نظرات لغوية في القرآن الكريم - د. صالح العايد - 26

نظرات لغوية في القرآن الكريم حلقات إذاعية

د. صالح العايد

التفريغ لموقع إسلاميات حصريًا

تناسب ختام الآية مع بدئها

(26)

إن علوم اللغة حلقة متصلة يأخذ بعضها برقاب بعض، ولم تعرف الحواجز المفرقة بينها إلا بأُخرة من أمرها، حين ضعفت الهمم عن لمّ شمل العلوم التي تعددت مشاربها ومواردها، وشرّقت وغرّبت، وأفهمت وأنجبت، ولكن لا غنى لطالب العلم مع تخصصه في علم من العلوم أن يأخذ من كل فنٍّ بطرف. وها أنا ذا لا أفرق بين علوم اللغة في نظراتي في القرآن الكريم، لأن الهدف منها أن نضع أيدينا على شوامخ الإعجاز القرآني أنّى كانت، نحوية أو صرفية، بلاغية أو غيرها، ولأجل ذلك خصصت هذه الحلقة لبيان تناسب ختام كل آية مع بدئها، فإن ختام كل آية متناسب مع مبدئها. روي أن أعرابيًا سمع قارئًا يقرأ قوله تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ ﴾ [سورة المائدة:38] ثم ختمها القارئ فقال: والله غفور رحيم، فقال الأعرابي: ما هذا كلام فصيح، فقيل له: ليست التلاوة كذلك، وإنما هي: ﴿وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فقال الأعرابي: بخٍ بخٍ عزّ فحَكَمَ فقَطَع.

النظرة الأولى:

في قوله تعالى في الآيتين 226، 227 من سورة البقرة: ﴿ لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)﴾ ففي الآية الأولى ختمها بالغفران والرحمة، لأن رجوع الزوج إلى عشرة زوجته والإحسان إليها وعدم طلاقها عمل حسن، وصنيع يستحق عليه المجازاة بما هو أحسن من مغفرة الله ورحمته، وفي الآية الثانية ختمها بالسمع والعلم، لأنه في مقام التعقيب على إيقاع الطلاق بعد اليمين والتربّص، والطلاق قول فناسبه السمع، والعلم بمضمونه وأسبابه وغايته، والله أعلم.

النظرة الثانية:

في قوله تعالى في الآية 263 من سورة البقرة أيضًا: ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ لما كان المقام مقام تهديد لأولئك المتصدقين الذين يُتبعون ما أنفقوا منًا وأذى، وإشعار لهم أن الكلام الطيب والاعتذار الحسن مع العفو عمن أساء إليهم خيرٌ من صدقاتهم تلك، بيّن الله سبحانه وتعالى أنه غنيّ عن الصدقات، لن يناله منها شيء، وإنما النفع يعود عليهم والله تعالى في غناه التام حليم على المانّ بالصدقات، حيث لم يوقع عليه العقوبة التي يستحقها لمنّه، ولكنه تعالى حليم يصفح مع عطائه الواسع عمن يمنّ بماله الذي استودعه الله إياه.

النظرة الثالثة:

في قوله تعالى في الآية 267 من سورة البقرة أيضًا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ لما كان المقام مقامًا لطلب الإنفاق من الطيبات فإن الله غني عن الطيبات والخبيث من المال، فلا يقبل الرديء من مال عبده، يقدّمه عبده لنفسه، فالله أحق من يُختار له خيار الأشياء وأنفسها، لأن قابل الرديء إما أن يقبله لحاجته إليه، والله غير محتاج لأحد، وإما أن نفسه غير كريمة ولا شريفة، والله هو الكريم الحميد، أي المحمود المستحق للحمد كله، فلا يقبل غير الطيب.

النظرة الرابعة:

في قوله تعالى في الآية 87 من سورة التوبة: ﴿ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ الكلام في الآية عن أولي الطَوْل الذين استأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم، وقالوا: ذرنا نكن مع القاعدين، فهم أصحاب قدرة على الجهاد ولديهم زيادة في المال وقوة في النفس، لكنهم مالوا إلى الراحة وأخلدوا إلى الدعة وأشفقوا من الحرّ، وجهلوا أن الراحة الحقيقية هي في متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وتحمل تعبها، وأن الدّعة الحقّة تكون في المسير معه صلى الله عليه وسلم وتحمّل مشقته، ولكن هذا النظر البعيد لا يفقهه كثير من الناس ومنهم هؤلاء المتخلّفون، فاستحقوا أن يوصفوا بأنهم لا يفقهون، ولذلك قال الله تعالى قبلها: ﴿ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [سورة التوبة:81].

وتأملوا قوله تعالى في الآية 93 من السورة نفسها: ﴿ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاء رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ففي هذه الآية قال: ﴿ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، وفي الآية السابقة قال: ﴿ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ لأن هذه الآية نزلت في قوم لا يعلمون ما أعد الله تعالى لكل ذي عمل خالص لوجهه من الأجر والمثوبة، ذلك الذي عقله الذين أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملهم معه إلى الجهاد فقال لهم: لا أجد ما أحملكم عليه، وحينئذ تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون.

أما هؤلاء المتخلفون فحالهم تُشعر بجهلهم بما أعده الله تعالى للمجاهدين في سبيله من أجر ومثوبة، ولذلك ختم هذه الآية بقوله: ﴿ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.

وها هنا تنبيه تجدر الإشارة إليه وهو أنه في آية سورة التوبة التي ذكرتها أولًا قال: ﴿ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، وفي الثانية قال: ﴿ وَطَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، فالأولى الفعل فيها مبني للمجهول، وفي الثانية بني للمعلوم، والسر في ذلك والله أعلم أن الآية الأولى سبقت بقوله: ﴿ وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ﴾ ببناء الفعل "أُنزل" للمجهول، فناسب أن يبنى "طُبع" للمجهول أيضًا.

النظرة الخامسة:

في قوله تعالى في الآية السابعة من سورة الممتحنة: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فبعد أن نهى الله تعالى المؤمنين عن محبة الكافرين ولو كانوا من أقاربهم فتح باب الرجاء في إسلام أقاربهم وأعدائهم ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾ أي على جعلهم يسلمون، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي للداخلين منهم في الإسلام يغفر لهم ذنوبهم التي اقترفوها في كفرهم والله أعلم.

وأخيرًا تأملوا قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً﴾ هذه كناية في غاية الروعة عن دخول هؤلاء في الإسلام الذي يمحو كل العداوات السالفة والكره الشديد من قلوب المسلمين لأعدائهم عند دخول أعدائهم في الإسلام، والله أعلم.

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل