سور القرآن، دروس ومحاور - محور سورة الأنعام

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة الأنعام

محور السورة: ألوهية وعبودية

إن التعريف بمقام الألوهية بكل خصائصها ومقام العبودية هو الدرس الكبير في هذه السورة العظيمة، بل هو عنوان هذه السورة الذي يربط مقاطعها بعضها ببعض.

سورة الأنعام هي واحدة من سلسلة السور القرآنية التي جاءت لتبين جانبًا من جوانب المنهج الرباني الذي تولت كل سورة من سور القرآن الكريم تسليط الأضواء على جانب منه، ثم تتكامل سور القرآن الكريم لينتظم عقد هذا المنهج الفريد الذي أراد الله سبحانه أن يربّي به أمة الإسلام التي اصطفاها لتخلّص البشرية من الاختلاطات الفكرية وتأخذ بيدها إلى منهج الله سبحانه وتعالى فتعيش حياة السعادة في الدنيا والآخرة.

إن سورة البقرة أنزلها الله تعالى لتلقي درس الخضوع لله وسورة آل عمران سورة التربية والاصطفاء ثم جاءت سورة النساء لتسقط ملامح وعقائد المجتمع الجاهلي الذي عاش فيه المسلمون قبل دخولهم في الإسلام وبعدها سورة المائدة سورة بناء المجتمع المسلم على أنقاض المجتمع الجاهلي الذي أسقطته سورة النساء وكانت كل واحدة من هذه السور المباركة تبين بعض الجوانب التي لا بد من بيانها في منهج الله عز وجلّ مع التأكيد على أهمية التوحيد وضرورة شعور القلب به ليتوجه العبد بعباداته إلى الإله الواحد الذي بدأ يتعرّف عليه شيئًا فشيئًا. والآن فقد حان الوقت لكي تُخصص سورة كاملة من السور الطويلة في القرآن الكريم لكي تتحدث عن الله ومقام الألوهية بكل خصائصها وصفاتها ولتبيّن مقام العبودية وموقفه من تلك الألوهية الجليلة فهاهي سورة الأنعام سورة أصول الدين، سورة الأدلة والبراهين والمحاججة والردّ على التصورات الفاسدة التي نشأت في الأذهان عن الله سبحانه وتعالى.

(وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴿٥٩﴾ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٦٠﴾ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ﴿٦١﴾ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴿٦٢﴾ قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴿٦٣﴾ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴿٦٤﴾ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴿٦٥﴾ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴿٦٦﴾)

إن سورة الأنعام نموذج كامل للقرآن المكي الذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم ليحدثه عن قضية واحدة لا تتغير ولكن طريقة عرضها لا تتكرر ذلك أن الأسلوب القرآني يعرضها كل مرة  كأنه يعرضها للمرة الأولى إنها قضية الألوهية والعبودية  يتحدث مع الإنسان يفسر له سر وجوده ووجود هذا الكون المترامي الأطراف من حوله  وكيف ولماذا جاء وأين يذهب في نهاية المطاف  ومن ذا الذي يذهب به وما مصيره هناك؟  من الذي يجدد فيه ويغيره؟  ومع الكون أيضًا.

إن سورة الأنعام هي جزء من القرآن المكي  جاءت لتفصل قضية العقيدة لذلك كان موضوعها متصلا لم ينتقل فيها السياق من موضوع لموضوع  ولذلك نزلت جملة واحدة وكان نزولها مهيبا كما وصف الله صلى الله عليه وسلم عندما قال نزلت سورة الأنعام  سد ما بين الخافقين  ورسول الله يقول سبحان ربي العظيم سبحان ربي العظيم. إن هذا الكوكب والارتجاج  يرتج له الكون إنها زحمة  بهذه المشاهد والمتدافقة موجة  ما تكاد الموجة تصل إلى قرارها  ومتشابكة معها في الجرى المتدفق من هو الله؟ وما هو الدليل  هل هناك آلهة معه؟  كيف يريد أن نعبده؟  تولت الإجابة عنها إنها بحق سورة أصول الدين  موضوع العقيدة بكل مكوناتها وهي تأخذ بمجامع النفس البشرية  في ملكوت السموت والأرض  وتسرح في الجنات المعروشات  والجارية فيها وتقف على مصارع الأمم الخالية  وأسرار الغيب والنفس والحي يخرج من الميت  والحبة المستقرة  والنطفة المستقرة في ظلمات الرحم  والأولين والآخرين والموتى والأحياء  وأقطار الحسّ إنها دلائل القدرة الإلهية  في عرضها وأطالت النفس في وصفها  وأسمائه الحسنى لأن الإله  وتبذل في  وتسكن محبته شغاف القلوب لذلك كانت هذه السورة حديثا عن الله  فمرة تعرض آيات الله في الكون الدالة على عظمته وقدرته  وايعرف العبد مقدار ضعفه وعجزه  فيتعرف على خالقه فيحبه فيعبده.

(إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴿٩٥﴾ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿٩٦﴾ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿٩٧﴾ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴿٩٨﴾ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٩٩﴾ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ﴿١٠٠﴾ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿١٠١﴾ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴿١٠٢﴾ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴿١٠٣﴾)

ومرة بتذكير الإنسان بنعم الله التي أفاضها عليه وأنها نِعَمٌ هي محض فضلٍ من الله وليس استحقاقًا للإنسان على عمله فالله يُنعِم على المؤمن ليعبده ويشكره ويشعر بمنّته عليه وفضله وينعم على الكافر الجاحد لأوامر ربه بقصد توجيه تفكيره إلى هذا المنعِم فيستحي ويرعوي وينتهي عن عصيانه فيصطلح مع الله ويعود تائبًا إلى باب ربه، فكانت النعم أسلوب تربية يرتقي بها المؤمن ويتوب بها العاصي.

(وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴿١٤١﴾ وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴿١٤٢﴾ )

ومرة بعرض مشاهد القيامة من بعث وحشر وحساب وميزان وثواب وعقاب حيث تصوّر السورة بعض هذه المشاهد التي ستقع يوم القيامة وهو أسلوب ترهيب لمن لم ينفع معه الإنعام فيتوب العاضي ويتذكر المؤمن ويكون ذلك له بمثابة دافع يدفعه إلى زيادة رصيده من الأعمال مستعيذًا بالله من عذابه سائلًا له رحمته.

(وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿٢٦﴾ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٢٧﴾ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿٢٨﴾ وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴿٢٩﴾ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿٣٠﴾ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴿٣١﴾ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿٣٢﴾)

وتارة من خلال الحجج والبراهين التي تسوقها السورة ردًا على مزاعم الكفار وإسكاتًا لتلك الوساوس التي يوسوسها الشيطان في نفوس المؤمنين فيكون إيمانهم مبنيًا على أساس متين وآويًا إلى ركن شديد. وهي طريقة تعلّم الدعاة المؤمنين كيف يعلّمون غيرهم. إذ لا بد أن يكون التعليم مدعّمًا بالحجج والبراهين لترسخ المفاهيم فيؤمن القلب ويقتنع العقل فيبقى الإنسان متوازنًا بين عواطفه وقناعاته. وقد عرشت السورة قصة حوار إبراهيم عليه السلام مع قومه الذين عبدوا الكواكب والأصنام فأخبرهم أن الإله الذي يُعبد ويُتوكل عليه لا بد أن يكون حاضرًا لا يأفل ولا يغيب لكي يشعر العبد بحضوره معه وإعانته له.

(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴿٧٤﴾ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴿٧٥﴾ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ ﴿٧٦﴾ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ﴿٧٧﴾ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴿٧٨﴾ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٧٩﴾ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ﴿٨٠﴾ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨١﴾ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴿٨٢﴾ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴿٨٣﴾)

عالجت هذه السورة الكريمة قضية العقيدة الأساسية قضية الألوهية وقضية العبودية عالجتها بتعريف العباد برب العباد فأجابت عن كثير من الأسئلة التي احتار الإنسان قديمًا وحديثًا في أجوبتها  فعرّفت الإنسان بربه وبيّنت مصدر هذا الوجود وماذا وراءه من أسرار، هذه الحياة المنبثقة هنا وهناك، من بثّها في هذا الموات؟! هذا الماء الهاطل وهذا البرعم النابغ وهذا الحب المتراكب وهذا النجم الثاقب وهذا الصبح البازغ والليل السادل، هذا كله مَنْ وراءه؟ وتلك الأمم التي تذهب وتجيء وتهلك وتستخلف من يستخلفها ومن يهلكها؟ ولماذا يستخلفها ولماذا يهلكها؟ هكذا تطوف السورة بالقلب البشري في هذه الآماد والآفاق وفي هذه الأغوار والأعماق. إنها تهدف إلى تعريف الناس بربهم الحق لتصل من هذا العريف إلى تعبيد الناس بربهم الحق، تعبيد ضمائرهم وأرواحهم وتعبيد سعيهم وحركتهم وتعبيد تقاليدهم وشعائرهم وتعبيد علومهم إذ لا بد أن يكون كل ما يصل إليه الإنسان من علوم في شتى مجالاتها ومن اكتشافات واختراعات لا بد أن يكون ذلك كلمه منضويًا تحت عبادة الله فإن كان علمًأ يبني ولا يهدم، ينفع ولا يضرّ، يرضي الله ولا يغضبه تعمّق فيه الإنسان وأخرج كنوزه للبشرية وإن كان علمًا يفتك بالناس ويدمرهم ويجعل القوة بيد فئة من الناس لتبسط سلطانها على الناس فتظلمهم وتسخّرهم فهو علم يحذر المنهج الرباني منه، فما كل علم جائز وما كل شعور جائز وما كل تقليد جائز، إذ لا بد أن يدخل ذلك كله تحت مفهوم عبادة الله. ويكاد اتجاه السورة كله يمضي إلى هذا الهدف المحدد من أولها إلى آخرها فالله هو الخالق والله هو الرازق والله هو المالك وهو صاحب القدرة والقهر والسلطان وهو العليم بالغيوب والأسرار وهو الذي يقلّب القلوب والأبصار كما يقلب الليل والنهار. وسياق السورة يسوق على تلك القضية أدلته في تلك المشاهد والإيقاعات البالغة حد الروعة الباهرة والتي تواجه القلب بالحشود الحاشدة من المؤثرات الموحية من كل درب ومن كل باب حيث تأتي قاعدة العقيدة في ثنايا السورة معرّفة بالله عز وجلّ ثم يأتي عقبها مباشرة برهان عليها يطير بالنفس في هذا الملكوت العظيم ليلفت نظرها إلى جلال الخالق وعظيم قدرته ودلائل سلطانه.

ثم تختم هذه السورة وتطوى صفحتها بأمرين اثنين:

الأول: تلك الوصايا التي وصى الله عباده بها في آخر السورة والتي أطلق عليها المفسرون "الوصايا العشر" إذ لا بد من تعريف الناس بربهم، لا بد من بدء مباشرة بعملية العبادة التي يريدها الله من الناس كمًّا وكيفًا ولا بد من الالتزام بكيفيتها لأنه من العبادة أيضًا لأن حياة الجاهلية التي عاشها المسلمون قبل الإسلام لا زالت تريد أن تفرض سلطانها على القلوب فتحلل وتحرّم فلا بد من إزاحة هذا السلطان واستبداله بسلطان الله عز وجلّ على القلوب.

الأمر الثاني: أن تفصيل العقيدة في سياق السورة بهذا الشرح وهذا البسط جاء مكثّفًا في آخر السورة لتكون نهاية السورة بمثابة خاتمة لها تقرر تلك النتائج الباهرة التي وصل إليها سياق السورة حيث ختمت السورة بالحديث عن يوم القيامة يوم لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل وعن ضرورة عدم الاختلاف على الدين فلا نكون من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعًا لأن الله أعلن برآءة نبيّه من المتفرّقين وهذا يعني توحيد مصدر التلقي عن الله ورسوله. وأخبرت الآيات الأخيرة في سورة الأنعام عن الصراط المستقيم ملّة إبراهيم التي هدى الله إليها هذه الأمة وهي ملّة التوحيد والتوجه بالعبادة لله عز وجلّ وحده فقط وهذه المسألة هي رأس الاعتقاد التي جاءت هذه السورة لتفصيله وتقديم الأدلة على صحته وصدقه.

وختام السورة هو إعلان استخلاف هذه الأمة لتكون جديرة بعد هذه التربية الربانية أن تكون مسؤولة عن دعوة البشرية إلى الله سبحانه وتعالى، كل هذا تحت سمع الله وبصره وبين ثوابه وعقابه فإنه سريع العقاب وإنه لغفور رحيم.

 (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ﴿١٥٨﴾ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴿١٥٩﴾ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿١٦٠﴾ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٦١﴾ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٦٢﴾ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴿١٦٣﴾ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿١٦٤﴾ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٦٥﴾)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل