سور القرآن، دروس ومحاور - من دروس سورة النحل

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة النحل

من دروس السورة: مخلوقات ملفتة للنظر

تسمى سورة النحل سورة النعم لكثرة ما ذكر الله سبحانه وتعالى فيها من أصناف نعمه على عباده تأليفًا لقلوبهم وإرشادًا لهم حتى ترتبط النعم بالمنعم فتوصلهم نعمه إليه سبحانه فيتعرفوا عليه فتبدأ رحلتهم معه حبًا وطاعة وعبادة وإن الله سبحانه وتعالى يهب نعمه للمؤمن والكافر فكفر الكافر لا يمنع عنه رزقه وفي هذا غاية الإحسان والتفضل من الله عز وجلّ وأما المؤمن فتؤثر فيه نعمة الله عليه فينتج منها طاعة لربه وحياء من معصيته وهذا هو شكر نعمة الله على العبد كما قال موسى عليه السلام (قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ (17) القصص). وإن شكر النعمة طريق موصلةٌ إلى الله عز وجلّ وهو دليل على صحة المقاييس في النفس البشرية فالخير يُشكر لأن الشكر هو جزاؤه الطبيعي في الفطرة المستقيمة وربما كان إلف نعمة من النعم سببًا إلى نسيانها وعدم التفكر بها فلذلك جاء القرآن الكريم وسورة النحل بشكل خاص ليلفت النظر إلى كثير من النعم التي من حولنا هي في الحقيقة آيات بالغات ولكن طول الصحبة معها من غير تفكر بها أفقدها تأثيرها في النفوس الغافلة.

(وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿٥﴾ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴿٦﴾ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴿٧﴾ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٨﴾ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٩﴾ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴿١٠﴾ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿١١﴾ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿١٢﴾ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴿١٣﴾ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿١٤﴾ وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿١٥﴾ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴿١٦﴾ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿١٧﴾ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٨﴾)

فمن فكّر في أن الحبة والنواة تقع في الأرض وتصل إليها نداوة منها تنفذ فيها فينشق أسفلها فيخرج منه عروق تنبسط في الأرض ويخرج منها ساق ينمو وتخرج فيه الأوراق والأزهار والحبوب والثمار المشتملة على أجسام مختلفة الأشكال والألوان والخواص والطباع علِم أن من هذه آثاره لا يمكن أن يشبهه شيء في صفات كماله فضلًا عن أن يشاركه في أخصّ صفاته وهي الألوهية واستحقاق العبادة، ولله درّ القائل:

تأمل في رياض الورد وانظر

إلى آثار ما صنع المليك 

عيون من لجين شاخصات

على أهدابها ذهب سبيك

على قضب الزبرجد شاهدات

بأن الله ليس له شريك

تأمل قوله تعالى في سورة النحل سورة النعم الدالة على المنعم (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٧٩﴾) إن مشهد الطير مسخّّرات في جو السماء مشهد مكرور قد ذهبت الألفة بما فيه من عجب وما يتلفت القلب البشري عليه إلا حين يستيقظ ويلحظ الكون بعين الشاعر الموهوب والله سبحانه هو الذي يمسك الطير في الجو بنواميسه التي أودعها فطرة الطير وفطرة الكون من حولها فجعل الطير قادرة على الطيران وجعل الجو من حولها مناسبًا لهذا الطيران (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) فالقلب المؤمن هو القلب الشاعر ببدائع الخلق والتكوين المدرك لما فيها من روعة باهرة تهز المشاعر وتستجيش الضمير وهو يعبر بإحساسه عن روعة الخلق بالإيمان والعبادة والتسبيح.

(وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٧٨﴾ أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٧٩﴾ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ﴿٨٠﴾ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴿٨١﴾ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴿٨٢﴾ يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ ﴿٨٣﴾)

وقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يلفت أنظارنا إلى تلك الأمة العجيبة "النحل" فسمى هذه السورة سورة النعم بسورة النحل فهي أمة جديرة بالنظر والدراسة لما فيها من عجائب قدرة الله سبحانه وتعالى. والنحل تعمل بإلهام من الفطرة التي أودعها إياها الخالق فهو لون من الوحي تعمل بمقتضاه وهي تعمل بدقة عجيبة يعجب عنها العقل المفكر سواء في بناء خلاياها أو في تقسيم العمل بينها أو في طريقة إفرازها للعسل المصفّى. والبيوت التي يبنيها النحل من أعجب البيوت وأدقها وأحكمها لا يقوى على مثلها إلا حذّاق المهندسين بآلآتهم الدقيقة وحساباتهم فهي بيوت سداسية الشكل ذات أضلاع متساوية مرصوصة إلى بعضها بإحكام وإتقان بحيث لا تجد بينها أدنى فراغ ولا ترى فيها أيّ خلل وتفاوت. ولعل تأنيث الضمير في قوله تعالى (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا) يشير إلى حقيقة هامة وهي أن إناث النحل هن العاملات اللواتي يقمن بجميع أنواع بناء البيوت وصنع العسل أما الذكور فلا عمل لهم سوى تلقيح النحلة الملكة التي تقوم بوضع البيض للتكاثر والتناسل. وللنحل حياته الجماعية الخاصة به ففي كل خلية تسكن عشيرة من النحل تعيش حياة جماعية قائمة على أعلى درجات التنسيق والتعاون بين أفرادها ففي كل خلية ملكة تمتاز بكبر حجمها ينحصر عملها بوضع البيض وتقوم العاملات بإطعام الملكة من الغذاء الملكي الخاص وهو غذاء مركز تركيزًا كبيرًا يحتوي على البروتينات والسكاكر والأملاح المعدنية والفيتامينات تفرزه النحلات العاملات من غدّة خاصة بين فكّيها ويحتوي هذا الغذاء على مواد لها خواص الهرمون الأنثوي يساعد على نضج البيض في أعضاء الملكة التناسلية التي يمكن أن تصنع في كل يوم ما بين ألف إلى ألفي بيضة ملقّحة. وتقضي النحلات عمرهن في عمل دائب فمنذ اليوم الرابع تبدأ النحلة الصغيرة عملها في إطعام اليرقات بعد خروجهن من البيض ومن العاملات ما يُدعى بوصيفات الملكة يقمن بتنظيف جسمها وتمشيط شعرها وتقديم الطعام لها. وأكثر العاملات يطرن خارج الخلية بحثا عن رحيق الأزهار وغبار الطلع والماء. وتقوم بعضهم بأعمال البناء وصب الشمع على شكل أقراص مكونة من ثقوب سداسية تستعمل كخزانات للعسل وكمهد للبيوت وبعضهن يقمن بأعمال تنظيف الخلية وتهويتها وحراستها. وأما رحيق الأزهار فهو سائل رقيق حلو يقدمه النبات للنحلة والحشرات الأخرى مقابل الخدمة التي تقدمها الحشرات للنبات والإنسان هو المستفيد فهذه الحشرة الصغيرة تقدم خدمات كبيرة للناس فهي علاوة على صنعها للشمع والعسل تقوم بتلقيح الأزهار ونقل غبار الطلع من الأزهار المذكّرة إلى الأزهاء المؤنّثة بواسطهة حركتها الدائبة بينها، وبدون مشاركة النحلة فإن عدد كبيرًا من الأزهار قد لا يثمر وتختلف كمية الماء والسكر في الرحيق من نبات لآخر والنحلة تعرف هذا جيدًا ولهذا السبب تذهب إلى الأزهار التي يكون التركيز السكري فيها أعلى من غيرها فسبحان من علّمها وألهمها!!. ولكي تحصل النحلة على مقدار قطرة من الرحيق فإن عليها أن تزور عددًا كبيرًا من الأزهار قد يصل إلى ألف ومائة زهرة ولكي تحصل على 100 غرام من العسل فعلى النحلة أن تزور ما يزيد على مليون زهرة وتمتص النحلة الرحيق بخرطومها حتى إذا امتلأت به معدتها الخاصة بالعسل عادت طائرة إلى الخلية.

(وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٦٤﴾ وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴿٦٥﴾ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ ﴿٦٦﴾ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿٦٧﴾ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴿٦٨﴾ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٦٩﴾ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴿٧٠﴾ وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴿٧١﴾ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ﴿٧٢﴾)

وعلى النحلة أن تقطع مسافات كبيرة في الحقول والبساتين والغابات لتحصل على ما تريد من الرحيق وقد يسر الله تعالى لها معرفة الطرق التي تسلكها حتى لا تضيع فقال جلّ وعلا (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا) أي سيري في الطرق التي ألهمك الله أن تسلكيها فهي مذللة لك ومسهلة فلا تضيعين فيها ولا تضلين عنها. وتستطيع النحلة أن تطير بسرعة 65 كيلومترًا في الساعة وإذا كانت تحمل من الرحيق ما يعادل ثلاثة أرباع وزنها فإنها تستطيع أن تطير بسرعة 30 كيلومترًا في الساعة. ويكلّف الكيلوغرام الواحد من العسل النحلة ما بين 130 ألف إلى 115 ألف حِمل من الرحيق فلو فرضنا أن الزهور تقع على بعد 1500 متر من الخلية فعلى النحلة أن تقطع مقدار ثلاثة كيلومترات في كل نقلة وعليها لصنع كيلوجرام واحد من العسل أن تطير مسافة تصل إلى 360 إلى 400 ألف كيلومتر أي ما يعادل عشر مرات محيط الأرض حول خط الإستواء. إنه جهد كبير تقوم به هذه الحشرة الصغيرة فسبحان من ألهمها وذلل لها السًبُل!!.

ثم قال تعالى شأنه (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ) وهو العسل وسماه شرابًا لأنه يُشرب فله قيمة غذائية كبيرة فهو اسرع المواد السكرية تمثيلًا في الجسم معظم سكرياته أحادية: سكر فواكه وسكر عنب تمتص مباشرة في الجسم دون هضم وهو يحتوي أيضًا على أملاح وفيتامينات وحامض الفروميك ومواد غير معروفة تبلغ 4% من تركيب العسل. وقد وصفه الله في سورة النحل بأنه شراب مختلف ألوانه وذلك بحسب اختلاف الأزهار والنباتات التي رعتها النحل. وقال تعالى عن العسل (فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) أي جعل الله تعالى في العسل شفاء للناس من كثير من الأمراض التي تصيبهم ولا بد أن يكون للشفاء بالعسل علاقة بالمقدار المستعمل منه فلكل مرض مقدار معين يناسبه ولهذا حددت مقادير الأدوية بدقة فإذا استعمله الإنسان بدقة حصل له الشفاء من مرضه بإذن الله. فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخي يشتكي بطنه فقال عليه الصلاة والسلام: اسقه عسلًا ثم أتاه الثانية فقال: اسقه عسلًا، ثم أتاه الثالثة فقال: اسقه عسلًا ثم أتاه فقال: فعلت، فقال صلى الله عليه وسلم: صدق الله وكذب بطن أخيك، اسقه عسلًا، فسقاه فبرأ. وقد ثبت علميا أن العسل يبيد الجراثيم ويقضي عليها وبهذا ظهر إعجاز جديد من إعجاز القرآن والسنة النبوية فهذه الحقائق العلمية ما عرفها العلماء إلا في العصر الحديث وقد أجمع الأطباء والباحثون قديمًأ وحديثًا على أن العسل يصلح لشفاء كثير من الأمراض فقد اعتمد عليه كمادة مضادة للعفونة ومبيدة للجراثيم في أحدث مجالات الطب الحديث لحفظ الأنسجة والعظام والقرنية أشهرًا عديدة واستعمالها حين الحاجة إليها في جراحة التطعيم والترميم كما أظهرت الدراسات الحديثة الفرق الشاسع بين السكر العادي والعسل في مجال التغذية وخصوصًا الأطفال فالسكاكر المصنعة من العسل لا تحدث نخرًا ولا تسبب نمو جراثيم. كما ثبت أن العسل مساهمة كبيرة في تثبيت الكلس على العظام والأسنان وأثره الفعال في نمو العظام الطبيعي.

ثم يختم السياق القرآني حديثه عن النحل بقوله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) فإن من تفكّر في النحل ونظام حياته والعسل الذي يصنعه لا بد أن يؤمن بوجود خالق قادر عالم حكيم، ولا بد أن يدرك عظيم فضله وإحسانه على الإنسان فيما أنعم عليه. وهكذا نستطيع أن ندرك سبب تسمية سورة النحل بهذا الاسم، إنها سورة ساقت من أدلة التوحيد الشيء الكثير فلفتت الأنظار إلى مملكة النحل التي ألهمها الله وأوحى لها طريقة حياتها. ثم لفتت أنظار الناس إليها لتكون هذه المخلوقات وغيرها طريقًا موصلة إلى الله تعالى ولتكون نعم الله على الإنسان سببًا في التفكير بالمنعم والاهتداء إليه والاصطلاح معه والعبودية له. فسورة النحل تأخذ بيد قارئها لتلفت نظره إلى إحسان الله إليه وفضله عليه فلعله يعود إلى الله عز وجلّ في ساعة من ساعات رشده وصفائه.

 

(وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴿٥١﴾ وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ ﴿٥٢﴾ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴿٥٣﴾ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴿٥٤﴾ لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٥٥﴾ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ﴿٥٦﴾)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل