سور القرآن، دروس ومحاور - محور سورة الكهف

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة الكهف

محور السور: السلامة من الفتن

إن الحديث عن الفتن والسلامة منها هو الدرس الكبير في سورة الكهف بل هو محور هذه السورة الجليلة الذي تدور آياتها في فلكه. والفتن جمع فتنة ولها في اللغة عدة معان: منها الابتلاء والاختبار وأصل هذا المعنى مأخوذ من قولك: فتنت الذهب والفضة إذا أذبتهما في النار لتميّز الرديء من الجيّد، قال تعالى (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) العنكبوت). ومن معاني الفتنة الإعجاب بالشيء ويأتي الفاتن بمعنى المُميل عن الحق كقوله تعالى (وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) الإسراء) والفتن التي تتحدث عنها سورة الكهف والتي تعلم السلامة منها هي الفتن التي يكون للعبد فيها كسب واختيار وهي التي تميله عن الحق وتضله عنه وتوقعه في الضلال والإثم والكفر وتسبب الاختلاف والاقتتال بين الناس ومنشأ هذه الفتن تكون من التغيير التغيير والتبديل والانحراف عن دين الله سبحانه قال الرسول صلى الله عليه وسلم: أنا فرَطُكم على الحوضِ، فلَيُرْفَعَنَّ إليَّ رجالٌ منكم، حتى إذا أهويتُ لأُناوِلهم اختلجوا دوني، فأقول: أي ربِّ أصحابي، يقول: لا تدري ما أحدثُوا بعدَك.

إن الكهف الذي سميت به هذه السورة هو المكان الذي يحميك من خطر يداهمك فإذا ما تحصنت به صرت في مأمن مما تخاف وقد عرضت سورة الكهف أنواعًا من الفتن يتعرض لها الإنسان ثم ذكرت السورة بعد كل فنة من هذه الفتن الكهف الذي إذا تحصنت به لم يصل إليك الخطر. إن الفتنة الأولى التي تحميك سورة الكهف منها هي فتنة الأعور الدجال فقد جاء في الحديث النبوي الصحيح: من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصم من فتنة الدجال، وفي حديث آخر: من أدركه منكم –أي الدجال- فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف.

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴿١﴾ قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ﴿٢﴾ مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا ﴿٣﴾ وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ﴿٤﴾ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآَبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ﴿٥﴾ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴿٦﴾ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴿٧﴾ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا ﴿٨﴾ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا ﴿٩﴾ إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ﴿١٠﴾)

والدجال رجل مشوّه الخلقة يدّعي لتفسه صفة الألوهية ويغتر به كثير من الناس ويصدّقونه ويتابعونه رغم العَور الظاهر في عينه الذي يدل على عجزه ونقصه ويتنافى مع ما يدّعيه من صفات الألوهية والربوبية، لكنه يخدع الناس ببعض الخوارق التي تجري على يديه فيؤمن به خلق كثير من الناس بسبب تلك الخوارق وفتنة الدجال يكون معرّضًا لها كل من تأخذ بعقله ولبّه الخوارق، فكل من يأتي بالخوارق أمامه يتبعه ويصدقه وهذا تفكير غير سديد فالخوارق لا تدل على صلاح الإنسان وإنما يدل على صلاحه هو اتباعه للقرآن والسنة. إذن فكل من يجعل من الخوارق دليلًا على صدق فاعلها يكون معرضًا للافتتان بالأعور الدجال التي هي أعظم الفتن. قال عليه الصلاة والسلام: ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من الدجال. وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من الافتتان به فقال: ما بُعِث نبي إلا حذّر أمته الأعور الكذاب ألا إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور وأن بين عينيه مكتوب كافر. ونحن إذا تأملنا الآيات العشر من أول سورة الكهف والتي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنها أنها تعصم من فتنة الدجال لرأينا أنها آيات تدعو إلى التمسك بالكتاب القيّم وتدعو إلى توحيد الله عز وجلّ وتبشّر المؤمنين وتنذر الكافرين وتبين حقيقة الحياة الدنيا التي يفتتن بها كثير من الناس فمن تعلّم هذه الآيات وفهم معانيها لم يكن لفتنة الدجال تأثير عليه كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والفتنة الثانية التي ذكرتها سورة الكهف وعلمت قارئها طريقة النجاة منها ودلته على الكهف الذي إذا دخل فيها احتمى واحترز من خطرها هي فتنة الإكراه على الكفر وحمل الآخرين على المعتقدات الفاسدة وقد قال فرعون موسى لقومه قديما (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) [غافر: 29] فسورة الكهف تعلّمنا من خلال قصة الفتية المؤمنين أن اعتزال الكفر والكفار هو كهف السلامة الذي يسلم الدين معه.

(وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا ﴿١٦﴾ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا ﴿١٧﴾ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا ﴿١٨﴾ وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ﴿١٩﴾ إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا ﴿٢٠﴾ وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ﴿٢١﴾)

إذن فليأوِ المؤمن إلى كهفه الذي يحميه من الفتن كلما شعر أنه غريب عن هذه الدنيا التي عبدها الناس من دون الله وليتذكر أولئك الفتية الذين اعتزلوا قومهم فرارًا بدينهم وأووا إلى ذلك الكهف الموحش المظلم الذي كان بمثابة حارس أمين لهم أبعدهم عن فتنة الحياة التي غرق الناس بها فأقاموا في كهفهم الخشن الضيق يستروحون رحمة الله ويحسون هذه الرحمة رحمة ظليلة ممتدة عُبّر عنها بقوله تعالى (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ). ولفظة ينشر تُشعر بالسعة والبحبوحة والانفساح فإذا الكهف فضاء فسيح رحب وسيع تنتشر فيه الرحمة وتتسع خيوطها وتمتد ظلالها وتشملهم بالرفق واللين والرخاء. إن الحدود الضيقة لتنزاح وإن الجدران الصلبة لترقّ وإن الوحشة الموغلة لتشفّ فإذا الرحمة والرفق والأنس في ذلك الكهف الموحش، إنه عالم الإيمان فما قيمة المظاهر والأعراف الأرضية التي تعارف عليها الناس؟!! إن هناك عالمًا آخر في جنبات القلب المعمور بالإيمان، عالمًا تظلله الرحمة والرضوان والرفق وإن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.

ثم تأتي القصة الثانية قصة صاحب الجنتين التي تتحدث عن فتنة المال ثم تشير السورة إلى الكهف الذي يعتصم به كل خائف على نفسه من هذه الفتنة:

(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ﴿٣٢﴾ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ﴿٣٣﴾ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ﴿٣٤﴾ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا ﴿٣٥﴾ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ﴿٣٦﴾ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ﴿٣٧﴾ لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ﴿٣٨﴾ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا ﴿٣٩﴾ فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ﴿٤٠﴾ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ﴿٤١﴾ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ﴿٤٢﴾ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا ﴿٤٣﴾)

إنه رجل اغترّ بماله وجاهه ولم يستمع لنصح صاحبه بل ظنّ أن الخلود مكتوب لسلطانه وغناه في الدنيا والآخرة، إنها فتنة المال والغنى الذي يخيّل لصاحبه أن المكانة التي بوأه أهل الدنيا إياها تظل محفوظة له حتى في الملأ الأعلى، فما دام له هذه المكانة عند أهل الأرض فلا بد إذن أن يكون له عند أهل السماء مكان ملحوظ.

ثم تعرض الصورة النموذج الآخر من البشر المتمثلة في شخص صاحبه الفقير المستعلي بإيمانه والذي عصمه دينه من الفتنة التي وقع بها صاحبه، فقد وقف من صاحبه موقف الواعظ الناصح ليقرر له أن القيم الحقيقية ليست هي المال وليست هي الجاه إن هذه كلها قيم زائفة زائلة وإن الغنى والفقر إنما يكونان بعد العرض على الله تعالى فمن كان من أهل النار فهو الفقير الخاسر ولو كان في الدنيا من أهل الجاه والثراء ومن كان من أصحاب الجنة فهو الغني وإن كان في الدنيا من الذين لا يهتم أحد بشأنه فمن كانت هذه عقيدته فقد عصم من فتنة المال وكان آمنا في كهف الإيمان بالله محميًا به.

ثم تأتي القصة الثالثة في سورة الكهف قصة موسى مع العبد الصالح وهي وثيقة الصلة بدرس السورة الكبير درس السلامة من الفتن. والقصة فيها توجيه ونداء إلى أولئك الذين يحملون العلم أن لا يفتنوا بعلمهم وأن لا ينسبوا ذلك العلم لأنفسهم فإن الله سبحانه وتعالى عتب على موسى عليه السلام إذ لم يردّ العلم إليه وذلك عندما سئل موسى: أيّ الناس أعلم قال: أنا، فالسورة ترشد حملة العلم إلى ردّ العلم إلى الله وتحذر العلماء من الافتتان بعلمهم فالله هو مصدر العلم وهوالعالم بكل شيء وإن نسبة علوم البشر إلى علم الله كقطرة الماء التي يحملها الطائر من البحر إذا أدخل منقاره فيه، قال تعالى (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: 85]. والسورة تنبه المفتونين بعلمهم إلى أن الإنسان مهما علا كعبه في العلم يجب أن يبقى طالبا للعلم ومن ظن أنه علم فقد جهل فهذا موسى عليه السلام كليم الله سبحانه يرجل من بلده طالبا للعلم باحثا عن المعلم الذي أرشده الله إليه وهو بأدبه الوافر ومقامه الرفيع يعلم طلاب العلم من بعده كيف يتعاملون مع معلميهم وماذا يتعلمون منهم، نستشف ذلك من بعض العبارات القرآنية في سورة الكهف إن في قول موسى للرجل الصالح (هَلْ أَتَّبِعُكَ) أي هل تأذن لي أن أكون لك تبعًا تواضعًا للمعلم وإشعارًا له بهذا التواضع، ولا بد من رفع المعلم إلى مقام رفيع والاعتراف له بالأستاذية وإنزال النفس مكان التلمذة والتعلم نرى ذلك واضحًا في قول موسى عليه السلام للرجل الصالح (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ). ثم بعد ذلك يرشد موسى طلبة العلم إلى أي نوع من العلوم يجب أن تتوجه همتهم، إنها العلوم التي فيها الرشد والفلاح تأمل قول موسى عليه السلام (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) إذن يتحصن الإنسان داخل كهف السلامة من فتنة العلم بالحرص عليه والتواضع به ورده إلى الله تعالى وأن يكون هذا العلم علمًا يقرب إلى الله تعالى وأن يسخر العالم علمه للدعوة إلى الله ونشر الخير والفضيلة بين الناس.

وأما قصة ذي القرنين وهي القصة الأخيرة في السورة فيجب أن تكون نبراسًا لكل ذي سلطان فهي تتحدث عن فتنة الملك والسلطان وتشير إلى الكهف الذي يحتمي به الإنسان من براثن هذه الفتنة. إن ذا القرنين مع ما أوتي من أسباب القوة والعلم لم يصب بفتنة الملك والحكم بل كان مثالا طيبا للحاكم الصالح فلم ينشغل بما آتاه الله من قوة الملك وأبهة الحكم والتمكين في الأرض عن أمته التي حكمها ورسالته التي حملها، إنه الحاكم الذي سخر حكمه وسلطانه لنشر دين الله وعبادته في الأرض وعمارتها بطاعة الله تعالى ودرء خطر المفسدين عنها بكل وسائل التمكين التي آتاه الله إياها وهذا ما جعل بعض المفسرين يصفون ذا القرنين بالنبوة والصحيح أنه كان حاكما صالحا سخر الله تعالى له الكثير من الأسباب ويسر له سبل التنقل في الأرض والنظر في أحوال العباد فاستثمر ذلك للدعوة والإرشاد وعمارة الأرض ودفع الشر والفساد وبهذا يتوضح الكهف الذي يضمن السلامة من فتنة الملك والسلطان وأن الإنسان كلما علت رتبته زادت تكاليفه ومهماته.

(وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ﴿٨٣﴾ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ﴿٨٤﴾ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ﴿٨٥﴾ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ﴿٨٦﴾ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ﴿٨٧﴾ وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ﴿٨٨﴾ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ﴿٨٩﴾ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ﴿٩٠﴾ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ﴿٩١﴾ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ﴿٩٢﴾ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ﴿٩٣﴾ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ﴿٩٤﴾ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ﴿٩٥﴾ آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ﴿٩٦﴾ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ﴿٩٧﴾ قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ﴿٩٨﴾)

 

وبعد هذا البحث يظل قوله تعالى في سورة الكهف (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا) يظل ساري المفعول إلى قيام الساعة وهذا الكهف قد يكون ماديًا حقيقيًا وقد يكون رمزيًا معنويًا. والمقصود من كل ذلك أن يبقى الإنسان بعيدا عن كل ما يبعده عن منهج الله تعالى ويزج به في غمار الفتن وقد يكون هذا الكهف بيته أو متجره أو أي مكان لا تطاله فيه يد الفتن. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل