نظرات لغوية في القرآن الكريم - د. صالح العايد - 28

نظرات لغوية في القرآن الكريم حلقات إذاعية

د. صالح العايد

التفريغ لموقع إسلاميات حصريًا

(28)

النظرة الأولى:

في قوله تعالى في الآية 45 من سورة آل عمران: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ أشكل على المفسرين الضمير في قوله: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ كيف يعود الضمير المذكر على المؤنث وهو قوله: ﴿ بِكَلِمَةٍ﴾ ولِمَ لم يقل بكلمة منه اسمها؟ والجواب على هذا الإشكال أن المراد بقوله: ﴿ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ﴾ هو عيسى ابن مريم عليه السلام وهو مذكر، فأعاد الضمير على المؤنث مذكرًا نظرًا إلى المراد منه. والعرب في كلامها تغلِّب المذكر على المؤنث، والذي جعل ذلك الصنيع حسنًا أن قوله: ﴿اسْمُهُ﴾ إعرابه مبتدأ وخبره قوله: ﴿الْمَسِيحُ﴾ وهو مذكر، فذكّر الضمير في المبتدأ ليناسب الخبر، ولذلك تقول: أهديتك هدية هي قلم، ولكن أحسن منه أن تقول: أهديتك هدية هو قلم.

وكما أشكلت هذه الآية على المفسرين أشكلت أيضًا على النُحاة، لأنهم يقولون إذا اجتمع اسم ولقب قدّم الاسم وجوبًا، فتقول: محمد بن عبد الله الهاشمي صلى الله عليه وسلم، ولا يصح أن تقول: الهاشمي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، كما يفعل أخواننا أهل المغرب العربي فيقولون: الناصري عليّ.

وفي ظاهر هذه الآية أنه قدم اللقب وهو "المسيح" على الاسم وهو "عيسى"، وقد حاول النحاة تخريج هذه الآية على عدة تخريجات أصحّها أن المسيح ليس لقبًا لعيسى عليه السلام وإنما هو اسم له. وأعجب كيف ذهب النحويون في هذه الآية كل مذهب والله تعالى يقول: ﴿ اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ فهذا نص من الله تعالى على أن "المسيح" اسم لعيسى عليه السلام، فهل اسمه مركّب كما يفعل كثير من المسلمين عربًا وغير عرب في تركيب الأسماء؟ ربما يكون ذلك، لكن الراجح لديّ أن لعيسى عليه السلام أكثر من اسم كما كان لرسولنا عليه الصلاة والسلام أكثر من اسم، حيث كان يسمى محمدًا وأحمد وغيرها.

أما قوله: ﴿ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ فله فائدة عظيمة، فمع أن مريم لا تحتاج إلى أن تُخبَر أنه ابن لها نُصّ عليه، وفائدته أن العرف جرى أن ينسب الولد إلى أبيه لا إلى أمه، فنسبته إلى أمه إعلام لها بأنه يولد من غير أب، وهذه خصيصة يخصّ الله تعالى بها مريم لتطهيرها واصطفائها بهذه المكرمة العظيمة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ (42) آل عمران ﴾

النظرة الثانية:

في قوله تعالى في الآية 217 من سورة البقرة: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ في هذه الآية العظيمة عدة فوائد، منها:

الفائدة الأولى: في تقديم "الشهر الحرام" على قوله: ﴿ قِتَالٍ فِيهِ﴾ وهذا يسميه أهل النحو "بدَل الاشتمال"، وذلك يعني أن المراد السؤال عن القتال في الشهر الحرام، فكان من الممكن أن يقال: يسألونك عن قتال في الشهر الحرام، أو يسألونك عن القتال في الشهر الحرام، لكنه جاء على ما في الآية من تقديم المبدل منه ثم الإتيان بالبدل لأن للآية سبب نزول، حيث بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش رضي الله عنه على سرية في جمادى الآخرة، قبل قتال بدر بشهرين ليترصد عيرًا لقريش فيها عمرو بن عبد الله الحضرمي وثلاثة معه، فقتلوه وأسروا اثنين ممن معه، وغنموا العير، وكان ذلك في أول يوم من رجب، وهم يظنونه آخر يوم في جمادى الآخرة، فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام، شهرًا يأمن فيه الخائف، ويفذعرّ الناس إلى معايشهم (أي يتفرقون إليها)، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم العير، وعظم ذلك على أصحاب السرية قالوا: ما نبرح حتى تنزل توبتنا، فنزلت هذه الآية، فدل سبب النزول على أن هذا السؤال لم يقع إلا بعد وقوع القتال في الشهر، وتشنيع الكفرة عليهم انتهاك حرمة الشهر، فاغتمامهم واهتمامهم بالسؤال إنما وقع من أجل حرمة الشهر فلذلك قُدِّم في الذكر، كذا قال السهيلي رحمه الله في كتابه "نتائج الفكر في النحو"، فقدّم الشهر الحرام لعموم حرمته وشمولها لكل مخالفة من قتل أو غيره، ثم أبدل منه قوله: ﴿ قِتَالٍ فِيهِ﴾ لكونه سبب السؤال، فجمع بين الأمرين. ولو قيل: "عن قتال في الشهر الحرام" لكان المسؤول عنه القتال فقط دون سائر ما ينتهك به الشهر الحرام، فسبحان من هذا كلامه.

الفائدة الثانية: في تنكير قوله: ﴿ قِتَالٍ فِيهِ﴾ حيث لم يقل: القتال فيه، ليدل على أن المراد: القتال ولو كان قليلًا غير مستحرّ كما حصل في سبب نزول هذه الآية، حيث لم يقتل إلا كافر واحد، ولو قيل: القتال (بالتعريف) لظُنّ أن المسؤول عنه القتال العظيم، ولعدم دلالة النكرة على الكثرة، ولاحتياجه إلى الدلالة عليها في الجواب وصفه بما يدل عليه فقال: ﴿ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ والله أعلم.

الفائدة الثالثة: قوله: ﴿ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ علامَ عطف؟ أكثر المفسرين والنحاة على أنه معطوف على سبيل الله، فـ(صدٌ) مبتدأ، وهو كائن صدًا عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، والخبر قوله: ﴿ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ﴾ لكن اعترض على هذا الإعراب بدر الدين بن الناظم لأن جرّ "المسجد" بالعطف على "سبيل الله" ممتنع مثله بإتفاق، لاستلزامه فصل المصدر وهو "صدّ" ومعموله وهو "المسجد الحرام" بالأجنبي وهو قوله: ﴿ وَكُفْرٌ بِهِ﴾، ويرى ابن الناظم أنه يجب عطف "المسجد الحرام" على الضمير المتصل المجرور في قوله: ﴿ وَكُفْرٌ بِهِ﴾، فيكون التقدير: وكفر به وبالمسجد الحرام، وعطف الاسم الظاهر على الضمير المجرور لا يجوز عند الأكثرين إلا بإعادة الجارّ كقوله تعالى: ﴿ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22)﴾ (سورة المؤمنون)، وأجاز بعضهم ذلك دون إعادة الجار مستدلين بقوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ بجرّ "الأرحام"، وبشواهد شعرية كثيرة تدل على صحة ما ذهبوا إليه وأنه جائز، لكن على أي التقديرين يستقيم المعنى؟ (وصدٌّ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام) أم (وكفر به والمسجد الحرام)؟ كِلا المعنيين مستقيم، لكني أميل إلى الأول، لأن جرم الكفار ازداد بصدهم المسلمين عن دخول البيت الحرام لا بكفرهم فيه، والله أعلم.

 

الفائدة الرابعة: في تكرار كلمة "قتال"، مع إمكان أن يقال: قل هو كبير، وذلك لأن التصريح به دون الإضمار للدلالة على عموم الحكم لكل قتال، ولو جاء مضمرًا لأختص الحكم بتلك الحادثة التي وقعت في سرية عبد الله بن جحش رضي الله عنه، والله أعلم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل