرضى القلوب من المسلمين في الإقبال على اليهود والنصارى وموالاتهم، وأنهم يتسابقون إلى ذلك.

أما قوله:﴿ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ بدلًا من "يسارعون إليهم" فلأن الفعل "يسارعون" ضُمّن معنى فعل آخر وهو "يدخلون"، ليكون المعنى: يسارعون بالدخول في الكفار والمبالغة في موالاتهم والاتصال بهم على وجه أكثر مما سمح به الشارع.

ثم تأملوا كيف علّل الله سبحانه وتعالى موالاتهم لهم بقوله: ﴿ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ فمرضى القلوب من المسلمين ليسوا بحاجة إلى اليهود والنصارى في وقت الموالاة، لكن ضعف إيمانهم ومرض قلوبهم جعلهم يتهافتون عليهم لعدم توكلهم على الله عز وجل رغبة في مساعدتهم إياهم. وإن تنكير "دائرة" يدل على هلع هؤلاء المرضى، فهم يحتسبون الكفار لكل دائرة من حرب أو فقر أو مرض أو غيرها، وإن كان القريب من المراد هو الحرب إلا أن ما سواها داخل في المعنى لإطلاق وتنكير كلمة "دائرة"، ولأجل ذلك كان رد المولى عزّ وجل عليه حاسمًا حيث قال: ﴿ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ وهذا وعد من الله تعالى لا يتخلّف؛ لأن (عسى) في حق الله تعالى تدل على الوجوب، بعكسها في حق العباد فهي تدل على الرجاء، قال أبو عبيدة في "مجاز القرآن": (عسى الله) هي إيجاب من الله، وهي في القرآن كلها واجبة، فجاءت على أحدى لغتي العرب لأن (عسى) في كلامهم رجاء ويقين. انتهى كلامه. وقد أنكر ذلك التفريق الراغب الأصفهاني في المفردات حيث قال: وكثير من المفسرين فسروا لعل وعسى في القرآن باللازم، وقالوا إن الطمع والرجاء لا يصح من الله، وفي هذا منهم قصور نظر وذلك أن الله تعالى إذا ذكر ذلك يذكره ليكون الإنسان منه راجيًا، لا لأن يكون هو تعالى يرجو. انتهى كلامه.

والصحيح عندي قول أبي عبيدة فإن الله تعالى ما وعد بشيء بـ(عسى) إلا تحقق، ولا يُعترض على ذلك بقوله تعالى: ﴿ عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ﴾ لأن إبدال الزوجات لرسول الله صلى الله عليه وسلم عُلّق بشرط الطلاق لأمهات المؤمنين، وهذا الشرط قد جاء بـ(إن) التي تدل على عدم اليقين من تحققه، ومن ثمّ لم يحصل ما عُلِّق عليه.

وعودًا على بدء فإن الله تعالى قد أتي في الآية التي بين أيدينا بـ(الفتح) معرفًا وبـ(أمر) منكرًا وقدم الفتح على ذلك الأمر، وهذا الأسلوب الرائع سببه والله أعلم أن أول ما يتبادر إلى أذهان المؤمنين من كسر لشوكة أعدائهم يكون بالفتح المعهود لديهم فبدأ به، ثم ثنى بقوله: ﴿ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ وكلمة (أمر) عامة تشمل كل ما يخطر على البال وما لا يخطر، ثم إن الله تعالى وصف كلمة "أمر" بقوله: ﴿ مِّنْ عِندِهِ﴾ وهذا في غاية الروعة والبيان، فالفتح يكون بأيدي المؤمنين أما الآخر فمن عند الله وحده، كإرسال الريح على الكفار والخسف بهم وإهلاكهم بالطوفان والزلازل وغيرها.

النظرة الثالثة:

في قوله تعالى في الآية الرابعة من سورة الأعراف: ﴿ وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ ففي هذه الآية من البلاغة والبيان ما يعجز ويقصر عن مداه إنسان، فإن قوله: ﴿ أَهْلَكْنَاهَا﴾ مراد به: "أردنا إهلاكها" بدليل ورود فاء التعقيب بعدها حيث قال: ﴿ فَجَاءهَا بَأْسُنَا﴾، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ [سورة المائدة:6].

 

والقرية على الصحيح تطلق على المنازل وعلى أهلها، فإذا أريد بها المنازل عاد عليها الضمير مؤنثًا، وإذا أريد بها أهل المنازل عاد الضمير عليها مذكّرًا مجموعًا، وقد جمعت الآية الاثنين، فقال: ﴿ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ فغلّب المنازل على أهلها مع إرادتهما معًا، لأن طارق القرية ليلًا لا يحس إلا بالمنازل لهجعة أهلها، وتبدو له المنازل أيضًا كالهاجعة ولذلك فإني لا أرى تأويل (بياتًا) ببائتين، وإنما أرى تأويلها ببائتة لتغليب المنازل على السكان، وفي قوله: ﴿ أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ أعاد الضمير مذكّرًا مجموعًا لأن القيلولة وهي نوم نصف النهار ليست شاملة، عكس البيات الذي يلفّ الديار بالسكون حتى تبدو المنازل كالهاجعة أيضًا، أما في القيلولة فلا تبدو المنازل كالقائلة، فسبحان من هذا بيانه! والله أعلم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل