سور القرآن، دروس ومحاور - من دروس سورة الأنعام

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة الأنعام

من دروس السورة

الدرس الأول: حديث مع الفطرة

لما كانت سورة الأنعام سورة أصول الدين كانت آياتها تسوق الأدلة الحجج والبراهين على وجود الخالق سبحانه وتعالى وضرورة توحيده والتوجه إليه وحده بالتضرع والإنابة إليه في كل حال. وقد تعرضت السورة لنوع خاص من الأدلة ربما أهمل أهميته الكثير من الناس في خضم البحث العلمي والاعتماد في بحوثهم على التجارب والمشاهدات، إنه دليل الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فطرهم على عبادته وتوحيده فالإنسان كان ولا يزال في أعماق فطرته الحنين والشوق إلى العقيدة في الله. لقد خاطب الله سبحانه وتعالى فطرة الإنسان في آيات كثيرة من هذه السورة، خاطبها موقظًا لها عندما لفت الأنظار إلى عظيم صنعته في هذا الكون الرحيب. وفي هذا الدرس يخاطبها الله سبحانه وتعالى خطابًا خاصًا يلفت انتباهها إلى موقفها منه في حال البأس والشدة.

(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٣٩﴾ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٤٠﴾ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ﴿٤١﴾ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴿٤٢﴾ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٤٣﴾ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴿٤٤﴾ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٤٥﴾)

يخاطب الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات المشركين ويواجههم بفطرتهم التي تتعرى حين ترى بأس الله، تتعرى من كل ركام علق بها وتنسى حكاية الآلهة الزائفة وتتجه من فورها إلى ربها التي تعرفه في قرارتها تسأله وحده الخلاص والنجاة، إن الهول يعرّي الفطرة في حال الشدة والبأس فتتجه إلى الإله الحق بطلب النجاة وتنسى أنها أشركت به أحدًا بل تنسى هذا الشرك ذاته. إن معرفتها بربها هي الحقيقة المستقرة فيها أما هذا الشرك فهو قشرة سطحية طارئة عليها بفعل عوامل أخرى، قشرة سطحية في الركام الذي ران عليها فإذن هزّها الهول تساقط هذا الركام وتطايرت هذه القشرة وتكشفت الحقيقة الأصيلة وتحركت الفطرة حركتها نحو بارئها ترجوه أن يكشف عنها الهول الذي لا حيلة لها به.

(رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴿٦٦﴾ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا ﴿٦٧﴾ أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا ﴿٦٨﴾ أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا ﴿٦٩﴾ الإسراء)

إنه مما لا شك فيه أن أولئك الذين يمارسون الإلحاد في أجلى صوره إنما يخدعون أنفسهم إذ من غير المعقول أن يخلق خلقًا في طبيعة الإنسان ويختلط هذا الخلق بلحمه ودمه بل وفي كل ذرة من ذرات تكوينه ثم ينطمس هذا الخلق هكذا بدون مبرر. ثم يتوجه السياق القرآني ليعرض نموذجًا من الواقع التاريخي، يعرض ويفسّر كيف يتعرض الناس لبأس الله وكيف تكون عاقبة تعرضهم له وكيف يمنحهم الفرصة بعد الفرصة ويسوق إليهم التنبيه بعد التنبيه فإذا نسوا ما ذكّروا به ولم تلجئهم الشدّة إلى التوجه إلى الله والتضرع له ولم توجههم النعمة إلى الشكر والحذر من الفتنة كانت فطرتهم قد فسدت الفساد الذي لا يرجى معه صلاح وكانت حياتهم قد فسدت الفساد الذي لا تصلح معه للبقاء فحقت عليهم كلمة الله ونزل بساحتهم الدمار الذي لا تنجو منه الديار. قال تعالى في آيات هذا الدرس (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴿٤٢﴾ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٤٣﴾ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴿٤٤﴾ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٤٥﴾ الأنعام)

إنه نموذج متكرر في أمم شتى، أمم جاءتهم رسلهم فكذبوا فأخذهم الله بالبأساء والضراء في أموالهم وفي أنفسهم وفي أحوالهم وأضاعهم أخذهم بالبأساء والضراء ليرجعوا إلى أنفسهم وينقّبوا في ضمائرهم لعلهم في وطأة الشدة يتضرعون إلى الله ويتذللون له وينزلون عن عنادهم واستكبارهم ويدعون الله أن يرفع عنهم البلاء بقلوب مخلصة ويفتح لهم أبواب الرحمة ولكنهم لم يفعلوا ذلك، لم يلجأوا إلى الله ولم يرجعوا عن عنادهم ولم ترد إليهم الشدة وعيهم ولم تفتح بصيرتهم وكان الشيطان من ورائهم يزيّن لهم ما هم فيه من الضلال والعناد ولكن قست قلوبهم وزيّن لهم الشيطان ما كانوا يعملون.

(وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آَيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ﴿٢١﴾ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴿٢٢﴾ فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٢٣﴾ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٢٤﴾ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٢٥﴾ يونس)

إن القلب الذي لا ترده الشِدة إلى الله قلب تحجّر فلم تعد فيه نداوة تعصرها الشدة ومات فلم تعد الشدة تثير فيه الإحساس وتعطلت أجهزة الاستقبال الفطرية فيه فم يعد يستشعر هذه الوخزة الموقِظة التي تنبه القلوب الحيّة للتلقي والاستجابة والشدة ابتلاء من الله للعبد فمن كان حيا أيقظته وفتحت مغاليق قلبه وردته إلى ربه وكانت له رحمة من الرحمة التي كتبها الله على نفسه ومن كان ميتًا حُسبت عليهو لم تفده شيئًا وإنما أسقطت عذره وحجته وكانت عليه شقوة وكانت موطئة للعذاب.

إن هذه الأمم التي يقصها الله سبحانه وتعالى من أنبائها على رسوله صلى الله عليه وسلم ومن ورائه أمته لم تستفد من الشدة شيئا لم تتضرع إلى الله ولم ترجع عما زينه الشيطان لها من العناد وهنا يملي لها الله سبحانه وتعالى ويستدرجها بالرخاء كما قال الله تعالى (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴿٤٤﴾ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٤٥﴾ الأنعام).

إن الرخاء ابتلاء آخر كابتلاء الشدة وهو مرتبة أشد وأعلى من مرتبة الشدة والله سبحانه وتعالى يبتلي بالرخاء كما يبتلي بالشدة يبتلي الطائعين والعصاة سواء والمؤمن يبتلى بالشدة فيصبر ويبتلى بالرخاء فيشكر وفي الحديث: عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له. فأما هذه الأمم التي كذبت الرسل والتي يقصّ الله من أنبائها هنا فإنهم لما نسوا ما ذكروا به وابتلاهم الله بالبأساء والضراء فلم يتضرعوا فأما هؤلاء فقد فتح عليهم أبواب كل شيء وذلك للاستدراج بعد الابتلاء. إن قوله تعالى (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) يصوّر الأرزاق والخيرات والمتاع والشهوات متدفقة كالسيول بلا حواجز ولا قيود وهي مقبلة عليهم بلا عناء ولا كدّ ولا حتى محاولة. قال عليه الصلاة والسلام: إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد من الدنيا ما يحبّ وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج. غمرتهم الخيرات والأرزاق المتدفقة كالسيول واستغرقوا بالمتاع بها والفرح لها بلا شكر ولا ذكر وخلت قلوبهم من ذكر المنعِم وخشيته وتقواه وانحصرت اهتماماتهم في لذائذ المتاع واستسلموا للشهوات وخلت حياتهم من الاهتمامات الكبيرة كما هي عادة المستغرقين في اللهو والمتاع وتبع ذلك فساد أخلاقهم وتعاملهم بعد فساد قلوبهم وجرّ هذا وذاك إلى نتائجه الطبيعية من فساد الحياة كلها .عندئذ جاء موعد السنة التي لا تتبدل (أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) فكان أخذهم على غرّة وهم في سهوة وسكرة فإذا هم حائرون منقطعو الرجاء في النجاة عاجزون عن التفكير في أي اتجاه وإذا هم مهلكون حتى آخر واحد منهم (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ودابر القوم هو آخر واحد منهم يدبرهم أي يجيء على أدبارهم فإذا قُطع هذا فأوائلهم أولى. وختمت هذه الآية بحمد الله تعالى على نعمة تطهير الأرض من الظالمين المشركين. إنها سنة الله التي لا تتبدل في استدراج الأمم الكافرة المعاندة، فلا ينبغي لنا أن نغتر بما عنهم من متاع الدنيا وزخارفها وبما لديهم من أسباب الرخاء ولو تدبر المسلمون هذه الآيات الكريمة وتأملوا في معانيها لما وُجد فيهم من ينظر إلى حضارة الغرب المادية نظرة الإعجاب والانبهار فتراهم يندفعون إلى تقليدهم تقليدًا أعمى منسلخين عن مبادئ دينهم ومنهج كتابهم وسنة نبيهم وهم يظنون أنهم إذا لحقوا بهم وصلوا إلى مراتب الكمال وحققوا لأنفسهم السعادة مع أنهم لو تأملوا حقيقة حياتهم لوجدوهم أشقياء بما هم فيه لا سعداء. إن العذاب النفسي والشقاء الروحي والإنحلال الخلقي الذي تقاسي منه هذه الأمم ليكاد يغطي على الرخاء والمتاع وليكاد يصبغ الحياة كلها بالنكد والقلق والشقاء وإن انتشار الآفات الاجتماعية كالخمور والمخدرات وانتشار الأمراض الجنسية والشذوذ وضعف المناعة كل ذلك مؤشرات على العواقب الوخيمة لتلك المجتمعات. والله سبحانه وتعالى خلق السموات والأرض بالحق وللحق وقد يكون للباطل جولة وربما جولات ولكن أن يستمر الباطل إلى أن تطوى صفحة هذا الكون فهذا يتناقض مع عدله ورحمته. فما أجهل الإنسان الذي يعطيه الله سبحانه وتعالى الفرصة بعد الفرصة ويمدّ له في الإنعام ثم هو لا يزال مقيمًا على كفره وعناده! فالله له سنة لا تتبدل أبدًا يبعث الرسل ويشرّع الشرائع فإن رأى إعراضًا وجحودًا أنزل عذابه الماحق الذي يدمر كل شيء قال تعالى (وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) هود)

الدرس الثاني: نورٌ وظلمات

يتحدث السياق القرآني في هذا الدرس عن بعض الأحكام التي شرعها الله سبحانه وتعالى للأمة التي يتولى الله عز وجلّ رعايتها فيأمرهم أن يأكلوا ما ذكر اسم الله عليه من الذبائح وينهاهم عما ذبح لغير الله فلم يذكر اسم الله عليه وتخبر الآيات أن الشيطان أوحى إلى أوليائه من المشركين أن يجادلوا الذين آمنوا في عدم أكلهم مما مات حتف أنفه فلم يذبح ولم يذكر اسم الله عليه ويقول لهم: قولوا للمؤمنين كيف أكلتم مما قتلتم بأيديكم ولا تأكلون مما قتل الله؟ والسياق القرآني لا يلقي بالًا لهذا الكلام السخيف بل يكتفي بأمر المؤمنين بعدم المجادلة وعدم طاعة المشركين لكي لا يكونوا مثلهم لأن الله سبحانه وتعالى أكرمهم بالوحي وفصّل لهم التشريع الذي علّمهم كل ما يرضي الله عنهم وكل ما يحتاجونه في أمور دينهم، فما قيمة الإصغاء لأقوال المشركين بعد ذلك؟ هل نتعلم ديننا منهم؟ أم هل نرضى أن يستدركوا هم على الله شيئا شرعه لنا؟

(فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآَيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ﴿١١٨﴾ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ﴿١١٩﴾ وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ ﴿١٢٠﴾ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴿١٢١﴾ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٢٢﴾)

وقد وصف الله عز وجلّ الوحي بأنه نور ووصف الإيمان بأنه حياة فإن هذا الدين ينشئ في القلب حياة بعد الموت ويطلق فيه نورًا بعد ظلمات حياة يعيد بها تذوق كل شيء لكن بحسّ آخر لم يكن يعرفه قبل هذه الحياة. أما الكفر فهو انقطاع عن الحياة الأزلية الأبدية التي لا تفنى ولا تغيب فهو موت وانطماس في أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية. والكفر حجاب للروح عن الاستشراف والإطلاع فهو ظلمة وختمٌ على الجوارح والمشاعر فهو ظلمة وضياع وتيه وضلال فهو ظلمة وإن الإيمان تفتّح ورؤية وإدراك واستقامة فهو نور بكل معنى الكلمة. وما الكافر؟ إن هو إلا نبتة ضالّة لا جذور لها في تربة هذا الوجود، إن هو إلا فرد منقطع الصلة بخالق هذا الوجود، فهو منقطع الصلة الحقيقة بهذا الوجود لا تربطه به إلا روابط هزيلة من وجوده الفردي المحدود في أضيق الحدود. إن الصلة بالله لتصل الفرد الفاني بالأزل القديم فهو في ثراء من الوشائج والروابط، قال تعالى (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٢٢﴾)

يجد المؤمن في قلبه هذا النور فتتكشف له حقائق هذا الدين تكشّفًا عجيبًا فيجده تصميما ربانيا يشمل كل الحياة متداخلًا متراكبًا معتاشقًا يتجاوب مع الفطرة وتتجاوب هي معه في ألفة عميقة وفي صداقة وثيقة وفي حب ودود. ويجد الإنسان في قلبه هذا النور فيجد الوضاءة في خواطره ومشاعره ويجد الراحة في باله ويجد الرفق واليسر فيما يصدّر ويستورد من الأمور لأنه ينطلق من مجموعة قواعد يتعامل من خلالها مع الناس لم تكن هذه القواعد من وضع أحد من البشر بل وضعها العليم الخبير الذي خلق الإنسان ويعلم ما يصلح حاله. لقد عاش المسلمون في الظلمات قبل هذا الدين، قبل أن ينفخ الإيمان في أرواحهم فيحييها كانت قلوبهم مواتا وكانت أرواحهم ظلاما فلما نفخ الإيمان في أرواحهم فإذا هي يشرق فيها النور ويفيض منها فتمشي بهذا النور في الناس تهدي الضالّ وتلتقط الشارد وتطمئن الخائف أفمن نفخ الله في روحه الحياة وأفاض على قلبه النور كمن هو في الظلمات لا مخرج له منها؟! إنهما عالمان مختلفان، شتان بينهما شتان!!

لكن ما هو السر الذي يمنع أهل الظلمات من النور؟ جاء الجواب في قوله تعالى (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) إن هناك تزينًا للكفر والظلمة والموت يصبح الحق باطلًا بهذا التزيين وتنقلب به المفاهيم ويقع في براثنه الكثير من الناس ولا يسلم منه إلا من تجرّد بالحق ولم يغتر بالزينة والأضواء الخادعة.

 

الدرس الثالث: حِمى الله

موضوع الحلال والحرام هو قوام الإسلام ودليل الإيمان وميزان الصدق عند الواحد الديان فلا إيمان بلا عمل ولا عمل إلا على مقتضى الأمر والنهي ولا التزام بأمر آمر ونهي ناهٍ إلا عن حُبّ والحُبّ دون اتباع كذب ونفاق وشريعة الله سبحانه وتعالى رحمةٌ كلها، عدلٌ كلها، مصلحةٌ كلها، إنها تعليمات الصانع الخبير (وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) [فاطر: 14]. لقد أراد الإسلام بناء شخصية المسلم متميزة عن الشخصيات الأخرى من خلال الحلال والحرام فالذي يتبع تعليمات الله بدقة فيقف عند حدود تعاليمه وتوجيهاته لا يستوي مع أولئك الذين تشرّع لهم شهواتهم وأهواؤهم، وقد أشار القرآن إلى طائفة من الناس اِتخذت أهواءها آلهة من دون الله عز وجلّ.

وسورة الأنعام من السور التي تكلمت عن أمر الحلال والحرام في مجال المطاعم والذبائح فأباحت وحرمت وقد جاء في هذه السورة تلك الآية التي جعلت الإباحة أصلًا لكل شيء من المطاعم والمشارب إلا ما جاء تحريمه بنصّ خاص.

(وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴿١٤٢﴾ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿١٤٣﴾ وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿١٤٤﴾ قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٤٥﴾ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴿١٤٦﴾)

وقد وضع العلماء بعض القواعد في مسألة الحلال والحرام لكي تنضبط تصرفات الناس وفق شريعة الله سبحانه وتعالى

القاعدة الأولى: الأصل في الأشياء الإباحة.إن الأصل فيما خلق الله هو الحلّ والإباحة ولا حرام إلا ما ورد فيه نص صحيح قال تعالى (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13) الجاثية) وما كان الله سبحانه ليخلق هذه الأشياء ويسخّرها للإنسان ثم يحرّمها عليه ومن هنا ضاقت دائرة المحرمات واتسعت دائرة المباحات اتساعًا بالغًا. قال صلى الله عليه وسلم: ما أحلّ الله في كتابه فهو حلال وما حرّم فهو حرام وما يكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله للم يكن لينسى شيئا وتلا قوله تعالى (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم: 64]. وقد مرت آية سورة الأنعام التي نستقي منها هذا الدرس وهي قوله تعالى (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٤٥﴾). إذن فالأصل في الأشياء الإباحة لكن هذه القاعدة لا تتدخل في أمور العبادات إنما مجالها الأفعال والتصرفات كالمطاعم والمشارب والملابس.

القاعدة الثانية: التحليل والتحريم حقٌ لله وحده فليس لأحد من الخلق أن يبيح أو يمنع فمن فعل ذلك من بني البشر فقد تجاوز حدّه واعتدى على حق الربوبية في التشريع للخلق. وقد كان التشريع حقًا لله وحده لأنه هو الذي خلق الخلق وهو يعلم ما يحتاجه خلقه فأنزل لهم تشريعًا لا حاجة لتعديله أو الإضافة عليه مهما امتد الزمان أو اختلف المكان لأن الذي شرعه تجاوز علمه حدود المكان والزمان، قال تعالى (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) [الأعراف: 54] وقال (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) الملك).

وقد تحدثت سورة الأنعام عن أولئك الذين اعتقدوا أنفسهم قد اشتركوا مع الله سبحانه في الأمر فأحلّوا لذكورهم وحرّموا على إناثهم بعض الذبائح افتراء على الله عز وجلّ.

(وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿١٣٦﴾ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴿١٣٧﴾ وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿١٣٨﴾ وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴿١٣٩﴾ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴿١٤٠﴾)

القاعدة الثالثة: تحليل الحرام وتحريم الحلال من أكبر الكبائر. إن تحليل الحرام وتحريم الحلال يقترن بالشرك قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: إني خلقت عبادي حنفاء وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزّل به سلطانا. وقد حارب النبي صلى الله عليه وسلم نزعة التنطع والتشدد من دون موجب وذمّها وأخبر بهلاك أصحابها فقال عليه الصلاة والسلام: ألا هلك المتنطعون، ألا هلك المتنطعون. والتحريم يستطيعه كل إنسان حتى الجاهل لكن العلماء المتمكنين هم الذين يبينون للناس ما هو حلال وما هو حرام بالدليل والتعليل، فالتبليغ مهمة الأنبياء والرسل والتبيين مهمة العلماء من بعدهم. قال سفيان الثوري رحمه الله: الفقه هو الرخصة من ثقة أما التشديد فيحسنه كل أحد وقد غلب على هذا الدين طابع اليسر والتخفيف كما أخبر عليه الصلاة والسلام.

القاعدة الرابعة: الحلال طيب والحرام خبيث. إن من حق الله تعالى لكونه خالقًا ومسيّرًا ومُنعمًا على خلقه بنعمة الخلق ونعمة الإيجاد ونعمة الهدى والرشاد من حقه أن يحلّ لهم ما يشاء ويحرّم عليهم ما يشاء ومن حقه أن يتعبدهم بالتكاليف والشعائر بما يشاء بمقتضى ربوبيته لهم وعبوديتهم له ولكنه تعالى رحمة منه بعباده جعل التحريم والتحليل لأسباب معقولة راجعة لمصلحة البشر أنفسهم فلم يُحلّ سبحانه إلا طيبًا ولم يحرّم إلا خبيثا.

(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٣﴾ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿٤﴾ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٥﴾ المائدة)

والطيبات هي التي تستطيبها النفوس المعتدلة المتوازنة ويستحسنها مجموع الناس ذوي الفطر السليمة استحسانًا غير ناشيء عن أثر العادة وقد عبّرت الآية في سورة الأنعام التي نستنبط منها هذا الدرس أبلغ تعبير (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) فإن كل المحرمات التي ذكرتها الآية الكريمة هي مستقذرات لدى عامة الناس وعندما حرم الله سبحانه وتعالى الخمر قال (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴿٩١﴾ المائدة) فكيف يكون الخمر من الطيبات وبسبب السكر الذي يأتي منه تقع العداوة والبغضاء بين الناس ويصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة؟! وقد استقرأ علماء الشريعة أحكامها فوجدوا أن تحريمها يجلب المصالح ويدرأ المفاسد (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة: 50]

القاعدة الخامسة: في الحلال ما يغني عن الحرام. من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه في دينه ودنياه وإن من محاسن الشريعة الإسلامية أنها لم تحرم شيئا إلا عوّضت خيرًا منه. فالله سبحانه وتعالى لم يضيق على عباده من جانب إلا وسع عليهم من جانب آخر من جنسه فإنه جلّ شأنه لا يريد إعنات عباده ولا إرهاقهم بل يريد بهم الخير واليسر والهداية والرحمة. قال أحد العلماء: حرّم الله على عباده الاستقسام بالأزلام وعوضهم عنه دعاء الاستخارة وحرّم عليهم الربا وعوّضهم التجارة الرابحة، حرّم عليهم الحرير وأعاضهم عنه الملابس الفاخرة وحرّم عليهم الزنا وأعاضهم عنه الزواج الحلال وحرم عليهم شرب المسكرات وأعاضهم عنها بالأشربة النافعة وحرّم عليهم الخبائث من المطعومات وأعاضهم عنها بالمطاعم الطيبات فليس في الدين حرمان كما يتوهم الشاردون فكل شهوة أودعها الله في الإنسان جعل لها قناة نظيفة تتحرك من خلالها وكل حاجة ألجأ الله إليها عباده جعل لهم أكثر من سبب لتحقيقها فالحلال يُغني عن الحرام.

القاعدة السادسة: ما أدى إلى حرام فهو حرام. ومن المبادئ التي قررها الإسلام أنه إذا حرّم شيئًا حرّم ما يفضي إليه من وسائل وسدّ الطرق الموصلة إليه فإذا حرّم الزنا حرّم كل مقدماته ودواعيه من تبرج جاهلي وخلوة آثمة واختلاط عابث وصورة فاضحة وأدب مكشوف وغناء فاحش فما أدى إلى حرام فهو حرام. وقرر الإسلام أيضًا أن إثم الحرام لا يقتصر على فاعله المباشر وحده بل تتسع الدائرة لتشمل كل من شارك فيه بجهد مادي أو أدبي كلٌ يناله من الإثم على قدر مشاركته، ففي موضوع الخمر لُعِن معها شاربها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها. وقد عبر الفقهاء رحمهم الله عن هذه الفكرة بقولهم: إن الوسائل والمقاصد تتحدان في الحكم لأن ما عند الله لا ينال بمعصية وإن الحلال لا يوصل إليه بحرام فالحلال نظيف ولا يتوصل إليه بطرق قذرة.

القاعدة السابعة: التحايل على الحرام حرام. وكما حرم الإسلام كل ما يفضي إلى المحرمات من وسائل ظاهرة حرّم أيضًا  التحايل على ارتكابها بالوسائل الخفية والحيل الشيطانية. ومن الحيل الآثمة تسمية الشيء بغير اسمه وتغيير صورته مع بقاء حقيقته ولا ريب أنه لا عبرة بتغيير الاسم مع بقاء المسمى ولا بتغيير الصورة مع بقاء الحقيقة فمن باع سلعة دينًا لستة أشهر بمائة ثم اشتراها نقدًا بثمانين وادّعى أن هذا بيع وشراء نجيبه بأنه لا عبرة لصورة البيع والشراء، إنه أقرض ثمانين ليستردها مائة وهذا هو الربا بعينه. وقد قصّ علينا القرآن الكريم في سورة الأعراف قصة القرية التي نهاهم الله سبحانه وتعالى أن يصطادوا يوم السبت وأن يتفرغوا للعبادة في هذا اليوم وكانت الحيتان تأتي إلى شطآنهم يوم السبت ولا تأتي في غيره ابتلاء من الله لهم فعزّ عليهم أن يفوتهم الصيد في هذا اليوم فصاروا ينصبون شباكهم مساء الجمعة ويرفعونها صباح الأحد احتيالًا منهم على أمر الله عز وجلّ فعاقبهم الله عقابًا لا مثيل له في التاريخ بأن جعل منهم قردة خاسئين.

(وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴿١٦٣﴾ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿١٦٤﴾ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴿١٦٥﴾ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴿١٦٦﴾ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٦٧﴾ الأعراف)

القاعدة الثامنة: النيّة الحسنة لا تسوّق الحرام. إن النية الطيبة تجعل من المباحات والعادات طاعات وعبادات فمن تناول غذاءه بنية حفظ الحياة وتقوية الجسد على طاعة الله كان طعامه وشرابه عبادة وقربة إلى الله. قال صلى الله عليه وسلم وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر، قال: أليس إن وضعها في حرام كان عليه وزر فكذلك إن وضعها في حلال كان له أجر. أما الحرام فشيء آخر، الحرام هو الحرام مهما حسنت نية فاعله ومهما كان هدفه نبيلًا فلا يرضى الإسلام أن يتخذ الحرام وسيلة لغاية محمودة لأن الإسلام يحرص على شرف الغاية وطهر الوسيلة معًا ولا تقر شريعة الإسلام مبدأ الغاية تبرر الوسيلة أو مبدأ الوصول إلى الحق بالخوض بالباطل فمن جمع مالا من ربا أو لهوٍ حرام ليبني مسجدًا لم يشفع له نبل مقصده فالله طيب لا يقبل إلا طيبا.

القاعدة التاسعة: اتقاء الشبهات أولى. من رحمة الله تعالى بالناس أنه فصّل أمر الحلال والحرام ولم يترك الناس في حيرة من أمرهم فالحلال بيّن والحرام بيّن وبيمهما أمور مشتبهات كما قال صلى الله عليه وسلم والحلال البين لا حرج في فعله والحرام البيّن لا رخصة في اتباعه ثم هناك منطقة بين الحلال والحرام هي منطقة الشبهات التي يلتبس بها أمر الحلّ بالحرمة على بعض الناس لا على جميعهم وقد قرر الإسلام أنه من الورع أن يتجنب المسلم هذه الشبهات حتى لا يجره الوقوع فيها إلى الوقوع في الحرام الصرف. قال صلى الله عليه وسلم: الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي أم من الحرام فمن تركها استبراء لدينه وعرضه فقد سلم ومن واقع شيئا منها يوشك أن يواقع الحرام.

القاعدة العاشرة: الحرام حرام على الجميع. الحرام في الشريعة الإسلامية يتسم بالشمول والاضطراد فليس هناك شيء حرام  على الأعجمي حلالًا على العربي وليس هناك ترخيص ممنوح لفئة من الناس تقترف باسمه ما يمليه عليها الهوى بل ليس للمسلم خصوصية تجعل الحرام على غيره حلال له فإن الله رب الجميع والشرع سيد الجميع فما أحلّ الله بشريعته فهو حلال للناس كافة وما حرم فهو حرام على الجميع إلى يوم القيامة. قال صلى الله عليه وسلم: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوهوإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها.

 

إن هذه القواعد العشرة لا بد أن يعلمها كل مسلم يريد أن يعبد الله على بصيرة وأن يتعامل مع الناس على وفق منهج الله عز وجلّ هذا وإن جميع البيوع الممنوعة في الإسلام إنما كان سبب منعها هو سد الثغرات التي كان يمكن أن ينفذ منها الشيطان فيفرق بين مسلمين فكانت قواعد الحلال والحرام بمثابة طريق آمن لكل من يريد أن يتعامل تعاملًا نظيفًا يرضي الله تعالى ويكون محمود السيرة بين الناس حريصًا على علاقته معهم. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل