إنها وصية جامعة، قليلة في مبناها عظيمة في معناها. وإذا كان كل مسافر يحتاج الوصية بالتقوى، ويُؤمر بسؤال الله لزومَها فيه كما في دعاء السفر المشهور : " اللهم إني أسألك في سفري البرَّ والتقوى " [3]؛ فإن الحاجَّ والمعتمر قد خص بالوصية بالتقوى، وأن يجعلها زاداً يتزود منه في طريقه، يهلك عند إهماله، كما قال تعالى في آيات الحج : { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى } (البقرة : 197).

وزاد التقوى لا يقدر قدره إلا أصحاب العقول التامة، والبصائر المنيرة، ولذا عناهم بالتأكيد فقال : { وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ } (البقرة : 197)، أما سواهم فليس في قاموس أزوادهم ذكر التقوى، بل هو الطعام الشهي، والمركب الفاره، والفراش الوثير..

سارت مشرقة وسرت مغرّباً      شتان بين مشرّق ومغرّب !  

قال ابن رجب - رحمه الله - : " فما تزوّد حاجٌّ ولا غيره بأفضل من زاد التقوى، ولا دُعي للحاج عند توديعه بأفضل من التقوى " [4].

وقد كان السلف يوصي بعضهم بذلك، قال بعضهم لمن ودّعه : اتقِ الله؛ فمَنْ اتقى الله فلا وحشة عليه. وقال آخر لمن ودّعه للحج : أوصيك بما وصى به النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذاً حين ودّعه : " اتقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالقِ الناس بخُلُق حسن " [5].

وحيث إن الأمر بالتقوى أمر عظيم يشمل فعل الأوامر واجتناب النواهي مما لا يأتي عليه الحصر فإني أجد نفسي مضطراً لبيان طريق التقوى في الحج في عددٍ من النقاط، حتى يقع الحج على التقوى، ويكون ناتجه التقوى بإذن الله.

* أولاً : وأتموا الحج والعمرة ( لله ) :

الإخلاص وتجريد العبادة من الشريك مطلوبة في كل عمل، وإنما خص الحج والعمرة بالذِّكر ( من أجل أنهم - المشركين - كانوا يتقربون ببعض أفعال الحج والعمرة إلى أصنامهم، فخصها بالذِّكر لله تعالى حثّاً على الإخلاص فيهما ومجانبة ذلك الاعتقاد المحظور ) [6]. وعندي وجه آخر : وهو أن الحج والعمرة فيهما من المشقة الظاهرة ومفارقة الأوطان ما يظهر أمره للناس، ويعظم عندهم فيه الثناء لعِظَم الجهد والتضحية - خاصة عند قلّة الظَّهر وبُعْد الشقة - وهذا قد يغري النفس بممدحة الناس وحسن ثنائهم، فتقع في شَرَك الرياء، وحبائل التسميع، فوجب التأكيد على الإخلاص. وقد رُوي عن بشر بن الحارث أنه قال : ( الصدقة أفضل من الحج والعمرة والجهاد.. ثم قال : ذاك يركب ويرجع ويراه الناس، وهذا يعطي سراً، لا يراه إلا الله عزَّ وجلَّ ) [7]. و ( بِشْرٌ ) في قوله هذا : نظر إلى جهة قرب العمل للإخلاص والتجرد، وأن ما خفيَ كان أقرب، وإلا فالحج والعمرة والجهاد أعمال عظيمة لا يقارن بها غيرها إذا لازمها الإخلاص وبُنيت على التقوى.

إن الله تعالى أمر أن يُعبد وحده دون سواه : { وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } (البينة : 5)، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " قال الله تعالى : أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه " [8].

 أرأيت كيف يذهب الجهد، وكيف تضيع التضحيات، حين يكون القصد لغير الله أو يكون لله فيه شريك ؟ حجَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - على رحل رثٍّ وقطيفة تساوي أربعة دراهم أو لا تساوي أربعة دراهم ثم قال : " اللهم حَجّةٌ لا رياء فيها ولا سمعة " [9]. قال رجل لابن عمر - رضي الله عنهما - : ما أكثر الحاج ! فقال ابن عمر : ما أقلّهم ! وقال شريح - رحمه الله - : الحاج قليل والركبان كثير [10].

خليليَّ ! قطاع الفيافي إلى الحمى      كثيرٌ، وأما الواصلون قليلُ 

وجوه عليها للقبول علامةٌ      وليس على كل الوجوهِ قبولُ 

ومِنْ خفي الرياء ومدخول العمل أن تنشط النفس عند رؤية الناس، وتقعد وتموت في الخلوة، بل ربما ساء منها الفعل وقبح. ذكر ابن رجب أن بعض المتقدمين كان يحج ماشياً على قدميه كل عام، فكان ليلةً نائماً على فراشه، فطلبت منه أمه شربة ماء، فصعب على نفسه القيام من فراشه ليسقي أمه، فتذكر حجه ماشياً كل عام وأنه لا يشق عليه ذلك فحاسب نفسه، فرآى أنه لا يُهوّنه عليه إلا رؤية الناس له ومدحهم إياه فعلم أنه كان مدخولاً [11]. ورُوي عن بعض السلف أن رجلاً جاءه فقال : أريد أن أحج، فقال : كم معك ؟ قال : ألفا درهم، قال : أما حججت ؟ قال : بلى، قال : فأنا أدلّك على أفضل من الحج، اقضِ دين مَدِين وفرّج عن مكروب، فسكت، فقال : ما لك ؟ قال : ما تميل نفسي إلا إلى الحج، قال : إنما تريد أن تركب وتجيء ويُقال : قد حجّ ! [12]. ونحن لا ننكر نشاط النفس مع الرفقة الصالحة، وانبعاثها للعمل بينهم، لكن محلّ الذم أن تنقطع النفس أو تنقلب إذا خلت، مما يوقع الريب في صدق العامل ورغبته.

فيا مَنْ توجَّه نحو البيت، وشدَّ إليه رحاله، اجعل وجهك رب البيت، لا يكن قصدك من الحج رياء ولا سمعة، فإن " من الناس من يحج ليُقال له : الحاج فلان، أو ليُحْتَفل بقدومه، وهذا من أخسِّ ضروب الرياء " [13]، وفي الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - قال : " من سمَّع سمَّع الله به ومن راءى راءى الله به " [14].

أيها الحاج ! أتدري من تقصد وإلى من تعمد ؟! (