بلاغة آية وحديث - الحلقة 41 - (حم ﴿١﴾ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿٢﴾ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ﴿٣﴾)

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 41

في هذه الحلقة نأخذ آية من سورة الدخان في قوله تعالى (حم ﴿١﴾ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿٢﴾ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ﴿٣﴾ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴿٤﴾ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴿٥﴾ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٦﴾) هذه الآيات المتتالية في سورة الدخان تتحدث عن الليلة المباركة ليلة القدر والله سبحانه وتعالى أخبر أنه أنزلها فيها وهنا نأتي في بلاغة القرآن الكريم بلاغة الوصف وما يسميه البلاغيون التقييد بالوصف عندما قال الله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ) (ليلة) تنكيرها هنا للتعظيم ثم وصفها بأنها مباركة فزادت عظمة التنكير في قوله (ليلة) ليست كالليالي زاد التنكير بالوصف فقال (مباركة) إذن هذه الليلة العظيمة الفخمة المفخمة المعظمة هي مباركة ولذلك قال الله في ختام الآية (إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) وكأن إنزال القرآن يتناسب مع الإنذار بل هو لبّه وروحه، يعني أن القرآن مرتبط بالإنذار، ذكِّر به، أنذِر به، خوّف به، هذه هي ثمرة القرآن الكريم للعمل، للإنذار، للتخويف، للموعظة، يوعَظ الإنسان بالقرآن ولذلك قال الله (إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ).

ثم رجع إلى الليلة العظيمة الشريفة فقال (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) وهذا القدر السنوي كما يسميه علماء الشريعة رحمهم الله أن القدر يُحكَم ويفصّل في ليلة في السنة هي ليلة القدر فيكتب فيها سبحان الله آجال الناس ومن الذي سيموت هذا العام ومن الذي سيرزق، هذا قدر سنوي لله سبحانه وتعالى وهناك قدر يومي (كل يوم هو في شأن) وهناك قدر عام قبل أن يخلق السموات والأرض كتب الله مقادير كل شيء لكن في ليلة القدر هناك الأمر الذي يُفرق كل سنة، وهذا الأمر ليس من أي أحد وإنما (أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا) هنا نرجع إلى ما يذكره علماؤنا الأجلاء التقييد بقوله (مِنْ عِنْدِنَا). (إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) الإنذار بالقرآن يستوجب الإرسال ولذلك أنذر الله فأنزل القرآن فأرسل الرسول، هذه المنظومة العجيبة في الآيات الكريمة المتوالية تدلنا أن هذا الكتاب ليس من عند أحد بشري مهما كان وإنما هو من عند الله سبحانه وتعالى.

ثم قال الله إن ليلة القدر وإن إنذارنا وإن إرسالنا الرسل كل ذلك داخل في رحمتنا ولذلك قال الله (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) وهنا سياق الآية كما يذكر البلاغيون (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ) (إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) (إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) قال سياق الآية أن يقول: رحمة منا، المتكلم الله سبحانه وتعالى ولكن التفت أيضًا قال (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) حتى يشرّف الله عبده محمد صلى الله عليه وسلم بالإضافة فقال ربك أنت يا محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي أرسلك، هو الذي أنذر الآخرين، هو الذي جعل ليلة القدر، وهو الذي أنزل فيها القرآن الكريم. ربك أنت، فإنه رب عظيم يستحق الحمد والشكر سبحانه وشرف لهذا النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون اللهُ ربَّه جلّ جلاله إذن الأمر من عند الله والرسل من عند الله والإنذار من عند الله وأنت عبد لله وهو ربك فهذا شرف وأيّ شرف ولذلك دخلت الرحمة في هذه الآية مدخلًا عظيمًا لا يمكن أن يُحَدّ.

بلاغة حديث

استكمال للحديث الذي رواه الإمام مسلم في قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي "يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي سنأخذ الشق الأول وهو بعد قوله (يا عبادي) أخذنا ما يتعلق بالنداء والتوكيد وكلمة عباد ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله (إني حرّمت الظلم على نفسي) الله أكبر! الله جلّ جلاله يقول "إني حرّمت الظلم على نفسي" جاءت كلمة (حرّمت) بصيغة الفعل الماضي والفعل الماضي يدلّ على تحقق الوقوع يعني الأمر انتهى، المسألة محسومة، الظلم محرّم على الله، حرّم وانتهى. لم يقل في تركيب الحديث إني سأحرّم الظلم أو إني سوف أحرّم الظلم أو إني أحرّم الظلم، قال "إني حرّمت" يعني انتهى الأمر كما جاء في الحديث الآخر رُفِعت الأقلام وجفّت الصحف، إذن الظلم محرّم على الله سبحانه وتعالى. هذا ما يتعلق بدلالة الفعل الماضي. أما ما يذكر علماء البلاغة من أن الكلمة إذا زادت في بنيتها وفي الشدّة التي تكون على بعض حروفها يزيد في معناها كما قيل في القاعدة اللغوية النحوية: الزيادة في المبنى تدل على زيادة في المعنى. قال حرّمت بصياغة التضعيف وكأن الأمر محرّم قطعي وهو كذلك. (حرّمت الظلم) جاءت الألف واللام في ظلمة الظلم كما يقول النحويون للاستغراق حتى يشمل كل ظلم، الله حرّم الظلم كل الظلم، كل ظلم فهو محرّم على الله كما جاء في الآيات الكريمة (وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) [ق: 29] (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ) [غافر: 31] (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ) [آل عمران: 108] (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) [فصلت: 46] (نَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا) [يونس: 44]. إذن الظلم بكل أنواعه وأشكاله محرّم.

ثم قال الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي (على نفسي) هنا فيه توكيد عجيب أن الظلم الله سبحانه وتعالى حرّمه على نفسه الشريفة العالية، الله سبحانه وتعالى حرّم بنفسه حرم الظلم على نفسه وفي ذلك عجب حتى قال ابن دقيق العيد رحمه الله في شرح الأربعين النووية قال بعض العلماء في معنى قوله (حرمت الظلم على نفسي) يعني لا يجوز لي أن أظلم ولا ينبغي لي أن أظلم كما قال (وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴿٩٢﴾ مريم) يعني لا يجوز له، والظلم محال بحق الله سبحانه وتعالى.

 

ومن اللطائف ما ذكر بعض العلماء أنه قال لا يجوز أن يسأل أحد الله في الدعاء فيقول: يا رب ثم يدعو أن فلانًا يظلم فلانًا أو أنه هو يظلم فلانًا قال بأن الله حرمه على نفسه فمن باب الأولى أن يحرّم هو أن يظلم عبدًا لأجل عبد آخر فهذا لا يكون. ثم قال الله سبحانه وتعالى في تكملة الحديث "إني حرمت الظلم" كل الظلم، جاء في شرح الأربعين النووية للعلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين عليه رحمة الله تعالى في قوله "حرمت الظلم على نفسي" أي منعته مع قدرتي عليه وهذا عجيب استنباط الشيخ العثيمين رحمه الله، حرّمته مع قدرتي عليه. قال لماذا قلنا "مع قدرتي عليه"؟ لأن الإتسان لا يُمدح بالذي لا يملك، يأتي رجل يقول والله فلان ما يظلم الملك أو ما يظلم الوزير، هو ما يستطيع أصلًا أن يظلمه! لأنه ضعيف أو طالب في المرحلة الابتدائية نقول هذا الطالب الصغير لا يستطيع أن يضرب مديره، هذه ليست مدحًا لأنه أصلًأ لا يملك ولكن الله يملك ويقدر أن يظلم ومع ذلك لا يظلم فالجواب لو سألنا أحد وقال: هل يقدر الله أن يظلم الناس؟ الجواب كما يقول ابن عثيمين رحمه الله: نعم يقدر ولكنه لا يظلم لأن ذلك مستحيل على الله بخبره الذي قال (ولا يظلم ربك أحدا).





التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل