نظرات لغوية في القرآن الكريم - د. صالح العايد - 17

نظرات لغوية في القرآن الكريم حلقات إذاعية

 

د. صالح العايد

التفريغ لموقع إسلاميات حصريًا

 (17)

سوف أخصص هذه الحلقة للحديث عن التضمين في القرآن الكريم، إن الأفعال اللازمة يمكن أن تتعدى إلى مفعولها بوساطة حرف الجر، مثل أن تقول: نظرت بطرف خفي، فتعدّي الفعل نظر بالباء أو بـ(إلى)، كأن تقول: نظرت إلى الجبال، فإذا قلت نظرت من طرف خفي، فعديته بمن دون الباء أو إلى، فبعض النحاة يقول إن (من) ضمنت معنى الباء، وهؤلاء الذين يقولون بتناوب حرف الجر عن بعضها، وقال غيرهم إن الحرف لا يضمّن معنى حرف آخر، ولكن العامل فيه هو الذي يضمّن عامل آخر يتعدى بذلك الحرف، فيكون في ذلك دليل على الفعلين، أحدهما بالتصريح به والثاني بالتضمّن والإشارة إليه بالحرف الذي يقتضيه مع غاية الاختصار.

ومثل الفعل اللازم الفعل المتعدي بنفسه حين يستعمل متعديًا بوساطة حرف الجر، فيكون مضمنًا معنى فعل آخر، مثل قول الإمام: سمع الله لمن حمده، فقد عدّى الفعل سمع إلى مفعوله "من حمده" باللام، مع إمكان أن يقول: سمع الله من حمده، والسبب في ذلك أنه ضمن معنى سمع استجاب، واستجاب تتعدى بوساطة حرف الجر اللام، فكأنه قال: سمع الله واستجاب لمن حمده، وهذا يؤيده قول القائلين إن التضمين يكون في الفعل لا في الحرف، لأن وجود الحرف هنا غير جائز أصلًا لو لم يُشرب الفعل معنى فعل آخر. والآن إليكم هذه النظرات الطريفة في التضمين:

النظرة الأولى:

في قوله تعالى في الآية 19 من سورة الملك: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾، (رأى) الأصل في معناها إذا كانت بصرية الرؤية دون قصد مسبق، أما (نظر) فالأصل في معناها الرؤية المقصودة، فتقول: نظرت إلى القمر ورأيته، فالأول جاء بعد قصد النظر إليه والثاني جاء دون قصد، قال الراغب الاصفهاني في المفردات: إذا عُدّي (رأيت) بإلى اقتضى معنى النظر المؤدي إلى الاعتبار. وفي هذه الآية الكريمة قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ﴾ فضمن لم يروا معنى لم ينظروا، والدليل تعدي الفعل بـ(إلى)، لأن المقصود والله أعلم رؤية الطير قاصدين أو غير قاصدين، وكأنه يقول انظروا إليها معتبرين. وفي هذه الآية تنبيهات أود الإشارة إليها بإيجاز:

1.    التنبيه الأول: قوله ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ هذا القول مكون من: همزة الاستفهام وواو العطف والفعل المجزوم بـ(لم)، والمعطوف عليه مقدر، والتقدير: غفلوا ولم يروا، وحذف المعطوف عليه يكثر في مثل هذا الأسلوب.

2.    التنبيه الثاني: فائدة قوله: ﴿ فَوْقَهُمْ﴾ طلب النظر والاعتبار فيها في حالة طيرانها، لأنها إذا لم تكن في حالة الطيران فلا بسط فيها ولا قبض، وأمكن اصطيادها بسهولة، أما إضافة كلمة (فوق) إلى الضمير (هم) فقال: ﴿ فَوْقَهُمْ﴾ ليدل على قربها منهم، وأنه لا يطلب منهم الاعتبار بشيء بعيد عنهم وعسير عليهم بلوغه.

3.    التنبيه الثالث: التعبير عن بسط الأجنحة بالاسم "صافات" وعطف القبض عليه بالفعل "يقبضن" لأن الطيران أكثره بسط للأجنحة وقبضها قليل لا يلجأ إليه الطائر إلا عندما يهمّ بالهبوط، فكأن الأصل في الطيران البسط فعبّر عنه بالاسم؛ لأن الاسم يدل على الثبوت والدوام، وبما أن القبض فرعٌ عليه يتجدد عند الحاجة عبّر عنه بالفعل الذي يدل على التجدد والحدوث.

4.    التنبيه الرابع: مجيء اسم الجلالة الرحمن من بين أسماء الله الحسنى في قوله: ﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ إشارة لطيفة إلى رحمة الله تعالى بهذه الطيور حيث خلقها على هيئة تمكنها من السلامة من الأذى في الطيران والبعد عن مواطن الخطر.

النظرة الثانية:

في قوله تعالى في الآية السادسة من سورة الإنسان: ﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ قال: ﴿ يَشْرَبُ بِهَا﴾ والمعروف أن شرب يتعدى بحرف الجر (من)، ولكنه ها هنا ضمّن الفعل يشرب معنى يلتذ؛ أي يلتذون بسببها، وقيل إنه ضُمّن معنى يروى ويؤيده المجيء بفعل يدل على التكثير، وتأكيده بمصدره حيث قال: ﴿ يُفَجِّرُونَهَا﴾ ثم قال: ﴿ تَفْجِيرًا﴾، فصار معنى الآية -والله أعلم- عينًا يشرب ويلتذ به عباد الله، أو عينًا يشرب ويروى بها عباد الله.

النظرة الثالثة:

في قوله تعالى في الآية الثامنة من سورة الصف: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ عدّى الفعل يريدون باللام فقال: ﴿ لِيُطْفِؤُوا﴾ مع أنه يتعدى بنفسه، لأن الفعل قد ضمن معنى فعل آخر هو يسعون، فصار معنى الآية يريدون ويسعون لإطفاء نور الله بأفواههم.

النظرة الرابعة:

في قوله تعالى في الآية 25 من سورة الحج: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فعدّى فعل الإرادة بالباء وحقه أن يتعدى بنفسه، ولكنه عُدي بها لتضمّنه معنى يهمّ، فصار المعنى والله أعلم ومن يرد أو يهمّ فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم، فهو أبلغ من إرادة الإرادة فقط لأن استحقاق العذاب صار عند الإرادة أو الهمّ بها.

النظرة الخامسة:

في قوله تعالى في الآية الثانية من سورة النساء: ﴿ وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ عدّى الفعل تأكلوا إلى مفعول ثانٍ هو (أموالكم) بـ(إلى)؛ لأنه ضمّنه معنى تضموا، فمعنى الآية: ولا تأكلوا ولا تضموا أموالهم إلى أموالكم، ولو لم يؤتى بـ(إلى) ما كان النهي إلا عن الأكل، وما دخل في المنهي عنه الضم الذي قد يوقع في الإنفاق من أموال اليتامى لالتباس المنفِق بأنها من أمواله. وها هنا إشارة لطيفة إلى قوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ﴾ فالنهي واقع على مسّ مال اليتيم بأيّ وجه من الوجوه غير الجائزة، سواء أكان بالأكل أم اللباس أم النكاح أم غيرها، لكن خُصّ الأكل بالتنبيه عليه لأن العرب كانت تكره الإكثار من الأكل، فلما كان الأكل عندهم أقبح الملذات خُصّ بالنهي عنه لتنفر النفس منه فيجرّها ذلك إلى النفور من صرف مال اليتيم في سائر الملذات والله أعلم.

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل