سور القرآن، دروس ومحاور - بين يدي سورة مريم

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة مريم

بين يدي السورة

سورة مريم، سورة مكية ولها من ميزات السور المكية التي تركز دائمًا على إثبات قضايا العقيدة وعلى رأسها توحيد الله سبحانه وتعالى ثم قضايا البعث والجزاء والقيامة.

اسم السورة

سميت بسورة مريم لاشتمالها على قصة حمل السيدة مريم وولادتها عيسى عليه السلام من غير أب وأصداء ذلك الحمل وموقف الناس منه وما تبعه ورافق ولادة عيسى من أحداث عجيبة من أهمها كلامه وهو طفل في المهد.

ما ورد فيها من الحديث

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد يا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم، هذا الموت وكلهم قد رآه فيُذبح ثم يقول يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٣٩﴾).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزرونا؟ فنزل قوله تعالى (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴿٦٤﴾).

وعن مسروق قال: سمعت خباب بن الأرتق ال: جئت العاص بن وائل السهمي أتقاضاه حقا لي عنده فقال لا أعطيك حتى تكفر بمحمد فقلت لا حتى تموت ثم تُبعث، قال: وإني لميت ثم مبعوث؟ قلت نعم قال: إني لي هناك مالًا وولدًا فأقضيك فنزلت هذه الآية (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ﴿٧٧﴾ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ﴿٧٨﴾ كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا ﴿٧٩﴾ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا ﴿٨٠﴾).

وعن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران فقالوا لي: ألستم تقرأوا يا أخت هارون وقد كان بين عيسى وموسى ما كان؟ قال: فلم أدري ما أجيبهم، فما رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يُسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) يرد الناس النار ثم يصدرون منها بأعمالهم فأولهم كلمح البرق ثم كالريح ثم كحضر الفرس ثم كالراكب في رحله ثم كشد الرجل ثم كمشيه.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إني قد أحببت فلانًا فأحبه قال: فينادي في السماء ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض فذلك قول الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴿٩٦﴾) وإذا أبغض الله عبدًا نادى جبريل فينادي في السماء ثم تنزل له البغضاء في الأرض.

مناسبة السورة لما قبلها

تعتبر سورة مريم استمرار لذلك القصص العجيب الشيق الذي قصّه الله سبحانه وتعالى في سورة الكهف، فقصة الفتية المؤمنين الذين لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا ثم قصة موسى والخضر وما جرى معها من أحداث تملأ السمع والبصر دهشة وعجبا قصة ذو القرنين وما فيها من غرائب وعجائب وتأتي بعد ذلك سلسلة قصص سورة مريم عليها السلام فهي تبدأ قصة زكريا الذي نادى ربه نداء خفيا طالبا منه وليا يرثه في إصلاح شأن بني إسرائيل من بعده وكان زكريا قد وهن العظم منه واشتعل رأسه شيبًا من كبر سنه وكانت امرأته عاقرًا لا تنجب ولكن الله سبحانه وتعالى الرحمن الذي تظهر آثار رحمته في هذه السورة وهبه مولودًا يرثه في ميراثه الإصلاحي وسماه يحيى وهو اسم فذّ غير مسبوق. ثم تأتي بعد ذلك قصة ميلاد عيسى عليه السلام من غير أب. وقد بدأت السورة بقصة زكريا ثم بقصة عيسى عليهما السلام لأن خلق الولد من شخصين فانيين أقرب إلى مناهج العادات من خلق الولد بلا أب ثم ثنّى بقصة عيسى لأنها أغرب من تلك وإن من حسن طرق التعليم والتفهيم التدرج بالانتقال من الأقرب منالًا إلى الأصعب منه وهكذا صُعُدًا. ثم يأتي بعد ذلك طرفٌ من قصة إبراهيم مع أبيه ثم تعقبها إشارات إلى النبيين إسحاق ويعقوب وموسى وهارون واسماعيل وإدريس وآدم ونوح عليهم السلام فالقصص هو مادة هذه السورة ويعتبر هذا القصص امتدادًا لتلك الأخبار التي قصها الله سبحانه وتعالى في سورة الكهف.

وهناك مناسبة أخرى ظاهرة بين السورتين وهي أن سورة الكهف بُدئت بالتوحيد وختمت بالتوحيد قال تعالى في آخرها (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف: 110] ثم جارت بعد ذلك سورة مريم لتفصل في قضية التوحيد وليكون توحيد الله سبحانه وتعالى هو محورها الذي تؤكده كل الموضوعات التي جاءت في سورة مريم كما سيتبين لنا.

إجمال مواضيع السورة

تبدأ سورة مريم عليها السلام بمشهد نبي الله زكريا وقد وهن عظمه واشتعل رأسه شيبًا وهو يبدو مشغول البال على ميراثه المتمثل في دعوته إلى الله، فهو أحد أنبياء بني إسرائيل البارزين. كان زكريا يناجي ربه ويدعوه بأن يهب له وليًا يرث دعوته وأعماله الإصلاحية والآيات تصور نبي الله زكريا يناجي ربه بعيدًا عن عيون الناس، بعيدًا عن أسماعهم في عزلة يخلص فيها لربه ويكشف له عما يُثقل كاهله ويُكرِب صدره ويناديه في قرب واتصال وبلا واسطة وإنّ ربه ليسمع ويرى من غير دعاء ولا نداء ولكن المكروب يستريح إلى البثّ ويحتاج إلى الشكوى. والله الرحيم بعباده يعرف ذلك من فطرة البشر فيستحب لهم أن يدعوه وأن يبثوه ما تضيق به صدورهم ليريحوا أعصابهم ولتطمئن قلوبهم إلى أنهم قد عهدوا بأعبائهم إلى من هو أقوى وأقدر وليستشعروا صلتهم بالجناب الذي لا يضام من يلجأ إليه ولا يخيب من يتوكل عليه.

(كهيعص ﴿١﴾ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ﴿٢﴾ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ﴿٣﴾ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ﴿٤﴾ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ﴿٥﴾ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴿٦﴾ يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ﴿٧﴾ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ﴿٨﴾ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ﴿٩﴾ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ﴿١٠﴾ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ﴿١١﴾ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ﴿١٢﴾ وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا ﴿١٣﴾ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ﴿١٤﴾ وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ﴿١٥﴾)

ثم بعد ذلك يحكي السياق قصة أعجب من قصة ميلاد يحيى بن زكريا الذي وُلِد بعد أن بلغ أبوه من الكبر عتيا وكانت امرأته عاقرا إنها قصة ميلاد عيسى عليه السلام إنها قصة لا نظير لها في التاريخ كله إن البشرية لم تشهد خلق الإنسان الأول من غير أب وأم وقد مضت القرون بعد ذلك الحادث فشاءت الحكمة الإلهية أن تبرز العجيبة الثانية في مولد عيسى من غير أبّ ليشهدها البشر ثم تظل في سجل الحياة الإنسانية بارزة فذّة تتلفت إليها الأجيال إن عزّ عليها أن تتلفت إلى العجيبة الأولى التي لم يشهدها الإنسان. ونظرًا لغرابة الحادث وضخامته فقد عز على فرق من الناس أن تتصوره على طبيعته وأن تدرك الحكمة في إبرازه فجعلت تضفي على عيسى بن مريم عليه السلام صفات ألوهية وتسوق حول مولده الخرافات والأساطير والقرآن في هذه السورة يقصّ كيف وقعت هذه العجيبة وينفي تلك الخرافات والأساطير ويبين موقف بني إسرائيل من هذه القصة.

(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ﴿١٦﴾ فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ﴿١٧﴾ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ﴿١٨﴾ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ﴿١٩﴾ قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ﴿٢٠﴾ قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ﴿٢١﴾ فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا ﴿٢٢﴾ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ﴿٢٣﴾ فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴿٢٤﴾ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ﴿٢٥﴾ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ﴿٢٦﴾ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ﴿٢٧﴾ يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ﴿٢٨﴾ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ﴿٢٩﴾ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴿٣٠﴾ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴿٣١﴾ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ﴿٣٢﴾ وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴿٣٣﴾ ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴿٣٤﴾ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿٣٥﴾ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿٣٦﴾)

ثم تقص الآيات في سورة مريم عليها السلام طرفًا من قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام وتبدو فيها شخصية إبراهيم الرضيّ الحليم تبدو وداعته وحلمه في ألفاظه وتعبيراته التي يحكي القرآن الكريم ترجمتها بالعربية وفي تصرفاته ومواجهته للجهالة من أبيه كما تتجلى رحمة الله به وتعويضه على أبيه وأهله المشركين ذرية صالحة تنسل أمة كبيرة فيها الأنبياء وفيها الصالحون وقد خلفٌ من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ينحرفون عن الصراط الذي سنّه له أبوهم إبراهيم هم هؤلاء المشركون.

ثم يستعرض السياق أولئك الأنبياء الذين أرسلهم الله للناس هداة ودعاة ويهدد من خالفهم بالعذاب الشديد ويبشر الذين اتبعوهم بالجنة ويفتح باب التوبة على مصراعيه لمن أراد أن يجدد العهد مع الله عز وجلّ.

ثم يختم هذا الفصل بإعلان الربوبية المطلقة لله تعالى والتوجه إلى عبادته والصبر على تكليفها ونفي الشبيه والنظير عنه سبحانه وتعالى.

(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ﴿٤١﴾ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ﴿٤٢﴾ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ﴿٤٣﴾ يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ﴿٤٤﴾ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ﴿٤٥﴾ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ﴿٤٦﴾ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ﴿٤٧﴾ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا ﴿٤٨﴾ فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا ﴿٤٩﴾ وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ﴿٥٠﴾)

ثم تمضي الآيات في جدل حول عقائد الشرك وحول إنكار البعث ويعرض في مشاهد القيامة مصائر البشر في مواقف حية حافلة في الحركة والإنفعال يشارك فيها الكون كله سماواته وأرضه إنسه وجنّه مؤمنوه وكافروه وينتقل السياق بمشاهده بين الدنيا والآخرة فإذا هما متصلتان تعرض المقدمة هنا في هذه الأرض وتعرض نتيجها هنالك في العالم الآخر فلا تتجاوز المسافة بضع آيات وبضع كلمات مما يلقي في الحس أن العالمين متصلان مرتبطان متكاملان.

ثم تختم السورة بالحديث عن الذين سيجعل لهم الرحمن ودّا وهم الموحدون وأتباع الرسل الكرام وعن القسم الآخر الذين أهلكهم الله بشركهم فلم يبق منهم أحدا إنها سنة الله عز وجلّ في خلقه وقانونه الذي قضى به سبحانه وتعالى.

 

(قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا ﴿٧٥﴾ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا ﴿٧٦﴾ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ﴿٧٧﴾ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ﴿٧٨﴾ كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا ﴿٧٩﴾ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا ﴿٨٠﴾ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ﴿٨١﴾ كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ﴿٨٢﴾ أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ﴿٨٣﴾ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ﴿٨٤﴾ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ﴿٨٥﴾ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴿٨٦﴾ لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ﴿٨٧﴾ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ﴿٨٨﴾ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ﴿٨٩﴾ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ﴿٩٠﴾ أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ﴿٩١﴾ وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴿٩٢﴾ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴿٩٣﴾ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ﴿٩٤﴾ وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ﴿٩٥﴾ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴿٩٦﴾ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا ﴿٩٧﴾ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ﴿٩٨﴾)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل