سور القرآن، دروس ومحاور - محور سورة النحل

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة النحل

محور السورة: التربية على التوحيد بنِعَم الله على العبيد

إن الحديث عن نعم الله تعالى على الإنسان وكيف يجب أن تكون تلك النعم طريقًا يوصل الإنسان إلى توحيد الله وإفراده بالعبودية والطاعة هو الدرس الكبير في السورة بل هو المحور الذي تدور آيات هذه السورة الجليلة في فلكه.

تعددت أساليب التعريف بالله تعالى في هذا القرآن العظيم ويكاد أن يكون هذا الموضوع هو موضوع القرآن كله فمعرفة الله هي أعلى معرفة يحصل عليها الإنسان في حياته وقد مر في سورة الحجر السابقة تعريف بالله عن طريق الرسل الذين أرسلهم الله إلى أقوامهم وفي سورة النحل نتعرف على أسلوب جديد للتعريف بالله جل شأنه إنه سوق الناس إلى التوحيد والطاعة عن طريق تذكيرهم ولفت أنظارهم إلى فضل الله عليهم ونعمه المستمرة التي لا تنقطع عنهم. والهدف الذي يجب أن يصل إليه قارئ سورة النحل هو تسليم القياد والخضوع للرب المنعم الذي لا ينقطع إحسانه عن الإنسان لحظة واحدة. والإطار الذي يُعرض فيه هذا الموضوع والمجال الذي تجري فيه هذه الأحداث فسيح شامل هو السموات والأرض والماء الهاطل والشجر النامي والليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والبحار والجبال والمعالم والسبل والأنهار وهو الدنيا بأحداثها ومصائرها والآخرة بأقدارها ومشاهدها وهو الغيب بألوانه وأعماقه في الأنفس والآفاق.

(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٣﴾ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴿٤﴾ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿٥﴾ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴿٦﴾ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴿٧﴾ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٨﴾ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٩﴾ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴿١٠﴾ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿١١﴾ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿١٢﴾ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴿١٣﴾ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿١٤﴾ وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿١٥﴾ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴿١٦﴾ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿١٧﴾ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٨﴾ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴿١٩﴾ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿٢٠﴾ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴿٢١﴾ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ﴿٢٢﴾)

وسورة النحل من خلال مخاطبتها للنفس التي أحسن الله إليها بأصناف نعمه وفضله تبدو كأنها حملة ضخمة للتوجيه والتأثير واستجاشة العقل والضمير وهي حملة هادئة الإيقاع تختلف عن سورة الأنعام وسورة الرعد بهدوئها ولكنها بهذا الهدوء تخاطب كل حاسة وكل جارحة في الكيان البشري وتتجه إلى العقل الواعي كما تتجه إلى الوجدان الحساس، إنها تخاطب العين لترى والأذن لتسمع واللمس ليستشعر والوجدان ليتأثر والعقل ليتدبر وتحشد الكون كله سماءه وأرضه شمسه وقمره وليله ونهاره وجباله وبحاره وفجاجه وظلاله وأكنانه ونبته وثماره وحيوانه وطيوره كما تحشد دنياه وآخرته وأسراره وغيوبه، كلها أدوات توقع بها على أوتار القلوب والعقول والجوارح مختلف الإيقاعات التي لا يُصمد لها فلا يتأثر بها العقل المغلق والقلب الميت والحس المطموس. هذه الإيقاعات تتناول التوجيه إلى آيات الله في الكون وآلآئه على الناس فيرى الإنسان نفسه محاطًا بفضل الله مغمورًا بنعم الله لا يتحرك حركة ولا يلتفت التفاتة إلا ويرى عناية الله تحوطه ونعمة الله تلاحقه وفضل الله يغمره فكيف يستطيع قلبه التحول عنه والتوجه إلى غيره؟! وكيف تجرؤ جوارحه أن تعصي أمره وأن تتكبر على منهاجه؟! وكيف تطيق أحاسيسه أن تفكر بغيره وأن تصبر عن البعد عنه وأن لا تشتاق إلى ذكره والتفكر في عظمته؟!. إن سورة النحل بكل ما احتشد فيها من آيات تريد أن توصل الإنسان إلى حديث مع نفسه يصارح نفسه ولا يغشها ليقول لها: أيّ رب ربي وأيّ عبد أنا؟ كيف أبتعد عن صراطه المستقيم وإلى أين سأصل إن تركت هديه؟! إنه يحبني وينعم علي ويحفظني من الشر ويرسل لي رسلًا وينزل عليّ كلامه فيتكلم معي ومن أنا حتى يكلمني من بيده ملكوت كل شيء؟! ومن أكون حتى يتودد إليّ بنعمه وفضائله؟! عندها سيذوب القلب خجلًا من معصيته وسترفض الفطرة المؤمنة كل ما يغير مساره نحوه سبحانه وتعالى. ولكن إذا فسدت الفطرة وجحدت القلوب انقلبت المفاهيم والمقاييس وقد أخبرت سورة النحل عن هذه الحالة حاة انتكاس الإنسان عندما يتمسك بشهواته ولا يتجرد من عصبيته قال تعالى في سورة النحل (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ﴿٢٢﴾ لاَ جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ﴿٢٣﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿٢٤﴾ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴿٢٥﴾).

إن التكبر هو الداء العضال الذي يطمس الفطرة ويعمي البصر ويصم الأذن عن الحق ولو كان ساطعًا كالشمس وقد انبرت سورة النحل في فصل منها لحوار هؤلاء الجاحديم وبيان حالهم وكشف أسرارهم وهتك أستارهم. إن القرآن الكريم بكل ما فيه من خير وهداية بكل ما يحمل من نور وإصلاح لا يعدو أن يكون في نظرهم إلا أساطير الأولين والأساطير هي الحكايات الوهمية الحافلة بالخرافة وكان كبراء قريش يصدون كل من أتى إليهم يريد أن يسمع كلام محمد صلى الله عليه وسلم فيقولون له نحن نخبرك عن محمد إنه رجل كذاب لم يتبعه على أمره إلا السفهاء والعبيد ومن لا خير فيهم وأما شيوخ قومه وخيارهم فمفارقون له فيرجع هذا الوافد فذلك قوله تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿٢٤﴾).

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿٢٤﴾ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴿٢٥﴾ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴿٢٦﴾ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿٢٧﴾ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٢٨﴾ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ﴿٢٩﴾ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ﴿٣٠﴾ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ﴿٣١﴾ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٣٢﴾ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿٣٣﴾ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴿٣٤﴾ وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴿٣٥﴾)

ثم يبدأ بعد ذلك شوط جديد تتحدث آياته عن توحيد الله عز وجلّ وهذا هو الأداء الواضح لسورة النحل حيث يذكر السياق عددا من نعم الله على الإنسان ثم تأتي بعد ذلك تعليقات تستجيش الأحاسيس والوجدان وتتوجه باللوم والعتاب على أولئك الذين يعيشون بنعم الله عليهم ثم لا يلتفتون إلى المنعِم بشيء من الشكر والطاعة أولئك كالأنعام بل هم أضلّ سبيلا. قال تعالى في الحديث القدسي: إني والجن والإنس في نبأ عظيم أخلق ويُعبَد غيري، أرزق ويُشكر سواي، خيري إلى العباد نازل وشرّهم إليّ صاعد" وتكاد آيات السورة تنطق حتى يسمع صوتها أن يا أيها الناس إن المنعم هو الله الذي يجب عليكم توحيده وطاعته فكيف ينعم عليكم ثم تشركون من هو دونه؟! تأمل قوله تعالى في سورة النحل بهذا المعنى (وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴿٥١﴾ وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ ﴿٥٢﴾ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴿٥٣﴾ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴿٥٤﴾ لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٥٥﴾). إن تعدد الآلهة خرافة نبذها الإسلام بقوة وتبع أوهام الناس فيها وهمًا وهمًا ليكشف ظلمته ويدحض شبهته، هذا الإله الواحد هو وليّ الناس فلا يجوز أن يتعلقوا بولاية غيره ولا أن ترتبط قلوبهم إلا به وحده، المسلم لا يعبد إلا الله ولا يعبد سواه ولا يطيع إلا أمره ولا ينفّذ إلا حكمه وهو يحل ما أحل ويحرم ما حرم ويتحرك وفق ما طلب والمسلم منتصب القامة أمام كل حيّ فلا يحني ظهره إلا لله، ومعرفته لعظمة الخالق الأحد ولهيمنته التامة على الناس تجعل مشاعر الرغبة والرهبة مستقيمة في نفسه فلا تنحرف ولا تضطرب، ومن أجل ذلك كان امتلاء القلب بعقيدة التوحيد أساسًا لصفات القوة والعزة لا ينفك عنها مؤمن موحّد صادق الإيمان وإن التوحيد الذي تدعو إليه سورة النحل من خلال نعم الله على الإنسان وآياته في الكون يفرز للمجتمع إنسانًا سليم التفكير متوازنًا غير مضطرب يعلم ما يفعل ولمن يتوجه بفعله وقد ضرب الله سبحانه وتعالى عدة أمثلة في سورة النحل مفادها أن الذي لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئًا مخلوق ضعيف مسلوب الإرادة لا يسحق أيّ شيء من خصائص الألوهية وإن الإله الحق هو الذي يخلق ويملك ويرزق وينعم على عباده بشتى أنواع النعم وأصناف الفضل.

(وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴿٥١﴾ وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ ﴿٥٢﴾ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴿٥٣﴾ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴿٥٤﴾ لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٥٥﴾ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ﴿٥٦﴾ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ ﴿٥٧﴾ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴿٥٨﴾ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿٥٩﴾ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٦٠﴾ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴿٦١﴾ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ ﴿٦٢﴾ تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٦٣﴾ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٦٤﴾ وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴿٦٥﴾ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ ﴿٦٦﴾ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿٦٧﴾ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴿٦٨﴾ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٦٩﴾)

ثم تعرض الآيات مشهدًا من مشاهد يوم القيامة حيث تصور الآيات حال المشركين الذي أنعم الله عليهم في الدنيا فكفروا بنعمة الله تصور الآيات ذلهم وصغارهم وتكون النهاية بإعلان انقيادهم واستسلامهم لله تعالى في يوم القيامة بعد التكبر والجحود والعناد في الدنيا وكان الأنفع لهم أن يطيعوا في الدنيا ويتبعوا الكتاب الذي أنزله الله هدى ورحمة وبشرى للمسلمين. ثم تتولى الآيات بيان هذا الهدى الذي أنزله الله في كتابه الكريم وتعلم قارئ القرآن الاستعاذة بالله عند قرآءته فهو الكتاب الذي نزل به الروح الأمين ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين. ويمضي السياق في التأكيد على بيان الهدى الذي نزل به الكتاب ويبين حكم الذين كفروا بعد إيمانهم والذين أُكرهوا على الكفر وقلوبهم مطمئنة بالإيمان، كل أولئك يفصل الله بينهم يوم القيامة يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون.

ولما كانت سورة النحل سورة النعم فقد ضرب الله عز وجلّ في ختامها مثلًا بقرية كان رزقها يأتيها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله ولم تربط النعمة بطاعة المنعم فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. وهذا المثل فيه تأكيد لدرس السورة الكبير ويذكر السياق تلك الطيبات التي حرّمها الله على بني إسرائيل بسبب كفرهم وعنادهم ثم يعرض نموذجًا للعبد الشاكر إبراهيم عليه السلام.

وفي آخر السورة توجيهات للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته من بعده تحمل بين طياتها تسلية له عليه الصلاة والسلام فإن العاقبة الحسنى للذين اتقوا والذين هم محسنون.

 

(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴿١١٢﴾ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴿١١٣﴾ فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴿١١٤﴾ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١١٥﴾ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴿١١٦﴾ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١١٧﴾ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿١١٨﴾ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١١٩﴾ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٢٠﴾ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿١٢١﴾ وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴿١٢٢﴾ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٢٣﴾ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿١٢٤﴾ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴿١٢٥﴾ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴿١٢٦﴾ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴿١٢٧﴾ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴿١٢٨﴾)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل