مع القرآن - قصة سليمان والهدهد - 1

مع القرآن

قصة سليمان عليه السلام مع الهدهد في سورة النمل - 1

د. عيسى الدريبي

(فقرة مع القرآن في برنامج الرسالة اليوم)

تفريغ صفحة إسلاميات حصريًا

قصة أحد جند سليمان عليه السلام: الهدهد وفوائد مستنبطة من آيات القصة.

في حلقة سابقة أشرنا إلى قصة سليمان عليه السلام في سورة النمل وجرى الحديث عن قصته مع نوع من أنواع جنوده وهي تلك النملة الصغيرة وأخذنا منها الدروس العبر وكيف كانت النملة أستاذة في فنون متعددة. في حلقتنا هذه نتحدث عن نوع آخر من جنود سليمان الذي اختصه الله سبحانه وتعالى بملك عظيم فآتاه الله من الملك ما لم يؤتاه أحد من بعده فآتاه الله جنوده من الإنس والجن والطير حشروا له في مكان واحد واليوم نتحدث عن عظمة هذا الملك في مقابلة جند من جنوده الصغار وهو الهدهد ودوره الهام جدًا في بيان ما لم يكن يعلمه سليمان عليه السلام.

(وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ﴿٢٠﴾ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴿٢١﴾ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ﴿٢٢﴾ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴿٢٣﴾ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴿٢٤﴾ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴿٢٥﴾ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴿٢٦﴾ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿٢٧﴾ اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ﴿٢٨﴾ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ﴿٢٩﴾ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٣٠﴾ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴿٣١﴾ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ﴿٣٢﴾ قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ﴿٣٣﴾ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴿٣٤﴾ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ﴿٣٥﴾ فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ﴿٣٦﴾ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴿٣٧﴾ قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴿٣٨﴾ قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ﴿٣٩﴾ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴿٤٠﴾ قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ ﴿٤١﴾ فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ﴿٤٢﴾ وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ ﴿٤٣﴾ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٤٤﴾)

بدأت الآيات من قول الله تبارك وتعالى (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ﴿٢٠﴾) وهنا سليمان يفتقد أحد جنوده الطير ويفتقد منهم الهدهد والمفسرون يبحثون لماذا افتقد الهدهد بالذات ويذكر في بعض الروايات الإسرائيلية لم تثبت أن سليمان نزل في مكان فاحتاج إلى الماء وذكروا أن الهدهد له خاصية معينة في كشف مكان المياه، الشاهد أن القصص القرآني في الجملة لا يذكر على الأسماء والمسميات التي ليس لها أثر في العبرة. هنا الآيات رزكزت على ما فيه العبرة (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ﴿٢٠﴾) وهنا سليمان عليه السلام مع ضخامة الجند وكثرتهم يستشعر المسؤولية أن ولاه الله عز وجلّ عن رعيته ومن تحت يده وإلا لكان بإمكان هذا الطير الصغير أن يغيب في خضم هذا الجيش الضخم من الجن والإنس والطير والعدد الهائل من الجند. هذه الآية تعلمنا الإحساس بالمسؤولية إذا كان الإنسان مسؤول عن رعية عن بيت عن مجموعة عن وظيفة أي مسؤولية يكلف بها سواء مسؤولية وظيفية أو أهلية فهو مسترعى فيها ومسؤول عنها وهذه الآيات تشير إلى هذا المعنى العميق وهي مسؤولية الإنسان عن من ولاه الله عز وجلّ إياهم.

سليمان تفقد الطير (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ﴿٢٠﴾) وهذه الآية تشير إلى عدم الاستعجال في الحكم، مباشرة لم يصدّر سليمان عليه السلام أنه متخلف وغير موجود وإنما قدّم العذر له ربما لم يره لأنه طير صغير أو ضاع في خضم الجند الضخم، وهنا ملمح مهم جدًأ وهو أن الإنسان الأصل أن يقدم العذر لأخيه إن افتقده. كثير منا يُدعى إلى مناسبات واجتماعات وقد يغيب أحدهم لسبب أو لآخر فينبغي أن يقدّم العذر له. قبل أن يحكم عليه أنه غائب قال سليمان (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ﴿٢٠﴾) قال (لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴿٢١﴾) بدأ بقضية أنه سيعاقبه سواء كان هذا العقاب الذبح أو عذاب شديد واختلف المفسرون في معنى العذاب الشديد وإن كانت الآية أطلقت ولم تقيّد وقال البعض أن العذاب الشديد هو نتف ريشه. أو ليذبحنه جزاء لتخلفه أو (أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) ليأتيني بسلطان يبين سبب غيابه في هذا اليوم وهذا أيضًا درس آخر مهم في الآية وهو أن الإنسان وقد جاءك بعذر وقد غاب لسبب من الأسباب فالأولى أن تقبل عذره وهذا أمر مهم جدا في حياتنا الاجتماعية فالإنسان قد يُدعى لمناسبة ويغيب لسبب من الأسباب فالمطلوب أن يبين الإنسان سبب غيابه. سليمان عليه السلام قال لأذبنحنه أو ليأتيني بسلطان مبين يعفيه من الذبح والعقاب.

سليمان نبي وكونه يذبح الطير أو يعذبه عذابا شديدا، الأنبياء في مثل هذه التصرفات لا يتصرفون كبشر إنما يتصرف كمُلهم نبي أوحى الله إليه ولهذا احتاط إما كذا إما كذا.

انتقل المشهد من مشهد سليمان يتفقد الطير ويسأل عنه ويعلم أنه غائب وإذا ما أتى الهدهد بدليل سيعذب أو يُقتل، ينقلنا السياق القرآني إلى مشهد الهدهد ومن حديث سليمان إلى الحديث عن الهدهد (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ﴿٢٢﴾) منطق قوي واثق من هذا الطير الصغير أمام الملك الضخم فيقول (أحطت) كلمة دقيقة جدًا في التعبير (فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ) ليس فقط اطلعت على الأمر بل جئتك من سبأ مكان هذه الملكة التي ذهب إليها بنبأ يقين حقيقي أنا اطلعت عليه. وهذه الآية فيها ملمح مهم جدًا وهي أن الإنسان مهما كان صغيرا قد يكون عنده من العلم ما لا يوجد عند الكبير وهذا يعلمنا أن لا نستكثر أن نتعلم ممن هو دوننا علما أو رتبة هذا طائر صغير جاء بمعلومة جهلها سليمان وهو ملك ونبي عظيم، طائر صغير يملك موهبة الطير ذهب واطّلع على هذا الأمر وجاء بمنطق الثقة قال لسليمان (فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) ثم بدأ يشرح هذه القضية ويبين سبب تخلّفه.

ذكر الهدهد أنه أحاط بالخبر وسيفصل لسليمان الخبر الذي اطلع عليه ولم يعلمه سليمان (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) ليس من كل شيء مطلقا وإنما من كل شيء يصلح للملوك فكان ملكها عظيما (وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ) كان لها سرير الملك الذي تجلس عليه شيء ضخم وهذا الذي جاءت الإشارة إليه في الآيات (صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ) ليبين عظمة الملكة ثم ذكر الإشكال الذي أراد أن يطلع سليمان عليه وهو الخبر العظيم قال (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴿٢٤﴾) ذكر أن هؤلاء القوم انحرفوا عن الحق الذي تدعو إليه أنت يا سليمان انحرف هؤلاء وأصبحوا يعبدون أحد مخلوقاته وهو الشمس. وهنا نرحظ أن هذا الطائر غار على التوحيد الذي جعله يترك سليمان ويترك المجمع الضخم ثم يذهب ويأتي بهذا الخبر هو حرصه على التوحيد وجد أن هؤلاء يخلّون بأهم شيء وهو توحيد الله عز وجلّ وأنهم انحرفوا عن عبادة الله إلى شيء من مخلوقاته. وهذا الطائر يتكلم بلسان التوحيد أولا، التوحيد أولًا هو الذي يجب أن يُدعى إليه، التوحيد أولًا هو الذي يجب أن يُغار عليه، التوحيد أولًا هو الذي ينبغي أن نهتم به في حياتنا فإذا استقام استقامت كل الأمور وإذا اختل والعياذ بالله (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم).  ثم ذكر العقيدة الصحيحة واستنكر عليهم (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴿٢٥﴾) المفسرون يقولون الخبء في السماء المطر الذي ينزل منها والخبء في الأرض أرزاقها وكنوزها وربما هنا إشارة إلى كلمة الخبء كما ذكر أن هذا الطير له قدرة على اكتشاف المياه فهنا يقول إن الله هو القادر على أن يخرج المخبوءات في السماء والأرض ومن كان هكذا فهو الأحق أن يُعبد سبحانه وتعالى وأكد على هذا فقال (ويعلم ما تخفون  تعلنون) ثم ذكر شهادة التوحيد وبعض المفسرين يقول من تمام كلام الهدهد وبعضهم يقول هذا كلام الله (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) وهنا انتهى الهدهد من بيان سبب غيابه. ونلحظ هنا أدب سليمان في الحوار، استمع للهدهد حتى انتهى من كلامه ويبين به ويقر حقيقة التوحيد، هذا أدب مهم نحن من أحوج الناس له في حواراتنا ومخاطباتنا، يبدأ أحدنا بالحوار فتجد من يقطع كلامه!.

قال سليمان (قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿٢٧﴾) بعد أن استمع له لم يكذبه سليمان ولم يصدقه وهذه قضية عظيمة كيف تخفى على مثل هذا الملك العظيم أن في أطراف مملكته في سبأ ملكة عظيمة ولها عرش عظيم ويسجدون للشمس من دون الله، فهنا قرر سليمان مبدأ التأكد والتثبت وعدم الاستعجال في الحكم سواء تصديقا أم تكذيبا (قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿٢٧﴾) ثم أعطاه دليل ليتبين لسليمان صدق الهدهد من كذبه (اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ﴿٢٨﴾) وورد في بعض التفاسير لعله من الإسرائيليات أنه ألقاه في كوة كانت تدخل منها الشمس إلى مملكة سبأ، الشاهد القرآن لا يقف عند هذه التفاصيل (اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ﴿٢٨﴾) مهمة الهدهد الذهاب بالكتاب إلى ملكة سبأ وسليمان يعرف ديدن الملوك في التعامل مع هذه الخطابات وهنا استخدم سليمان هنا أحد أساليب الدعوة وهو أسلوب المكاتبات والمخاطبات ولكل عصر مخاطباته وأسلوبه، وسليمان عرف ما الذي يؤثر في مخاطبة الملوك فأرسل خطابًا.

اكتشفت ملكة سبأ الخطاب (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ) قالت كتاب كريم لأنه واضح عليه ديباجة الملوك ويبدو أن استفتاحه بالبسملة كان مؤثرا بالنسبة لها، (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ) الملأ أشراف القوم، مجلس الشورى المحيط بها الذين تستشرهم دائمًا (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ) ثم قرأت الكتاب (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٣٠﴾) وهنا ذكرت التسمية والعلماء يقولون أن هذه الآية الوحيدة التي ذكرت البسملة كآية وسط السور ونحن مأمورون أن نقتدي بسليمان عليه السلام في مخاطباتنا والنبي صلى الله عليه وسلم كل عمل لا يبدأ ببسم الله فهو أبتر. الكتاب مختصر (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ﴿٢٩﴾ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٣٠﴾ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴿٣١﴾) مسلمين أي خلضعين. إيجاز وإبداع في الإيجاز وإيصال الرسالة بشكل مختصر ومحدد. هنا ملكة سبأ لا تستبد برأيها ليست كفرعون الذي قال (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) هذه الملكة كانت تؤصل لمبدأ الشورى وأخذ الرأي من وجهاء القوم فلم تستبد برأيها وهي بيدها الملك (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي) أفتوني ليس مقصود بها الفتيا وإنما أشيروا عليّ ثم أكدت أنها امرأة ديموقراطية في الحكم (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ﴿٣٢﴾) توافقونني وتعطوني رأيكم والملأ لم يخذلوها لأنهم يعرفون أنها ملكة تقدر أقوالهم وتحترم رأيهم (قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ﴿٣٣﴾) نحن أناس جبارون نستطيع أن نمضي معك والأمر إليك فوضوها، هي أبدت وجهة نظرها (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴿٣٤﴾) الملوك الذين يغزون البلدان خشيت أن سليمان رجل ملك عظيم وإذا جاء سيقضي على الملك ويصبح هو الحاكم ويجعل أعزة أهلها أذلة. وهنا أيضًا هي تختبر سليمان الذي أرسل لها الخطاب اختبار الملوك لتعلم ماذا يريد (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ﴿٣٥﴾) قالت لو لم يكن نبيا قبل الهدية وربما يصبح بينهم تبادلا أما لو كان نبيا فله رأي والنبي يريد إقامة شرع الله لا يريد مداهنات!

هنا انتهى الحديث عن الملكة ومشاورتها وانتقل الحديث إلى سليمان جاءته الهدية (فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ﴿٣٦﴾ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴿٣٧﴾) عرف سليمان أن هذا اختبار له ثم أراد سليمان أن يبين لهذا المرأة أنه نبي وليس ملكًأ يريد ملكًا فطلب من جنوده معجزة هائلة (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) فقام عفريت من الجن فقال أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك، ما تقوم إلا والعرش أمامك يأتي به من مملكة سبأ، جاء الذي عنده علم الكتاب قال أكثر (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) وهنا يتبين مدى أهمية العلم، ونحن في عصرنا الحاضر قرّب البعيد وتسهيلات الحياة بسبب العلم وهذه الآية تشير إلى أهمية العلم.

 

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل