نظرات لغوية في القرآن الكريم - د. صالح العايد - 23

نظرات لغوية في القرآن الكريم حلقات إذاعية

د. صالح العايد

التفريغ لموقع إسلاميات حصريًا

(23)

النظرة الأولى:

في قوله تعالى في الآية 51 من سورة النحل: ﴿وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ حيث قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ مع أن قوله: ﴿إِلهَيْنِ﴾ دالًا على التثنية، فما فائدة الوصف بقوله: "اثنين"؟ للعلماء في ذلك أقوال متعددة، من أحسنها عندي قول أحمد بن الحسين بن الخباز الإربلي رحمه الله: إن فائدتها توكيد النهي عن الإشراك بالله سبحانه وتعالى، وذلك لأن العبرة في النهي إنما هو لمحض كونهما اثنين فقط، ولو وُصف إلهين بغير ذلك من الصفات، كقول: "لا تتخذوا إلهين عاجزين" لأشعر بأن القادريْن يجوز أن يُتخذا، فمعنى التثنية شامل لجميع الصفات، فسبحان من دقّت حكمته في كل شيء!.

وقيل إنه لو قال: "لا تتخذوا إلهين" فقط دون الصفة لاحتمل النهي عن الجمع بينهما، فلا مانع من اتخاذ كل واحد منهما منفردًا، وهذا غير صحيح. واحتمل النهي عن الاقتصار عليهما، فلا مانع من اتخاذ إلهة ثلاثة فأكثر، ولنفي هذين الاحتمالين أتى بقوله: ﴿اثْنَيْنِ﴾ ليتوجه النفي إلى التعدد نفسه والعدد.

النظرة الثانية:

في قوله تعالى في الآية 282 من سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ﴾ حيث قال: ﴿ تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ﴾ ولذكر قوله: ﴿بِدَيْنٍ﴾ فائدة عظيمة مع إغناء الفعل "تداينتم" عنها، ففائدتها لفظية ومعنوية:

·        فاللفظية ليرجع إليه الضمير في قوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ لأنه لو لم تذكر تلك الكلمة لوجب أن يقال: "إذا تداينتم فاكتبوا الدين"، وهذا غير حسن فما في الآية أحسن نظمًا.

·        أما الفائدة المعنوية فإن قوله: ﴿تَدَايَنتُم﴾ لو لم تخصص بقوله: ﴿بِدَيْنٍ﴾ لجاز أن يقصد به المجازاة بالمودة، كما قال الراجز:

داينت أروى والديون تقضَّى *** فمطّلت بعضًا وأدَّت بعضًا

وهذا النوع من الدين لا كتابة ولا شهود فيه. وله فائدة أخرى حيث تبين تنوع الدين إلى مؤجّل وحالّ، وأراد هنا المؤجل لأنه قال: ﴿ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ﴾.

وأما قوله: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ فوصف الأجل بالمسمى ليُعلم أن التأجيل لا بد أن يكون وقته معلومًا، كالتوقيت بالسنة والشهر واليوم، وليس معلقًا على مجهول.

وبهذه المناسبة أنبّه على أن كثيرًا من الناس يخلطون الاسم بالمسمى، فيسمون كل واحد منهما باسم الآخر، فيقول أحدهم: أنا أشترك مع فلان بالمسمى، أو غير فلان مسماه إلى كذا، وهذا كله خطأ، فليس الاسم هو المسمى ولا العكس. قال ابن السيد البطليوسي رحمه الله: ولو صحّ أن يكون الاسم هو المسمى لوجب أن يروى من قال: ماء، ويشبع من قال: طعام، ويحترق فم من قال: نار، ويموت من قال: سمّ. فالمسمى هو صاحب الاسم، فمثلًا أداة الكتابة مسمى والقلم اسمها وهكذا.

النظرة الثالثة:

في قوله تعالى في الآية 107 من سورة البقرة: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ حيث جمع السماء وأفرد الأرض، ولم ترد الأرض في القرآن الكريم إلا مفردة حتى أنه تعالى لما أراد الإشارة إلى تعددها قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق: 12]، والسبب في ذلك والله أعلم على نوعين:

الأول: سبب معنوي، قاله ابن جني قال: إن السماء بعيدة عنا فلسنا نشاهد حالها، فنعلم اتصال بعضها ببعض كاتصال أجزاء الأرض بعضها ببعض، ألا ترى أن السهل والجبل والوادي والبحر والبر لا تجد شيئًا من أجزائه منفردًا عن صاحبه، ونحن لا نعلم هذا من حال السموات كما علمنا وتحققنا من حال الأرض، فلاقّ بالأرض أن تأتي بلفظ الإفراد، ولاقّ بالسماء أن تأتي بلفظ الجمع تارة، وبلفظ الإفراد أخرى. انتهى كلامه.

ثم إن الأرض لا نسبة لها إلى السموات في سعتها، قال ابن القيم رحمه الله: بل هي بالنسبة إليها كحصاة في صحراء، فهي وإن تعددت وكبرت بالنسبة إلى السماء كالواحد القليل، ولذلك استعملت الأرض مفردة والسماء مجموعة.

الثاني: سبب لفظي: وهو أنهم لو جمعوا الأرض جمع تكسير لقالوا: أرض كأفلُس، أو أراض كأجمال، أو أروض كفلوس، وهذه الجموع ثقيلة بعكس جمع السماء فهو عذب حسن، قال ابن القيم رحمه الله: وأنت تجد السمع ينبو عنه بقدر ما يستحسن لفظ السموات، فلفظ السموات يلج في السمع بغير استئذان لنصاعته وعذوبته.

النظرة الرابعة:

في قوله تعالى في الآية 80 من سورة طه: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ قوله: ﴿الْأَيْمَنَ﴾ بالنصب صفة لجانب، فالطور واحد وله أكثر من جانب، ولو جرّ قارئ الأيمن لصار صفة للطور وهذا خطأ، فالطور واحد وليس هناك طور أيمن وآخر أيسر، ولا إشكال في قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [سورة مريم: 52] لأن الموصوف مجرور لكنه يظل صفة لجانب. ووصف الجانب بالأيمن تشريف لموسى عليه السلام لاشتقاقه من اليُمن. وتأملوا قول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) القصص﴾ وهذا خطاب لرسولنا صلى الله عليه وسلم، فلم يقل هاهنا بالجانب الأيمن تشريفًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصفه بما يوهم أنه ينفي عنه كونه بالجانب الأيمن المشتق من اليُمن، والله أعلم.

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل