نظرات لغوية في القرآن الكريم - د. صالح العايد - 27

نظرات لغوية في القرآن الكريم حلقات إذاعية

د. صالح العايد

التفريغ لموقع إسلاميات حصريًا

(27)

النظرة الأولى

في قوله سبحانه وتعالى في الآية الرابعة والستين بعد المائة من سورة آل عمران (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴿١٦٤﴾) المنّ صفة مدح وصفة ذمّ فهي في حق الله تعالى مدح فمنّ الله ابتداؤه وتفضلّه بالنعم العظيمة من غير أن يعتدّ سبحانه وتعالى بمقابلتها من خلقه بمثلها فهو يحسن إلى من لا يستثيبه ولا يطلب منه الجزاء عليه، وهذا النوع من المنّ لا يكون إلا بالأفعال وهو خاص بالله جلّ وعلا. ويكون المنّ في حق غير الله تعالى ذمًا لأنه القول أو الفعل المشعِر بتعالي صاحب الفضل على المتفضَّل عليه بتعظيم إحسانه إليه وفخره به وتذكيره إياه وأن يبدأ فيه ويعيد حتى يفسده ويبغّضه إليه، ومن هذا النوع قوله تعالى (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٢٦٢﴾ البقرة).

وعودًا على بدء أقول إن قوله تعالى في الآية الأولى (رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ) غاية في روعة التعبير فقوله (مِنْ أَنْفُسِهِمْ) يدل على القرب والخصوص الحقيقيين لأن قولك محمد من أنفُس المؤمنين يدل على أنه من خاصتهم وأنه قريب جدًا منهم لا أنه منتسب إليهم انتسابًا قد يكون مجازيًا مرادًا به التشريف كقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "سلمان منّا أهل البيت". فالرسول صلى الله عليه وسلم من أقرب المقرّبين إلى المؤمنين ولذلك لما كان الحديث غير خاص بالمؤمنين في سورة الجمعة وهي قوله تعالى فيها (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴿٢﴾) لم يقل حينئذ فيها (من أنفسهم) وإنما قال (منهم) لأن الكلام عن العرب عامة لا عن المؤمنين خاصة، قال أحمد بن إبراهيم الغرناطي في كتابه ملاك التأويل: إن قولك فلان من أنفُس القوم أوقع في القرب والخصوص من قولك فلان منهم فإن هذا قد يراد للنوعية فلا يتخلص لتقريب المنزلة والشرف إلا بقرينة أما (من أنفسهم) فأخلص فلا يفتقر إلى قرينة ولذلك وردت حيث قصد التعريف بعظيم النعمة به صلى الله عليه وسلم على أمته وجليل إشفاقه وحرصه على نجاتهم ورأفته ورحمته بهم قال تعالى (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ) [التوب: 128] وقال فيمن كان على الضدّ من حال المستجيبين (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ) [النحل: 113] فتأمل موقع قوله هنا (منهم) لما قصد أنه إنعام عليهم لم يوفقوا لمعرفة قدرة ولا الاستجابة المثمرة النجاة.

النظرة الثانية:

في قوله سبحانه وتعالى في الآية الثالثة من سورة الضحى (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴿٣﴾) يجعل النحاة هذه الآية الكريمة شاهدًا لحذف المفعول به لتناسب الفواصل لأن الآيات الأولى من تلك السورة مختومة بالألف المقصورة فالأصل في الآية (وما قلاك) والصحيح أن النظم القرآني ليس مبنيًا على أسس لفظية فقط فهذه الآية الكريمة لو تدبرناها لتبين لنا أن الله سبحانه وتعالى ذكر الضمير العائد على رسوله صلى الله عليه وسلم مع التوديع وحذفه مع القِلى وفي هذا تكريم للرسول صلى الله عليه وسلم من أن يواجه بالقلى وهو أشد البًغض ولو كان ذلك في سياق النفي لما فيه من الطرد والإبعاد وشدة البغض ومن نعم الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم أنه تعالى يرفق به إذا عاتبه ومن ذلك قوله (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ) [التوبة: 43] تأملوا كيف قدم الله تعالى عفوه على عتابه رسوله صلى الله عليه وسلم، أما التصريح بالمفعول مع التوديع في آية سورة الضحى فلأن التوديع لا محذور فيها بل إنه لا يكون إلا بين المتحابين والله أعلم.

النظرة الثالثة:

في قوله سبحانه وتعالى في الآية الثانية من سورة الحشر (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴿٢﴾) تأملوا قوله (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ) حيث قدّم خبر المبتدأ (مانعتهم) على المبتدأ (حصونهم) وجعل الجملة المكونة منهما خبرا لـ(أنّ) وجعل اسمها ضميرا عائدا على اليهود ويمكن لقائل أن يقول: ظنوا أن حصونهم مانعتهم فهذا هو الأصل لكن التحول عن الأصل جاء مراعاة لحال أولئك اليهود الممتلئة قلوبهم غرورا بقوتهم المادية فقدّم (مانعتهم) الدال على العزّة والحصانة لفرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم من حيث ارتفاعها وقوة بنائها وتوافر أسباب الأمان فيها فحمايتها لهم أمر مقطوع به لديهم. أما تصيير الضمير اسمًا لـ(أنّ) وإسناد الجملة إليه فدليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالى معها بأحد يعترض لهم أو يطمع في مغالبتهم هكذا قال الزمخشري في كشافه. وهكذا شأن اليهود في كل زمان ومكان يهوّلون شأن قدرتهم وجنسهم وينسون أن قدرة الله تعالى فوق كل قدرة ولذلك كان الرد عليهم حاسمًا فقال الله تعالى (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ) فالله وحده هو الذي أتاهم من حيث لم يحتسبوا ولم يتوقعوا وهو وحده الذي قذف في قلوبهم الرعب، والله أعلم. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل