بلاغة آية وحديث - الحلقة 40 - (فلما بلغ معه السعي)

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 40

اخترت لكم في هذه الحلقة قول الله سبحانه وتعالى في الآية الثانية بعد المائة في سورة الصافات (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴿١٠٢﴾) هذه الآية اشتملت فيما اشتملت عليه على نوع راق جدًا من الحوار بين الأب وابنه، إنه حوار لا كالحوارات، حوار بين أب مصطفى مختار أبو الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام وبين أبي العرب إسماعيل عليه الصلاة والسلام، حوار في قضية غاية في الأهمية هي قضية أن الأب يخبر ابنه أنه سيذبحه بيده، سيتولى ذبحه، القضية كبيرة، لو قال إبراهيم يا بني إني أرى في المنام أنك تموت، كانت المسألة أهون علينا نحن في منظورنا السليم، لو قال يا بني إني أرى في المنام أحدًا يذبحك، كانت والله أعلم أهون لكن النظم القرآني جاء بهذه الرؤيا الابتلاء العظيم للخليل إبراهيم أنه هو الذي يذبح ابنه وأنه هو الذي يُكلَّف أن يُخبر ابنه أنه سيتولى ذبحه بيده ولذلك كان الموقف صعبًا إلا على الكبار أمثال إبراهيم وإسماعيل عليهم الصلاة والسلام ممن اصطفاهم الله العليم الحكيم.

(قَالَ يَا بُنَيَّ) بدأ الحوار باللفظ المصطفى المنتقى المختار (يَا بُنَيَّ) ناداه بأداة النداء (يا) ثم استعمل معه الأسلوب الرقيق قال (بني) ثم (إني) بالتوكيد حتى لا يظن ظانّ أو يقول إسماعيل أنك ربما يا أبت شككت في الأمر أو لم تتأكد، قال (إني) بأداة التوكيد كما يعبّر البلاغيون لأهمية الخبر الذي سيُلقى فهنا هذا الخبر المؤكد بـ(إنّ) يدل على أنه واقع ثابت، الرؤية تمت. (إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ) هي رؤية منامية يا بنيّ أنا أخبرك بكل التفاصيل، بكل الشفافية كما يعبّر عنها الآن، بكل وضوح (إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) أعاد (أن) مرة أخرى للتوكيد وقال (أذبحك) ولم يقل ذبحتك وإنما عبّر بالحاضر الآن كأن الأمر يحتاج إلى قرار منك يا إسماعيل يا بنيّ يا من رؤي في المنام أنه مذبوح فماذا ترى؟ يستشيره وهو يعلم أنه أمر من الله ولكنها رقة الأب وحنان الأب وعطف الأب قال ابنه (فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى) هو يعلم أن ابنه لن يخالف أمر ربه ولذلك قال الابن الصالح إسماعيل عليه الصلاة والسلام (يَا أَبَتِ) بادله النداء بنداء وبادله الحنان والعطف بالبرّ والإحترام قال: أبتِ، ناداه (يَا أَبَتِ) (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) وفي هذا اللفظ فيه تسليم من إسماعيل لله رب العالمين كأنه يقول افعل ما تؤمر يعني أن هناك آمر لك يملك الأمر وهو الله أمرك أنت يا عبده إبراهيم فافعل أيها العبد ما أمرك به ربك الله جلّ جلاله وفي هذا تسليم من الإبن إسماعيل عليه الصلاة والسلام، تسليم عجيب وكأنه من وجهة أخرى لما قال (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) كأن إسماعيل لم يستطع أن ينطق بكلمة الذبح، لم يقل يا أبت اذبحني وإنما قال (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) وهو الذبح ولكنه فيه عدم النطق بالذبح بلسانه وفيه نطق بالتسليم أن افعل ما تؤمر أيًا كان الذبح أو اشد من الذبح أو أقل من الذبح  ما دام الأمر متعلق بالله فافعل ما يأمرك به الله تعالى أيًا كان الأمر. والعجي أن إسماعيل ليس ابنًا عاقًا وليس ابنًأ معاقًأ وليس انبًأ مزعجًا لأبيه يريد التخلص منه، لا، قال الله (بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) وهذا تركيب عجيب، بلغ معه السعي أي بدأ إسماعيل الآن يسعى مع أبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام ولم يقل التعبير القرآني الفريد "بلغ السعي" غير (بلغ معه السعي) لأن (بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) تشير إلى أن إسماعيل كان مع أبيه، معية الابن لأبيه ومن أكبر نعم الله وأجلّها أن يرى الأب ابنه يسير معه جنبًا إلى جنب، كتفه على كتفه، ولذلك امتن الله على الوليد في سورة أخرى قال (وبَنِينَ شُهُودًا ﴿١٣﴾ المدثر) الشهود من الأبناء أعظم نفعًا ووبرًّا من الأبناء المسافرين يمنة ويسرة حتى لو كان سفرهم لطلب علم أو لتجارة أو نحو ذلك، الأبناء الشهود نعمة تفوق نعمة الأبناء بحد ذاتها ولذلك قال الله (بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) عندما بلغ معه السعي قال (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) ولم يقل ستجدني من الصابرين فقط، قال إن شاء الله حتى يربطها بالتوكل على الله أني أنا لولا حول الله وقوة الله قد لا اصبر، ولكني إن شاء الله، بفضل الله، بمشيئة الله سأصبر حتى لو على الذبح. ثم قال (مِنَ الصَّابِرِينَ) حتى يعزّي نفسه وأباه إبراهيم أن ثمة قومًا صابرين غيرنا، فمعنى ذلك أن هناك مصائب غير مصيبتنا يا أبي، ابتلاءات غير ابتلائنا وصبروا عليها، أنا من زمرة هؤلاء الصابرين كأن فيه تسلية وتعزية للأب أنني واحد من الصابرين فلا تقلق عليّ يا أبتاه.

بلاغة حديث

حديث اخترته لكم من صحيح مسلم رحمه الله فيما يرويه أبو ذر رضي الله عنه عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فيما روى عن اللهِ تبارك وتعالى أنَّهُ قال " يا عبادي! إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي وجعلتُه بينكم محرَّمًا فلا تظَّالموا، يا عبادي! كلكم ضالٌّ إلا من هديتُه فاستهدوني أَهْدِكم، يا عبادي! كلكم جائعٌ إلا من أطعمتُه فاستطعموني أُطعمكم، يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسوتُه فاستكسوني أكْسُكُم، يا عبادي! إنكم تُخطئون بالليلِ والنهارِ، وأنا أغفرُ الذنوبَ جميعًا، فاستغفروني أغفرُ لكم. يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضُرِّي فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفَعوني، يا عبادي! لو أنَّ أوَّلكم وآخركم وإِنْسَكم وجِنَّكم كانوا على أتقى قلبِ رجلِ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي! لو أنَّ أوَّلَكم وآخركم وإنْسَكم وجِنَّكم كانوا على أفجرِ قلبِ رجلٍ واحدٍ ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي! لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنسَكم وجِنَّكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني فأعطيتُ كل إنسانٍ مسألتَه ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقصُ المِخْيَطُ إذا أُدْخِلَ البحرَ. يا عبادي! إنما هي أعمالكم أُحصيها لكم ثم أوفِّيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمدِ اللهَ ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ إلا نفسَه " قال الراوي: كان أبو سعيد الخولاني رضي الله عنه إذا حدّث بهذا الحديث جثا على ركبتيه تعظيمًا هذا الحديث.

في هذا الحديث وقفات سوف أقسمها على حلقات إن شاء الله تعالى لكننا نطتفي في أول الحديث القدسي هذا (يا) جاء النداء بكلمة (يا) والنداء كما يعبر عنه علماء اللغة هو طلب إقبال المخاطَب بحرف ينوب مناب أدعو، كأن الحرف (يا) يساوي قولك (ادعو) فكأن الله لما يقول (يا عبادي) كأنه يقول: أدعوكم عبادي التفتوا إليّ انظروا اسمعوا ماذا أريد أن اقول لكم. ثم قال الله (يا عبادي) النداء هنا من الله سبحانه وتعالى أبلغنا به أصدق الناس محمد صلى الله عليه وسلم وكلمة (عباد) تشمل كل من كان عابدًا لله بالعبودية الخاصة أو العامة، كل من كان عابدًا لله عبودية الإسلام أو عبودية البشرية التي هم مأمورون بها جاء لفظ (عبادي) ولفظ العبودية لفظ شريف يعبر الله تعالى عنه في القرآن الكريم في المواقف الرفيعة، في الإسراء قال (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا) [الإسراء: 1] وفي الآية الأخرى (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴿١٩﴾ الجن) وفي بيت الشعر الذي قال الفضيل بن عياض وما أجمل ما قال:

ومما زادني شرفًا وتيهًا وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيّرت أحمد لي نبيا

هذا الأثر زاده عظمة قوله (عبادي) مضافًا إلى الله بشرف الإضافة تدل على أن العباد مضافون إلى الله. ثم قال الله (إني حرّمت الظلم) بلفظ (إنّ) الذي يدل على التوكيد وقد مرّ معنا في بعض الحلقات ما يدل على أن (إنّ) تدل على الخبر المؤكد. 




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل