برنامج هدى للناس- وقفات مع الجزء 28

برنامج هدى للناس

تقديم د. عيسى الدريبي

أبرز موضوعات أجزاء القرآن الكريم

رمضان 1436هـ

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

الحلقة 28 – الجزء الثامن والعشرون

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

نقف مع الجزء الثامن والعشرون، جزء المجادلة.

الجزء الثامن والعشرون يسمى جزء المجادلة باعتبار أول سورة فيه وهي سورة المجادَلة أو المجادِلة المجادَلة (نسبة للحوار بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين تلك المرأة التي جاءت تشتكي زوجها) والمجادِلة نسبة للمرأة خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها عندما جاءت تشتكي من زوجها عندما ظاهر منها وهذا هو سبب نزول مطلع السورة.

هذا الجزء بأكمله هو جزء مدني يعني السور: المجادلة، الحشر، الممتحنة، الصف، الجمعة، المنافقون، التغابن، الطلاق والتحريم سور مدنية وهذه من الغرائب أن تكون سور متوالية سورًا مدنية. ولذلك الجو الذي فيه جو مدني بمعنى القضايا فيه قضايا العهد المدني: الولاء والبراء والجهاد وما يتصل بالعلاقة مع الآخرين كأهل الكتاب، الكفار، المنافقون وفضحهم، الطلاق وأحكام الأسرة، فجوّ هذا الجزء جو العهد المدني.

نأخذ كل سورة على حدة وننظر ما هو موضوعها الأبرز.

نبدأ بسورة المجادلة: سورة المجادلة موضوعها غريب قد يظن بعض الناس أنه قضية الظِهار مثلا، الظهار هو أحد مظاهر ذلك الموضوع الذي أرادت السورة أن تتحدث عنه وهو "إبراز علم الله وسمعه" ولذلك بدأها بقوله (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ) وذكر نموذجًا حيّا لسماع الله لشكوى امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكت إليه وكانت تحاوره في الحجرة وأمنا عائشة قي زاوية الحجرة تقول: أسمع شيئا من كلامها ويخفى عليّ شيء فتقول عائشة متعجبة تبين وتبرز عظمة الرب سبحانه وتعالى: سبحان من وسع سمعه الأصوات. لذلك بعد هذه القصة قال الله عز وجلّ (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا) هذا علم الله (أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) ثم أبرز العلم (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٧﴾) ثم تكلم عن النجوى أيضًا كقضية ما يتناجى به اليهود فيما بينهم وغيرهم (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ) ثم يأتي بعد ذلك إلى قضية مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم فيمكن أن يقال أن هذه السورة أحد محاورها: المناجاة وأحكام التناجي بشكل عام، بدأت بحوار هذه المرأة مع النبي صلى الله عليه وسلم وذكر فيها الحوارات التي تكون بين الناس والحوارات بين اليهود، آداب النجوى، وحتى مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم لما شقوا عليه بكثرة التناجي وكل واحد منهم يحب أن يحظى بكلمتين من فم النبي صلى الله عليه وسلم، يريد لقاء خاصا مع النبي صلى الله عليه وسلم يشعر فيه بالفخر أنه يقف مع أعظم إنسان في الكون صلى الله عليه وسلم فهذا أزعج النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه لسعة خُلُقه لا يستطيع أن يقول لأحد من الناس: أنا تعبت، أو مللت، لا يمكن، فالله عز وجلّ يدافع عن نبيه فيقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٢﴾) فأحجم الصحابة عن المناجاة لأن المال عزيز على النفوس فقال تعالى (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿١٣﴾) أدّبهم الله عز وجلّ بهذه الآية. ثم أيضًا جاءت قضية أخرى في علم الله عز وجلّ وهي قضية الولاء والبراء وهذه قضية لا يمكن أن تُعرف بالظاهر وحده بل الأصل فيها الباطن، الحب الذي في الباطن والولاء الداخلي هو الذي يدعو للمظاهرة الخارجية ولذلك قال الله عز وجلّ (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿١٤﴾) وتستمر الآيات في ذكر هذه القضية إلى أن يقول (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ) الولاء والبراء أصله في القلب، الحب والبغض قلبي يصدر عنه أفعال تكون بالتناصر وغيرها.

وهذا مدخل للتفريق بين حسن التعامل مع الكافر وبين قضية الولاء والبراء وبعض الناس قد يختلط عليه هذا الأمر فيظن أنك إذا أحسنت في التعامل مع الكافر فهذا يخدش بالولاء والبراء.

هذه القضية التي ابتدأت في سورة المجادلة انتقلت إلى سورة الحشر التي بعدها مباشرة فالكافر أنواع منهم أهل الكتاب ذكر الله خبرهم في سورة الحشر فسورة الحشر هي في ذكر أهل الكتاب وعلاقتهم بالمنافقين الذين سيأتي سورة خاصة اسمها (سورة المنافقون) فهذه السور مترابطة فيما بينها، قد يبدو أنها منفصلة ببسم الله الرحمن الرحيم وكل واحدة لها اسم ولو تأملنا نجد أن سور الجزء بينها نوع من الاتساق والانسجام والتداخل العجيب وهذا من علم المناسبات غير المتكلّف.

(لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) في سورة المجادلة ويقول الله تعالى في سورة الحشر التي بعدها (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ) من شدة حقدهم على أهل الإيمان يفسدون البيوت لئلا تبقى لهم (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴿٢﴾ وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ) ثم يبين سبب هذه العداوة (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٤﴾) ثم استمر يذكر العلاقة مع أهل الكتاب. لكن لما ذكر كيف حقدهم وليهّجنا نحن على بغضهم لأجل الدين ذكر لنا كيف صنعوا في غزوة بني النضير عندا خانوا الله ورسوله وأرادوا أن يغدروا بالنبي صلى الله عليه وسلم في تلك الواقعة الوقحة والغدر الذي لا يليق إلا باليهود أهل الغدر في كل زمان. والقصة أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس تحت جدار وجاء يستعين باليهود بحكم الحلف الذي بينه وبينهم فتآمروا وأرادوا أن يغدروا به برمي صخرة عليه فجاء جبريل وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقام النبي صلى الله عليه وسلم من ساعته إلى المدينة جهّز الجيش ورجع إليهم فلما علموا أغلقوا الحصون فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم عددا من الليالي وأحرق بعض الأشجار في بني النضير ثم قذف الله في قلوبهم الرعب فسلّموا وهذه أول قصة فيء في الإسلام وهي أن يسلّم العدو للمسلمين من غير قتال.

والفرق بين الفيء والغنيمة: في هذه السورة ذكر الله عز وجلّ (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ) الفيء هو ما نحصل عليه من أموال الكفار من دون قتال وهو الذي حصل في غزوة بني النضير وحدد قسمة الفيء (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) هؤلاء الذين يقسم لهم في الفيء والمقاتلون ليس لهم شيء والغنيمة هي التي تحصل بقتال وهذه قسمتها مختلفة عن الفيء فكل الأصناف التي يقسم عليها الفيء لها خمس واحد وأربعة أخماس الغنيمة تعود إلى المقاتلين (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٤١﴾) كما في سورة الأنفال.

بعدما ذكر هذه القضية ذكر من هو الذي له علاقة وارتباط بهؤلاء من أهل الكتاب، ما يرتبط بهم إلا المنافقون ولذلك سماهم الله لهم إخوانا فقال (أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا) وصل المنافقون لمرحلة ودرجة من اللؤم والنذالة أنهم لا يفون بوعدهم حتى مع الذين يحبونهم دينا، أهل الكتاب هم أحسن حالا من المنافقين لأنهم أصحاب دين أما المنافقون اصحاب مصالح لا ذمة لهم ولا ضمير لذلك يقولون لهم (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) وهذه الآية مقدمة لسورة المنافقون. هنا قال الله (لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ﴿١٢﴾) قسم من الله، ما أبقى أيّ وسيلة لكي يتعلق أهل الكتاب بهؤلاء المنافقين ويعقدوا معهم أيّ صلح أو حلف أو ولاء أو ثقة بهم.

تعليق على الآية في سورة الحشر (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) من أعظم صفات المؤمنين أنهم يقولون (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) لما ذكر قسمة الفيء وذكر الأصناف الذين تقسم عليه أموال الفيء بيّن من أحق الناس بهذا الفيء وهم ثلاثة: الفقراء المهاجرون والأنصار الذين وصفهم الله بقوله (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٩﴾) والقسم الثالث قسم لم يأت بعد في هذه الحادثة وجاء بعد وفاة الصحابة والأنصار (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) ما صفتهم؟ صفتهم أنهم جاؤوا من بعد أولئك يقولون (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا) ولذلك استنبط ابن مالك أن الرافضة لا حق لهم في الفيء لأن في قلوبهم غلّا على الصحابة من المهاجرين والأنصار بدءا من عائشة وأبي بكر وعمر وغيرهم.

المؤمن يجب أن يجرد قلبه ويطهر فؤاده من أدنى ذرة من غلّ تكون على إخوانه. قد يحصل سوء تفاهم بين اثنين لكن لا يمكن أن يكون في قلب المؤمن بغض على أخيه في الإسلام فلا يجوز أن يبيت ليلة وفي قلبه شيء من الضغينة على أخيه، قد يكون هناك قضايا بينهم وقد يرفعونها للقاضء لكن تبقى الأخوة في الدين وسلامة القلب يدعو أحدهم لأخيه في صلاته ويتمنى له الخير ويسأل الله أن يجعلهما من أهل الجنة.

بقيت صورة واحدة وهي ولاؤنا لأهل الكتاب وأنه لا يواليهم إلا المنافقون فماذا عن بقية المشركين والكفار؟ هنا سورة كاملة سورة الممتحنة، هذه السورة كلها في الولاء والبراء من أولها إلى آخرها، ومن أسباب نزولها قصة الصحابي حاطب بن أبي بلتعة عندما كان في غزوة الفتح كتب رسالة وأرسلها إلى أهه كان ملصقًا بهم ولم يكن منهم فأراد أن يتخذ عندهم يدًا فأرسل لهم رسالة يحذرهم من مقدم الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم وهو ضعف شخصي وليس خيانة وقد اعترف بالأمر للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله فيه هذه الآيات الشديدة في أن هذا التصرف اليسيير الذي حدث منه خطير في حقه ولولا أنه كان من أهل بدر لكان الأمر شيئا عظيما فأنزل الله عز وجلّ هذه السورة في الولاء والبراء. الولاء والبراء أن يكون المؤمن مواليًا لأهل الإيمان بريئا من أهل الكفر والنفاق وكل أعداء الإسلام، حبك وولاؤك ونصرتك ودعمك المعنوي والحسي والمادي كله يكون لأهل الإيمان وهذا برهان ولائك الحقيقي ومحبتك الحقيقية لله ولرسوله لأنك إذا أحببت الله أحببت من يعبد الله وأبغضت من لا يعبد الله ومن يشرك مع الله سواه وذكر الله لنا قصة إبراهيم (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ) يعني لا تقتدوا به في هذه القضية (إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ). ثم ذكر المسألة التي طرحت سابقًا هل الولاء والبراء والحب والبغض القلبي يمنعني من التعامل مع الكافرين معاملة حسنة؟ أجابت الآية عليه إجابة واضحة وصريحة جدًا (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿٨﴾) تحسنوا إليهم وتعدلوا معهم، فنحن الذي لا يظاهر على المسلمين نعامله معاملة حسنة رغم البغض القلبي لأجل كفره، نعامله معاملة حسنة، نهدي له ولو قصدنا بذلك دعوته لكان ذلك مشروعًا من جهتين. أما من يريد بنا سوءا ويمكر بنا ويظاهر أعداءنا علينا فهذا لا يجوز لنا أن نحسن إليه وأن نبرّه وعلينا أن نخرجه من ديارنا فالمعاملة بالمثل (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿٩﴾) ثم ختمت هذه السورة بالتأكيد على موضوع الولاء والبراء قال الله عز وجلّ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ ﴿١٣﴾)

ثم انتقلنا إلى سورة الصف سورة الجهاد، علاقة الولاء والبراء بالجهاد واضحة جدًا فالذين نعاديهم ما لهم علينا إلا أن نقاتلهم وعلينا أن نتخذ جميع الإحتياطات من أجل أن نكون أقوياء ونقاتلهم إذا وقفوا في وجه الدعوة أما إذا سمحوا بالدعوة في بلادهم كما هو حاصل الآن في كثير من البلاد غير المسلمة.. ولما ذكر الجهاد ذكر اليهود (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي) والنصارى (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) والمشركين (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) هذه الأصناف الثلاثة التي نقاتلهم لذلك قال الله عز وجلّ في ختام السورة مبينا الجهاد وأثره (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿١٠﴾ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿١١﴾) ثم ختمت السورة بأمر عظيم وهو ما يميز أهل الإسلام، من يكون مناصرًا لله ورسوله ولذلك قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ)

سورة الجمعة فيها إبراز فضيلة هذه الأمة وتفردها بهذا اليوم فيوم الجمعة أحد مظاهر تميزها وقبلها (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴿٢﴾) هذا الصنف الأول الذين بعث فيهم رسول الله، والآخرون (وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٣﴾ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ) إذن هذه سورة تفضيل هذه الأمة على سائر الأمم. ثم ذكر الفرق بين هذه الأمة واليهود الذين عندهم علم ولكن لا يعملون به وأما هذه الأمة تميزن أن عندها علم وتعمل به وذكر الله نموذج من نماذج التميز وهو يوم الجمعة وهدانا إليه، فيه خلق آدم وفيه أخرج منها وفيه تقوم القيامة.

بعد الولاء والبراء والجهاد في سبيل الله يظهر موضوع المنافقين دائمًا إلا بعد الجهاد لأن الجهاد هو الذي يبرز صف المنافقين في الأمة (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴿١﴾) وصفهم الله بأخبث الأوصاف كما يستحقون وحذّر الأمة منهم أشد التحذير وهذه وقعت في غزوة بني المصطلق عندما اختلف رجل من المهاجرين مع رجل من الأنصار قال أحدهم يا للأنصار وقال الآخر يا للمهاجرين! فسمعهم عبد الله بن أبي وقال هذا ما كنا نخافه، جاؤوا إلينا خائفين والآن يستعلون علينا فهم كما يقال (سمّن كلبك يأكلك) وقال (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) فأنزل الله الآيات وفضحه أشد فضيحة. وختمت السورة بالإنفاق لأن الإنفاق كالجهاد مما يتميز به المؤمن من المنافق.

بعدها جاءت قضية التغابن وهي في قضية الإيمان بالقضاء والقدر (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿١١﴾)

ثم بعدها جاءت سورة الطلاق (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ) وتسمى سورة النساء الصغرى وسورة النساء تسمى سورة النساء الكبرى وهذه السورة تفردت هذه السورة بكثير من أحكام الطلاق الي لم تذكر في سورة البقرة ومن عجائب السورة أنه تكرر فيها ذكر التقوى كثيرا (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) لأن قضية الطلاق والخصومات والخلافات الزوجية إن لم تكن التقوى حاضرة فيها فإن مآلآت الطلاق تكون وخيمة ولا يحمد عقباها. وكذلك آيات الطلاق في سورة البقرة ختمت بالتذكير بالتقوى وبالتذكير بأسماء الله الحسنى لأن موضوع الطلاق إذا حضر فيه الإيمان تخف كل هذه الإشكاليات التي تحصل. ومما يبتلى به الإنسان بتقواه موضوع الخلافات الزوجية، إذا أردت أن تعرف إن كان الإنسان عنده تقوى انظر إليه عندما تحصل بينه وبين زوته خلافات فقد يقول أن المرأة غير طيبة وأنها على غير خلق فقد يصدقه الناس، لذلك لا ينجح بهذه الأمور إلا من في قلبه تقوى.

وختم الجزء بسورة التحريم وهي في قصة مظاهرة وتآمر زوجتين من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم في قضية في الحياة الزوجية مما غضب له الرب وعاتب المرأتين على ما صنعتا برسول الله حتى قال (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴿٤﴾) هذا نوع من العتاب لهن فأفقن وتبن إلى الله عز وجلّ من هذه المؤامرة الخفيفة الخفية التي حصلت بين حفصة وعائشة على النبي صلى الله عليه وسلم في قضية بسيطة جدًا لكن الله لا يرضى هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يبين قدر النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه وينبغي لنا نحن أن نعرف قدر نبينا صلى الله عليه وسلم.

ختمت هذه السورة بضرب مثلين لامرأتين كافرتين تحت نبيين قبّح الله حالهم ومثل لامرأة مؤمن تحت رجل كافر شرّفها الله ومدحها الله.

 

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل