سور القرآن، دروس ومحاور - بين يدي سورة النحل

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة النحل

بين يدي السورة

سورة النحل سورة مكية وقد تحدثت عن التوحيد ولكن بشكل يميزها عن غيرها من السور المكية فهي ذات طابع خاص وشخصية مستقلة.

اسم السورة

سميت سورة النحل بهذا الاسم لأنه جاء في آياتها ما يلفت النظر إلى مملكة النحل ذلك العالم العجيب المتميز بنظامه وقوانينه الدائب في عمله الجماعي الذي يذوب فيه الأفراد، فربما أراد ربنا أن نتعلم من هذه المملكة التي تعمل بإلهام من الله عز وجلّ وقد أثارت هذه المملكة اهتمام الكثير من الباحثين في العضر الحاضر وكتبوا عنها كتبا تتحدث عن طبيعتها ووظائفها وعن محصولها الثمين الذي تقضي حياتها في صنعه للبشر ينتفعون منه وإن قرآءة مثل هذه الكتب ومعرفة اسرار هذه المخلوقات العجيبة وربط عجائبها بقدرة الله عز وجلّ الذي علمها ما تصنع إنما هو عبادة لله سبحانه وتعالى ووقوف على أسرار خلقه التي توصل العبد الباحث إلى معرفة الله والقرب منه وقد ورد في الحديث الشريف النهي عن قتل النحل. ومن الملفت للنظر أن يسمي الله عز وجلّ سورة باسم هذه الحشرة التي يستهين بها كثير من الناس.

وقد سميت هذه السورة أيضًا سورة النعم لكثرة ما ذكر فيها من أصناف النعم التي تفضل بها على خلقه وقد سمى نفسه سبحانه وتعالى الودود وقد جاء في تفسير هذا الاسم الجليل أنه سبحانه وتعالى يتودد إلى خلقه بالنعم وقد فُطر الإنسان على حب الإحسان وبذلك تريد السورة من الإنسان أن يفكر في هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى من حوله فتكون سببًا يقربه من الله عز وجلّ المتفضل عليه بكل هذه النعم. وقد تحدثت هذه السورة عن بعض هذه النعم العظيمة التي يعيش الإنسان معها كل يوم فمن كثرة ما ألفها فقدت تأثيرها من نفسه فلفت سياق السورة نظره إليها ودعاه للتفكر فيها من جديد لكي تعود فاعليتها في النفس كنعمة الأمن في البيوت والنكاح والأولاد والحفدة وهذا الجمال المنبق هنا وهناك في أرجاء الكون من حولنا وإن قارئ سورة النحل يلمس هذه النعم ويشعر بتفضل الله عليه وبهذا يكون قد حقق الهدف من قرآءتها.

ما ورد فيها من الحديث

وهو سبب نزول لبعض آياتها.

عن أبي بن كعب قال لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار 64 رجلًا ومن المهاجرين ستة فيهم حمزة بن عبد المطلب فمثلوا بهم فقالت الأنصار لئن أصبنا منهم  لنربينّ عليهم قال فلما كان فتح مكة فأنزل الله تعالى (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴿١٢٦﴾) فقال رجل: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفّوا عن القوم إلا أربعة.

مناسبة السورة لما قبلها

ذكر الله سبحانه وتعالى في آخر سورة الحجر استهزاء المكذبين به عليه الصلاة والسلام وقد كفاه الله إياهم في الدنيا وهددهم وتوعدهم بيوم القيامة الذي سيلقون فيه جزاءهم فقال تعالى في سورة الحجر (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴿٩٥﴾ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿٩٦﴾) ثم افتتح سبحانه وتعالى سورة النحل بتأكيد تهديده بيوم القيامة لهؤلاء المستهزئين فقال تعالى (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) أي قرُب وقت إتيان القيامة وعبّر بصيغة الماضي تنزيلًا لتحقيق الوقوع منزلة الوقوع واقتراب القيامة المشار إليه هنا بينه الله عز وجلّ في مواضع أخر من كتابه الكريم فقال تعالى (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴿١﴾ الأنبياء) وقال تعالى (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴿١﴾ القمر) والتعبير عن المستقبل بصيغة الماضي لتحقق وقوعه كثير في القرآن الكريم كقوله تعالى (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ﴿٥١﴾ يس) فافتتاح سورة النحل بتأكيد تهديده للمستهزئين الذي افتتحت به سورة الحجر مناسبة واضحة بين السورتين.

وسورة الحجر فيها تعريف بالله سبحانه وتعالى على لسان أنبيائه الكرام وسورة النحل فيها استمرار للتعريف بالله سبحانه وتعالى لكن بطريقة مختلفة وأداء مغاير فهي تعرّف العبد بربه من خلال نعمه الكثيرة عليه. ولا يفوتنا أن نذكّر بأن هاتين السورتين مكيتان وشأن القرآن المكي في الأعمّ الأغلب هو الحديث عن رب الأرباب سبحانه وتعالى.

(وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴿٦٨﴾ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٦٩﴾ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴿٧٠﴾ وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴿٧١﴾ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ﴿٧٢﴾ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ﴿٧٣﴾ فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿٧٤﴾ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٧٥﴾ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٧٦﴾ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٧٧﴾ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٧٨﴾ أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٧٩﴾)

إجمال مواضيع السورة

سورة النحل كسائر السور المكية تعالج موضوعات العقيدة الكبرى الألوهية والوحي والبعث. وافتتاح السورة فيه استمرار لتهديد الله سبحانه وتعالى للمشركين الذين استهزأوا به عليه الصلاة والسلام ورسالته. ولقد كان مشركو مكة يستعجلون الرسول أن يأتيهم العذاب وكلما امتد بهم الأجل ولم يأتهم العذاب زادوا استعجالًا واستهزاء وحسبوا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم يخوّفهم بما لا وجود له حقيقة ولم يدركوا حكمة الله في إمهالهم ورحمته في إنظارهم ولم يحاولوا تدبر آياته في الكون وآياته في القرآن هذه الآيات التي تخاطب العقول والقلوب خيرا من خطابها بالعذاب والتي تليق بالإنسان الذي أكرمه الله بالعقل والشعور وحرية الإرادة والتفكير فمهلًا أيها المشركون فإن وعد الله آت ولكن انظروا إلى خلقكم وإلى خلق الكون من حولكم انظروا ودعوا شرككم وحاولوا أن تفكروا بالقدرة التي خلقت لكم هذه الأنعام التي تعينكم في حياتكم وهذا الماء الهاطل من السماء الذي تكمن فيه حياتكم والشجر والثمر والشمس والقمر وما ذرأ لكم في الأرض مختلف ألوانه والبحار والجبال والنجوم أفمن أوجد كل هذا كمن لا يستطيع أن يحرّك ساكنًا؟! إنها آيات الله تعالى الذي يريد من عباده أن يستدلوا بها على وحدانيته وقدرته.

(أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿١﴾ يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ ﴿٢﴾ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٣﴾ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴿٤﴾ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿٥﴾ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴿٦﴾ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴿٧﴾ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٨﴾ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٩﴾ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴿١٠﴾ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿١١﴾ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿١٢﴾ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴿١٣﴾ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿١٤﴾ وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿١٥﴾ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴿١٦﴾ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿١٧﴾ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٨﴾ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴿١٩﴾ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿٢٠﴾ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴿٢١﴾)

ثم يفتتح السياق القرآني حديثه عن التوحيد ويعلل عدم إيمان الذين لا يؤمنون بالآخرة بأن قلوبهم منكرة فالجحود صفة كامنة فيها تصدهم عن الإقرار بالآيات البينات وهم مستكبرون أيضًا فالاستكبار يصدهم عن الإذعان والتسليم فكلما سئلوا ماذا أنزل ربكم؟ يقولون أساطير الأولين هكذا يصفون هذا القرآن الذي جعله الله هداية للناس فسيؤدي بهم ذلك الإنكار والاستكبار والجحود إلى حمل ذنوبهم وشطر من ذنوب الذين يضلونهم بهذا القول ويصدونهم عن القرآن والإيمان.

(إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ﴿٢٢﴾ لاَ جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ﴿٢٣﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿٢٤﴾ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴿٢٥﴾ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴿٢٦﴾ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿٢٧﴾)

ثم يعود السياق للحديث عن الألوهية التي لا تتعدد فيقرر وحدة الإله ووحدة المالك ووحدة المنعم ويضرب مثلين للسيد المالك الرازق والعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء ولا يملك شيئًا هل يستويان؟! فكيف يسوّى الله الملك الرازق بمن لا يقدر ولا يملك ولا يرزق أهذا إله وهذا إله؟! ثم يأخذ السياق في عرض نماذج من صنع الألوهية الحقة فالله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها والله يسقي الناس غير الماء لبنًا سائغا يخرج من بطون الأنعام من بين فرث ودم والثمرات والرزق الحسن والله جهل لهم من أنفسهم أزواجًا وجعل لهم بنين وحفدة وهم بعد هذا كله يعبدون من لا يملك لهم رزقًأ في السموات والأرض. إنها حملة على الوجدان البشري في هذه الآيات ذات إيقاعات عميقة تضرب على أوتار حساسة في النفس البشرية يصعب أن لا تهتز لها وتتأثر وتستجيب.

(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ﴿٧٣﴾ فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿٧٤﴾ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٧٥﴾ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٧٦﴾)

ويستمر السياق في استعراض دلائل الألوهية الواحدة التي يتكئ عليها في هذه السورة:عظمة الخلق وفيض النعمة وإحاطة العلم ويركز هنا على قضية البعث والساعة وهما من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. ويشمل هذا الدرس أيضًا الحديث عن ألوان من أسرار غيب الله في السموات والأرض والأنفس والآفاق وغيب الأرحام وغيب أسرار الخلق، ثم يكرر الحديث عن بعض النعم المادية على الناس كنعمة السكن والهدوء والاستظلال في البيوت المبنية والبيوت المتخذة من جلود الأنعام والأثاث والمتاع والأصواف والأوبار والأشعار كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون. ويختم هذا الدرس بقوله تعالى (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ). ثم يأتي بعد ذلك بيان لبعض ما في الكتاب من التبيان والهدى والرحمة والبشرى فيه الأمر بالعدل والإحسان والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي وفيه الأمر بالوفاء بالعهد والنهي عن نقض الأيمان بعد توكيدها وكلها من مبادئ السلوك الأساسية التي جاء بها هذا الكتاب.

ثم يذكر السياق بعض آداب قرآءة هذا الكتاب ويختم هذا الدرس ببيان بعض أحكام من يكفر بعد إيمانه ومن يكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان وكل ذلك تبيان لما جاء في هذا الكتاب.

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿٩٠﴾ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴿٩١﴾ وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿٩٢﴾ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٩٣﴾)

ثم ينتقل السياق إلى ذكر ما حرّم المشركون على أنفسهم من الطيبات تبعًا لأوهام وخرافات وهذا لون من الكفر بنعمة الله وعدم القيام بشكرها ويتهددهم بالعذاب من أجل ذلك. ويُذكر إبراهيم كنموذج للعبد الشاكر لنعمة ربه التي أحلها له ثم جاء دين محمد امتدادًا لدين إبراهيم.

ثم تختم السورة بأمره صلى الله عليه وسلم أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة وأن يلتزم العدل في رد الاعتداء والعاقبة بعد ذلك للمتقين المحسنين لأن الله معهم ينصرهم ويهديهم.

 

(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٢٠﴾ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿١٢١﴾ وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴿١٢٢﴾ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٢٣﴾ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿١٢٤﴾ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴿١٢٥﴾ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴿١٢٦﴾ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴿١٢٧﴾ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴿١٢٨﴾)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل