سور القرآن، دروس ومحاور - من دروس سورة الكهف

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة الكهف

من دروس السورة

الدرس الأول: صيانة العقل عما لا طائل تحته

إن طبيعة الإسلام تفرض على على الأمة التي تعتنقه أن تكون أمة متعلمة ترتفع فيها نسبة المثقفين وتهبط أو تنعدم فيها نسبة الجاهلين ذلك لأن حقائق الدين من أصول وفروع ليست طقوسًا تُنقل بالوراثة أو تعاويذ تشيع بالإيحاء، إنها حقائق تُستخرج من كتاب حكيم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ومن سنّة مرشِدة أوحى بها الله عز وجلّ إلى نبيه الكريم ليبين للناس أمر دينهم وإن سبيل استخراج هذه الحقائق لا يتوقف على القرآءة المجرّدة للقرآن بل لا بد من أمة تتوافر فيها الأفهام الذكية والأساليب العالية. والله سبحانه وتعالى وصف القرآن الكريم بأنه كتاب ذكر، قال تعالى (ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ ﴿١﴾ ص) وقال (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44) الزخرف) أي ما ذكره القرآن أو أمر به من أمور الدين فهو من الذكر وما سكت عنه ولم يفصّل فيه ولم يتعرض له فهو مما لا فائدة من السعي وراءه. وسورة الكهف هذه السورة التي نتلقى منها هذا الدرس إشارة إلى هذا المعنى حيث يقول تعالى (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا ﴿٢٢﴾) فكم أتعب بعض الناس أنفسهم في معرفة عددهم وأسمائهم وهذا مما لا طائل تحته، إن الله عز وجلّ لم يذكر هذه القصة ذات العبرة البليغة لنسعى نحن وراء هذه التفاصيل الفارغة، إن العبرة من هذه القصة أن يعلم الإنسان أن دينه وعقيدته هي موطنه، هي بيته الذي يسكن فيه ويطمئن ولو ابتعد عن الأهل والديار والوطن، فطالما أن أمر الدين سليم معافى فالمرء إذن بخير. ويستوي عند المؤمن الكهف الضيق الخشن المظلم والقصر الشاهق المنيف طالما أن أمر الدين في صحة وعافية، فما معنى أن نترك هذه المعاني البليغة الرفيعة التي قصّ الله علينا هذه القصة من أجل أن نتعلمها ثم نأتي بعد ذلك للبحث عن المصادر التاريخية التي تذكر أسماءهم وعددهم ومكان الكهف الذي أووا إليه واسم الكلب الذي كان معهم؟! إنه ليستوي أن يكونوا ثلاثة أو خمسة أو سبعة فأمر ذلك موكول إلى الله عز وجلّ فلا ضرورة إذن للبحث في هذا وإن العبرة في عددهم حاصلة بالقليل والكثير.

(وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ﴿١٩﴾ إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا ﴿٢٠﴾ وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ﴿٢١﴾ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا ﴿٢٢﴾ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴿٢٣﴾ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا ﴿٢٤﴾ وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ﴿٢٥﴾ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴿٢٦﴾ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴿٢٧﴾)

وقد وجّه القرآن الكريم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ترك الجدل في هذه القضية وإلى عدم استفتاء أحد من المتجادلين في هذه القضية وذلك تمشيًا مع منهج الإسلام في صيانة الطاقة العقلية أن تبدد في غير ما يفيد وأن لا يقف المسلم ما ليس له به علم وثيق. وهذا الحادث الذي طواه الزمن هو من الغيب الموكول إلى علم الله تعالى إذن فيترك إلى علم الله ولو كان عدد هؤلاء الفتية من الذكر الذي يتقرب الإنسان بعلمه إلى الله تعالى إذن لذكره القرآن الكريم ولأولاه عناية خاصة ولكنه مما لا فائدة فيه. وقد كتب بعض المفسرين اسم النملة التي حذّرت قومها من جيش سليمان عليه السلام فسمعها سليمان وفهم لغتها وغير ذلك كثير مما يثير اهتمام العامة. والحق الذي لا شك فيه أنه على قدر ذكاء الشخص واستنارته واستقامة فطرته يكون رسوخ قدمه في الإسلام وهيهات أن يسبق في هذا الدين بليد الرأي سقيم الوجدان!! ولما كان ضيق الأفق لا يدع للإيمان امتدادا ولا للإحسان منفذًا قال تعالى (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الحشر: 21] وقال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111) يوسف) وقد تكرر في القرآن الكريم ألفاظ توجّه اهتمام المسلم إلى ما فيه العبرة والعظة كقوله تعالى (أفلا يتدبرون) (أفلا تبصرون) (أفلا تعقلون) وغيرها كثير في كتاب الله، كل ذلك ليستثمر العقل فيما خلق من أجله ولكي لا تبدد طاقته فيما لا طائل تحته.

الدرس الثاني: شذرات من قصة صاحب الجنتين

في سورة الكهف حوار بين كافر على جانب من الثراء ومؤمن قليل المال (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ﴿٣٢﴾) ولم تكن للآخر أمثال هذه الحدائق الزاهرة فإذا الغني المغرور يقول لصاحبه مفاخرًا أنا أكثر منك مالًأ وأعز نفرًا، ومن يدري لعل هذا الفقير هو خير عند الله من الغني فالمال ليس مزية تجعل العب قريبا من الله ومن المكثرين يحسب أنه جمع ماله بما أوتي من ذكاء ويقول كما قال قارون إنما أوتبته على علم عندي، فلنفرض أنك عبقري وأنك جمعت ثروتك بذكائك الخارق فمن منحك هذا الذكاء وميزك بتلك القدرة؟ إنه الله الذي ينبغي أن ترد إليه كل ما عندك وهذا ما شرحه المؤمن الفقير لصاحبه المغرور في سورة الكهف (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا ﴿٣٩﴾ فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ﴿٤٠﴾) وبالفعل فقد حصل ما توقعه المؤمن المنكسر فإن جوائح السماء هبطت على الجنة المزدهرة فجعلتها قاعًا صفصفًا وتركت صاحبها يصيح من الندم ويقول (يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ﴿٤٢﴾ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا ﴿٤٣﴾) لقد أشرك هذا المسكين مع الله نفسه التي بين جنبيه إنها الوثن الذي عبده من دون الله، لقد جعل إلهه هواه.

(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ﴿٣٢﴾ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ﴿٣٣﴾ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ﴿٣٤﴾ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا ﴿٣٥﴾ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ﴿٣٦﴾ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ﴿٣٧﴾ لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ﴿٣٨﴾ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا ﴿٣٩﴾ فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ﴿٤٠﴾ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ﴿٤١﴾ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ﴿٤٢﴾ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا ﴿٤٣﴾ هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا ﴿٤٤﴾)

إن الإنسان عادة حريص على مصلحته ويُحسن الجري وراء حاجته ولكن هذا السعي قد يتورم ويربو ويسد عليه الآفاق فلا يعرف إلا ما يريد وما يبقى لله مكانًا في ضميره ولا في سلوكه إنه الأول والآخر والحضارة الحديثة صنعت أجيالا من هذا القبيل ارتبطت بالتراب فلا تبصر وراءه شيئا بل استبعدت الآخرة من حسابها وجعلت التفكير فيها أو الحديث عنها لونا من ألوان الخرافة لا يخوض فيه العقلاء أو يخطر لهم ببال وفي هؤلاء يقول الله تعالى في سورة الكهف (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴿٤٥﴾) على أن الحياة الدنيا مع انقضائها وانتهائها ليست شرًا محضًا فقد يكون التمكين فيها من رحمة الله كما قال الله تعالى بعدما منح يوسف عليه السلام أرفع المناصب (وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) يوسف) إن هذا التمكين قد يكون دعمًا للحق وعونًا للضعاف وسندًا للمروءة كما قال عروة بن الورد:

أليس شديدا أن تلمّ مُلِمّة *** وليس علينا في الحقوق معوّل

والله سبحانه وتعالى لم يحرّم اليسار والغني على عباده الصالحين ليختص به العباد المجرمين وهو سبحانه لم يغضب على صاحب الجنة المغرور إن كان له جنة أو جنات إنما غضب عليه لأنه كان ذا فكر سخيف ومنطق غبي. ما معنى أن يقول هذا المغرور لصاحبه وهو يحاوره (مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا ﴿٣٥﴾ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ﴿٣٦﴾) لماذا؟ هل سيكافأ على كفره وتطاوله على الله؟! إن هذا الأحمق جدير أن يكون حطب النار في الآخرة كما هو جدير بالحرمان في الدنيا. على ضوء هذا نفهم التعقيب الإلهي على هذه القصة (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴿٤٦﴾) إن المال والبنين كما يكونان زينة الحياة الدنيا يكونان عُدّة النصر في معركة التحرير والشرف وفي الحديث الشريف: نِعم المال الصالح للعبد الصالح. ولكن حين تنهزم دوافع الفداء والجهاد أمام حبّ الدنيا تكون الدنيا مصيبة وعندما يغلب الشَرَه والبخل عند وجود المال يكون المال نكبة، أما صاحب المال الذي يساند به الإيمان وينفقه في الجهاد في سبيل الله فهو عابد رفيع الأجر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع عليه شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ومن كانت الدنيا همّه جعل الله فقره في عينيه وفرّق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدّر له فلا يمسي إلا فقيرًا ولا يصبح إلا فقيرًا وما أقبل العبد على الله بقلبه إلا جعل الله قلوب العباد تنقاد إليه بالود والرحمة وكان الله بكل خير إليه أسرع. إن هذا الحديث شفاء من جنون الشره وعبادة الحياة والتعلق بالحُطام وهو من ناحية أخرى ليصدّ عن غنى يجيء مع التماسك والأدب.

(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴿٤٥﴾ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴿٤٦﴾ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ﴿٤٧﴾ وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا ﴿٤٨﴾ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴿٤٩﴾)

إن مما يثير الأسى حول مستقبل الإنسان أنه ينسى ربه وتستغرقه مآرب الدنيا فلا يكاد يُعدّ شيئا للقاء الله وتكاد الآخرة تكون في حسابه وهمًا وهي حقٌ لا ريب فيه وإن فقدان الذاكرة على هذا النحو لا يثمر إلا الخسار. ولذلك اتجه السياق القرآني إلى التذكير بيوم الحساب فقال تعالى عقب القصة السابقة (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ﴿٤٧﴾). ولما كان أغلب الناس يفعل ويذهل وينسيه يومه الحاضر ما كان وما يكون فهو يدهش للإحصاء الدقيق الذي يواجهه (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴿٤٩﴾). ويوم الحساب يوم مفاجآت وتغابن فلينصت أصحاب المال المغترين بنعمة الله عليهم وليستمعوا لصوت سورة الكهف وهي تخبرهم عن مصير أمثالهم ممن عاش في هذه الدنيا كيف كان مصيره ليعلم كل من شابهه بعمله أن له نفس المصير ينتظره ثم لا بد لهؤلاء أن يعلموا أن النعمة التي ينعمها الله على العبد من مال أو جاه أو قوة أو صحة إنما وراءها تكليف بأن يبذلها للخلق ليعمّ نفعها فذلك هو شكرها وبالشكر تزيد النعم.

 

(وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ﴿٤٧﴾ وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا ﴿٤٨﴾ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴿٤٩﴾). 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل