نظرات لغوية في القرآن الكريم - د. صالح العايد - 19

نظرات لغوية في القرآن الكريم حلقات إذاعية

 

د. صالح العايد

التفريغ لموقع إسلاميات حصريًا

(19)

إن النظم القرآني الفريد كان في غاية الإبداع وهو يزاوج بين الجمل الاسمية والجمل الفعلية، ويكون التعبير بإحداهما في سياق لا تنفع فيه الأخرى، فالاسم يدل على الحدث أو الحقيقة غير مقرونين بزمان، أما الفعل فيدل على الحدث أو الحقيقة مقرونين بزمان، وكل ما كان زمانيًا فهو متغير، والتغيّر يُشعر بالتجدد والحدوث؛ ولذلك فالجملة الفعلية تدل على التجدد والحدوث، أما الجملة الاسمية فتدل على الثبوت والدوام، وإذ عرفتم هذه القاعدة فتعالوا إلى هذه النظرات التي تؤيد ما قلت:

النظرة الأولى:

في قوله تعالى في الآية 14 من سورة البقرة: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ﴾، فالمتأمل في خطابي المنافقين يجد أنهم نوّعوا خطابهم؛ فخاطبوا المؤمنين بقولهم: "آمنا" وهي جملة فعلية تدل على التجدد والحدوث، لأنهم يعلمون أن المؤمنين المخاطبين بهذا الخطاب يُنكرون دعواهم الإيمان لِما عرفوه عنهم من النفاق ومخالفة أوامر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ونواهيهما، ولذلك أرادوا بخطابهم هذا وباستعمالهم الجملة الفعلية الدلالة على حدوث الإيمان في قلوبهم وتجدده فيها، وتحوّلهم عما كانوا عليه من الكفر والنفاق. ويجدهم خاطبوا إخوانهم الكفار واليهود بقولهم: "إنا معكم"؛ وهي جملة اسمية تدل على الثبوت والدوام على كفرهم، وأن إظهارهم الإيمان أمام المؤمنين كان للتعمية والخداع وليس حقيقيًا، والتعبير بالجملة الاسمية نوع من أنواع التأكيد.

وإذا تأملنا الآية مرة أخرى نجد أن خطابهم المؤمنين ورد غير مؤكد بمؤكدات مع أن المؤمنين يشكّون في إيمانهم، ونجد أن خطابهم لإخوانهم الكافرين مؤكد بمؤكدين هما: الجملة الاسمية و"إنَّ"، مع أن ظاهر الحال يدل على أن إخوانهم الكفار لا يشكّون في بقائهم على دينهم، وكان مقتضى الحال يقضي بأن يعكسوا في كلامهم؛ فيؤكدوا خطابهم للمؤمنين ولا يؤكدوا خطابهم لقومهم، فما السرّ فيما جرى عليه الكلام في الآية؟ الجواب عن ذلك: أنه جرى على خلاف مقتضى الظاهر لمراعاة ما هو أجدر بعناية البليغ من مقتضى الظاهر، فخلوّ خطابهم للمؤمنين عما يفيد تأكيد الخبر لأنهم لا يريدون أن يعرضوا أنفسهم في معرض من يتطرق ساحته الشك في صدقه، فهم لو فعلوا ذلك لأيقظوا المؤمنين ونبهوهم إلى الشك فيهم وذلك من إتقان نفاقهم، على أنه قد يكون المؤمنون أخلياء الذهن من الشك في نفاقهم لعدم تعيّنهم عندهم، فيكون تجريد الخبر من المؤكّدات هو مقتضى الظاهر. وأما قولهم لقومهم: "إنا معكم" بالتأكيد فذلك لأنه لما بدا من إبداعهم في النفاق عند لقاء المسلمين ما يوجب شك كبرائهم في البقاء على الكفر فطرقت التهمة أبواب قلوبهم احتاجوا إلى تأكيد ما يدل على أنهم باقون على دينهم، هكذا قال ابن عاشور في تفسير "التحرير والتنوير".

النظرة الثانية:

في قوله تعالى في الآيتين 18 و 19 من سورة ص: ﴿ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ (19)﴾، حيث عبّر عن تسبيح الجبال بالفعل "يسبحن" وعن حشر الطير بالاسم "محشورة"، فالتعبير بالفعل عن تسبيح الجبال للدلالة على حدوث ذلك منها شيئًا بعد شيء وحالًا بعد حال، ليتصور السامع للآية كأنه يسمع تسبيح الجبال، وأما التعبير بالاسم عن حشر الطير فلأنه أراد كون الطير محشورة جملة واحدة، لا أنها تُحشر مرة بعد أخرى، فقد كانت محشورة لداود عليه السلام في كل وقت يأمرها حيث شاء.

النظرة الثالثة:

في قوله تعالى في الآية 18 من سورة الكهف: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾، فظن الناظر إلى أصحاب الكهف أنهم إيقاظ يتجدد عندما يعيد النظر فيهم مرة بعد أخرى، ويرى من هيئتهم وحالهم ما يدل على ذلك، ولتجدد الظن والحسبان عنده عُبِّر عنه بالفعل "تحسبهم"، ولثبوت رقودهم ودوامه وعدم استيقاظهم منه عبر عنه بالجملة الاسمية وهي قوله: ﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾، وفي هذه الآية أيضًا جملة فعلية وأخرى اسمية؛ فعبّر عن تقليب أصحاب الكهف يمينًا وشمالًا بالجملة الفعلية: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ لتكرار حصوله مرة بعد مرة منعًا من تآكل أجسادهم، وعبّر عن بسط الكلب ذراعيه لثبوته ودوامه عليه بقوله: ﴿وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ أي بالجملة الاسمية التي تدل على ذلك.

أما قوله: ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ أي الجهة ذات اليمين والجهة ذات الشمال. والإتيان بذات التي هي بمعنى صاحبة دون أن يقول: ونقلبهم يمينًا وشمالًا فلأن المقصود أيمانهم وشمائلهم، ولو جاءت منكرة لما تحددت والله أعلم.

أما تكرار كلمة ذات حيث قال: ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ مع إمكان أن يقال في غير القرآن الكريم: قلّبته ذات اليمين والشمال؛ فلأن المدة بين التقليبين طويلة حتى قال بعض المفسرين إنها سنة، وقيل تسع سنوات والله أعلم.

 

ثم أخيرًا تأملوا تكرار كلمة "منهم" في قوله تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ فتكرار الجار والمجرور "منهم" للدلالة على هول منظرهم وللتأكيد على أن الرعب يكون بسبب رؤيتهم على تلك الحالة لا بسبب وحشة المكان الذي هم فيه والله أعلم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل