بلاغة آية وحديث - الحلقة 39 - (وما أتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله)

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 39

آيتنا اليوم هي الآية التاسعة والثلاثون من سورة الروم (وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ﴿٣٩﴾) الآية الكريمة اشتملت على عدة وقفات بلاغية وتربوية وتوجيهية وتشريعية وفقهية حول موضوع خطير جدُّ خطير وهو موضع الربا عافانا الله وإياكم من الربا. الآية الكريمة عبّرت بألفاظ معينة تحذر من الربا وترغِّب بما يقابل الربا وهي الزكاة التي يراد بها وجه الله، فقال الله سبحانه وتعالى في أول الآية (وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا) نلحظ فائدة لغوية بلاغية في تنكير كلمة ربا (وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا) كأنه والله أعلم الآية تشير أن أيّ ربا كان، ربا الريال الواحد الدولار الواحد أو مئات الملايين وآلآف الملايين من الدولارات أيًا كان الربا ليربو في أموال الناس، ونلاحظ أن الله تعالى عبّر عن الربا بأنه (يربو) يعني يزداد ولم يقل يزكو لأن ثمة فرق بين الزكاة والربا والزيادة المطلقة، الزكاة فيها نوع من الصفاء ونوع من الأداء الجميل الذي له أثر نفسي وأثر روحي على المزكّي أما الربا فحده مادي بحت، الواحد مقابل اثنين، صحيح أن الربا في ظاهرها زيادة للمرابي ولكنها ليس فيها زكاة ولا بركة (يمحق الله الربا) فالبركة والربا ضدان لا يجتمعان، ولذلك حتى في التعبير بالزيادة عبّر الله تعالى قال (فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ) يمكن أن يربو عند الناس، الأحد عشر يمكن أن يأخذها اثني عشر أو ما شاء من التي يسمونها فوائد وهي في الحقيقة محقٌ يحلّ بالمال. ثم قال الله سبحانه وتعالى (وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ) هنا عبّر بالصدقة بالزكاة، الذي يدفع الزكاة هو في الحقيقة ينقص ماله، عندي ألف أُخرج منها مقدار 2.5% فمعنى ذلك أن المبلغ في الحقيقة ينقص ولكن الله سبحانه وتعالى سماه في اصطفاء اللفظ "زكاة" معناه أن هذا الذي ينقص في الحسّ هو يزكو ويزيد ويربو ربًا فيه بركة ليس ربًا عاديًا بحتًا مثل ربا الناس وإنما فيه زكاء عند الله، الذي تريدون به وجه الله وتدفعونه زكاة، هو الذي يربو عند الله ويزداد ويتبارك كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا تصدق أحدكم بكسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا فإن الله يربي صقة هذا المتصدق كما يربي أحدكم فلوّه الخيل الصغيرة، المُهرة الصغيرة  تنمو عنده وتكبر فكذلك الزكاة تنمو وتنمو وليست تنقص كما جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما نقص مال من صدقة" أبدًا، وإن كان ظاهره نقصان، إلا إن بركته وآثاره ومغبته ومستقبله هي الزيادة والنمو المقرون بالبركة ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في آخر الآية (فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ). تكلم علماء البلاغة حول هذا الجزء من الآية، الآية كلها تقول: ما آتيتم أنتم، تريدون أنتم، ليزكوا لكم أنتم ثم قال الله تعالى في آخر الاية فأولئك هم، ولم يقل أنتم وهذا ما يسميه علماء البلاغة بالالتفات، كان على وجه واحد ثم يلتفت إلى الوجه الآخر، هذا التفات لم يقل الله في آخر الآية فأنتم المضعفون، وإنما قال أولئك يعني أنتم يا من تدفعون الزكاة داخلون في أولئك المضعفون الذين نموا أموالهم وزكت ونمت وصار فيها بركة فأولئك هم المضعفون. والملاحظ في تفنن القرآن الكريم في ألفاظه أن لفظ الزيادة جاء في آية واحدة هنا بثلاث صيغ مختلفة: الربا والزكاة والزيادة وجاء بلفظ رابع الإضعاف إذن روح الآية تتكلم عن الزيادة لكن في مقام الربا عبّر عنها بالربا وفي مقام الزكاة عبر عنها بالزكاة والنماء المبارك وفي الأخير جاء التعبير عنها بلفظ الإضعاف يعني أنت يا متصدق يا من دفعت جزءا من رأس مالك وتعب جبينك وإضعاف جسدك ثم تدفع زكاة من جيبك من مالك الخاص اعلم أنك أنت من المضعفين الذين يضاعف الله لهم فلا تظنن أن المال ينقص بالصدقة وإنما هو يزكو عند الله سبحانه وتعالى.

بلاغة حديث

اخترت لكم حديثًا من صحيح الإمام مسلم عن عمرو بن ميمون قال: قال عليه الصلاة والسلام: "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مِرار كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل". هذا الحديث الذي رواه الإمام مسلم فيه عدة وقفات:

الوقفة الأولى مع قوله صلى الله عليه وسلم (من قال) (مَنْ) يعبّر عنها علماء اللغة العربية بالاسم الموصول: حضر من سافر، قد يكون (من) رجلًا أو امرأة صغيرًا كان أو كبيرًا حرّا أو مملوكًا عربيًا أو غير عربي، كل من قال هذا الدعاء يدخل في (من الموصولة) وهذه بلاغة نبوية عجيبة من بلاغات النبي صلى الله عليه وسلم كيف عبّر بالحرفين اسم الموصول (من) ليشمل كل من يدخل فيه من كل من ذكرت ولذلك يصح أن تطلق على عبادة الذكر أنها عبادة الأغنياء والفقراء، الذكر لا يختص بغني يستطيع الصدقة فيتصدق، يستطيع أن يحج فيحج، يملك أن يطعم النفس فيطعمهم، الذكر حتى للفقير المعدم يستطيع أن يذكر الله سبحانه وتعالى. ولذلك جاء في حديث آخر عن أبي ذر رضي الله عنه أنَّ ناسًا من أصحابِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالوا للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : يا رسولَ اللهِ ! ذهب أهلُ الدُّثورِ بالأجورِ يُصلُّون كما نصلي ويصومون كما نصومُ ويتصدقون بفضولِ أموالهم (يعني يتصدقن بزيادات أموالهم ونحن لا زيادة عندنا) قال: "أو ليس قد جعل اللهُ لكم ما تَصدَّقون؟ إنَّ بكل تسبيحةٍ صدقةٌ وكل تكبيرةٍ صدقةٌ وكل تحميدةٍ صدقةٌ وكل تهليلةٍ صدقةٌ وأمرٌ بالمعروفِ صدقةٌ ونهيٌ عن منكرٍ صدقةٌ وفي بضعِ أحدكم صدقةٌ"، قالوا: يا رسولَ اللهِ! أياتي أحدنا شهوتَه ويكون لهُ فيها أجرٌ؟ قال: " أرأيتم لو وضعها في حرامٍ أكان عليه فيها وزرٌ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلالِ كان لهُ أجرًا" الراوي: أبو ذر الغفاري - المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم.

إذن عبادة الذكر عبادة يستطيعها الغني والفقير وهذا من فضل الله تعالى وهي عبادة قولية لا تحتاج مالًا ولا جهدًا ولا عناءً ولا سفرًا ولا حجز مواعيد ولا حجوزات، ولا اي أمر، يذكر الإنسان الله على كرسيه وفي فراشه وفي طائرته وفي البر وفي البحر والجو كل ذلك من فضل الله تبارك وتعالى على العبد الذاكر أنه يذكر الله تعالى فيحصل ما يحصل له.

تكملة الحديث فيه قصر (لا إله إلا الله) يعبّر عنها علماء البلاغة بأسلوب القصر، (لا إله) نفي (إلا الله) إثبات، معناه لا يوجد في الكون كل الكون معبود بحق سوى الله سبحانه وتعالى وهذا الحديث الذي اشتمل على لا إله إلا الله يذكرني بحديث البطاقة - الذي سنفرد له حلقة إن شاء الله تعالى – البطاقة التي رجحت بالسجلات كانت أعظم شيء لأنه كان مكتوبً فيها "لا إله إلا الله". قال عليه الصلاة والسلام: من قال لا إله إلا الله (وحده) وجاء بالتوكيد بكلمة (وحده) لمزيد تأكيد (لا إله إلا الله وحده) هو وحده وكذلك لا شريك له، ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم: إن هذا الله الذي هو وحده لا شريك له اعلموا أن له الملك كل ما يخطر في بالك من ملك الدنيا كله ملك لله، الأنهار، الشجر، الجبال، البحار، الإنس، الأرض، البنوك، العمارات، ناطحات السحاب، كل شيء تراه من ملك الله ولذلك يستحق الحمد لذلك جاء الترتيب منطقيًا (له الملك وله الحمد) والألف واللام للاستغراق يعني كل الملك لله ولذلك كل الحمد لله سبحانه وتعالى.

ثم ختم الحديث بشيء عجيب قال (وهو) أي الله (على كل شيء قدير) سبحانك ما أعظمك يا رب! وهذا صحيح لأنه الذي له الملك كل الملك وله الحمد كل الحمد هو على أن يتصرف بملكه كما يشاء قدير، إذن كل مرغوب ترغب فيه من أمر الدنيا والآخرة الله عليه قدير وكل مرهوب تخاف منه من أمر الدنيا والآخرة فاعلم أن الله قدير، إذا رأيت من الناس والٍ متكبر، أحد يتكبر عليك فاعلم أن الله قدير على هذا الرجل أن يكفّ عنك أذاه وإذا رغبت في مال فلان أو في وساطة وشفاعة فاعلم أن الله قدير ويستطيع أن يسخر لك إذن كل شيء الله عليه قدير يستطيع أن يسخّره لك. 

قال عليه الصلاة والسلام من قالها عشر مرار وهنا فائدة أخرى وهي التدريب على تكرار الذكر ففي العبادات لا يوجد عبادة  إلا الذكر (والذاكرين الله كثيرا والذاكرات) (وذكر الله كثيرا) الذكر فقط هو المطلوب به الكثرة "من قال سبحان الله وبحمده مئة مرة.." الذكر هو الذي يحتاج إلى الكثرة لأن فيه تدريب على اللسان أن يعيد الذكر فيتأمل فحواه فيعمل بمقتضاه.

وفي الختام قال صلى الله عليه وسلم "كان كمن أعتق أربع أنفس من ولد اسماعيل" قال بعض العلماء: نصّ على ولد إسماعيل لأنه من سلالة العرب والعربي إذا كان مملوكا كان نفيسًا لأن المخاطبون الآن العرب يملكون غيرهم من الأجناس الأخرى فإذا مُلِك العربي وصار رقيقًا وجاء واحدًا اشتراه وأعتقه فقد أعتق نفسًا زكية. الذي يقول هذا الذكر عشر مرات كان كمن أعتق أربع أنفس من ولد إسماعيل عليه السلام. الذكر ما أحلاه وفي هذا الحديث ما نختم به ما بدأنا به: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل