نظرات لغوية في القرآن الكريم - د. صالح العايد - 18

نظرات لغوية في القرآن الكريم حلقات إذاعية

 

د. صالح العايد

التفريغ لموقع إسلاميات حصريًا

 (18)

هذه الحلقة ستكون امتدادًا للحلقة السابقة التي خصصتها للحديث عن تضمين الأفعال معاني أفعال أخرى.

النظرة الأولى:

في قوله تعالى في الآية 31 من سورة الأحقاف: ﴿ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، قوله: ﴿ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ ليست (من) هنا بمعنى (بعض)، لأن الحديث عن جزاء الإيمان بالله وترك الكفر، والانتقال من الكفر إلى الإيمان يمحو الذنوب كلها التي وقع فيها صاحبها قبل إيمانه، ويدلّ على ذلك ما عطف الله عليه بعده حيث قال: ﴿وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ والإجارة من عذاب الله لا تكون إلا بعد غفران الذنوب كلها، فدل هذا كله على أن التبعيض غير مقصود بالآية، إذًا فلماذا عدّى الفعل "يغفر" بحرف الجر "من"؟ مع إمكان أن يعديه بنفسه وقد ورد كذلك في آيات أخرى كقوله: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [سورة آل عمران:31]؟ فالجواب أن الفعل يغفر لكم في سورة الأحقاف ضُمّن معنى يُنقذكم ويًخرجكم منها، قال أبو القاسم السهيلي رحمه الله: لا يكون ذلك في القرآن إلا حيث يُذكر الفاعل الذي هو المذنِب، نحو قوله: لكم. لأن المنقَذ والمخرَج من الذنوب، ولو قلت "يغفر من ذنوبكم" دون أن تذكر الاسم المجرور لم يحسن إلا على معنى التبعيض، لأن الفعل الذي كان في ضمن الكلام وهو الإنقاذ قد ذهب بذهاب الاسم الذي هو واقع عليه. انتهى كلامه رحمه الله.

وقوله تعالى: ﴿مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أليم أبلغ من مؤلم، لأن مؤلم يجوز أن يكون قد آلم ثم زال الألم، أما أليم فيدل على ملازمة الألم وعدم انقطاعه.

النظرة الثانية:

في قوله تعالى في الآية 12 في سورة الصف: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ لو أن سائلًا سأل فقال: لماذ حذفت (من) في هذه الآية؟ (يغفر لكم ذنوبكم) ولم تكن كآية سورة الأحقاف الآنفة الذكر، لقلنا: إن آية الأحقاف تخص الكافرين وقد بينت دلالتها على الإنقاذ، أما آية سورة الصف فهي إخبار عن ثواب المؤمنين الذين قد سبق إنقاذهم من الكفر وذنوبه بالإيمان، ثم وعِدوا على الجهاد بغفران ما اكتسبوا في الإسلام من الذنوب، وهي غير محيطة بهم كإحاطة الكفر المُهلِك بالكافر، فلم يتضمن الغفران معنى الاستنقاذ، إذ ليس ثمة إحاطة من الذنب بالمذنب، وإنما تضمّن معنى الإذهاب والإبطال للذنوب لأن الحسنات يذهبن السيئات، كذا قال ابن القيم في كتابه "بدائع الفوائد".

أما قوله تعالى: ﴿ إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) البقرة﴾، فإن من في قوله: ﴿ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ﴾ للتبعيض، لأن الصدقة لا تذهب جميع الذنوب بل بعضها.

النظرة الثالثة:

في قوله تعالى في الآية 71 من سورة طه: ﴿ قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾، الصلب يكون على جذوع النخل لا فيها، فـ(صلب) تتعدى بحرف الجر "على" لا "في"، لأن "في" تفيد الظرفية، أما "على" فتفيد الاستعلاء، ومجيء "في" ها هنا لأن الجذع للمصلوب بمنزلة القبر للمقبور، فكما يقال: قُبِر الميت في قبره، قيل: صلب المصلوب في الجذع. وقيل: إنما آثر استعمال "في" للإستشعار بسهولة صلبهم وأنه لا يكلفه عناء ولا مشقة، بخلاف ما لو استعمل "على" التي تدل على ارتفاع يُحتاج فيه إلى تحرك وصعود إلى فوق.

وذكر أبو حيان رأيًا آخر فقال: وقيل: نقر فرعون الخشب وصلبهم في داخله، فصار ظرفًا لهم حقيقة حتى يموتوا فيه جوعًا وعطشًا.

النظرة الرابعة:

في قوله تعالى في الآية 187 من سورة البقرة: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾، يقال: رفث فلان بزوجه أو معها، ولا يقال: رفث إليها، أما في الآية الكريمة فإنه ضمن رفث معنى "أفضى" وهي تتعدى بـ(إلى)، تقول: أفضى فلان إلى زوجه، والتضمين هنا أفاد صحة الرفث والإفضاء إلى الزوجة ليلة الصيام. والرفث هو كلام متضمن لما يستقبح ذكره من ذكر الجماع ودواعيه، أما الإفضاء فهو المباشرة والجماع، ولذلك لو لم يعدّى الرفث بإلى لتبادر إلى الذهن حِلّ ذكر الجماع ودواعيه دون مباشرته؛ فتأملوا أسرار العربية والبيان القرآني العظيم!

النظرة الخامسة:

في قوله تعالى في الآية 235 من سورة البقرة: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾، الفعل "يعزم" يتعدى بواسطة حرف الجر "على"، أما تعديته بنفسه في هذه الآية ونصبه عقدة على أنه مفعول به، فلأنه ضُمّن معنى فعل آخر هو "لا تنووا"، ويؤيده قوله تعالى بعد ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾، فيكون معنى الآية: لا تعزموا ولا تنووا عقدة النكاح، وهي ما به يتم ويصح حتى تنقضي العدة. وقيل: إن قوله "لا تعزموا" ضُمّن معنى "لا تعقدوا"، وقيل: إن الفعل بمعناه الاصلي وقد حذف حرف الجر الذي به تعدى الفعل، والتقدير: ولا تعزموا على عقدة النكاح، كقول عنترة بن شداد:

ولقد أبيتُ على الطوى وأظّله   حتى أنال به كريم المأكل

 

قوله: وأظله أصله وأظل عليه، فحذف حرف الجر وعدّى الفعل بنفسه والله أعلم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل