نظرات لغوية في القرآن الكريم - د. صالح العايد - 16

نظرات لغوية في القرآن الكريم حلقات إذاعية

 

د. صالح العايد

التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات

(16)

سأخصص هذه الحلقة للحديث عن الفعل "كان" في القرآن الكريم لما رأيت فيه من لفتات طيبة وعجائب فريدة، إن المتأمل كتاب الله تعالى يجد فيه (كان) واردة على خمسة معاني:

المعنى الأول: كان التي تدل على حصول ما دخلت عليه في الزمن الماضي دون انقطاعه، وهذا هو الأصل في معانيها، وهي كان الناقصة؛ التي ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، مثل قولك: كان المطر نازلًا، فنزول المطر كان في زمن مضى وانقضى، أما في وقت التكلم فالمطر منقطع، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48)﴾ (سورة النمل)، وقوله: ﴿ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة:75].

المعنى الثاني: كان التي تدل على الدوام وعلى استمرار مضمون خبرها في جميع الأزمنة، فلا يجوز أن تُجعل مما حصل مضمون خبرها في الزمن الماضي ثم انقطع، ولو جاءت بلفظ الماضي، فهي ترادف قولك: لم يزل. وأكثر ما يكون هذا المعنى في "كان" الداخلة على صفات الله تعالى، لأن صفاته مستمرة غير منقطعة، ومن هذا النوع قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [سورة النساء:134]، وقوله: ﴿وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [سورة النساء:96]، وقوله: ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [سورة النساء:1]، فالله كان سميعًا بصيرًا وغفورًا رحيمًا ورقيبًا في الزمن الماضي ولم يزل كذلك وسيدوم عليه.

وقد وردت (كان) الدالة على الدوام في غير صفات الله تعالى كقوله: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً (22) النساء﴾، وقوله: ﴿ إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا (22) الإنسان﴾، ومنه قول الشاعر قيس بن الخطيم:

وكنت امرءا لا أسمع الدهر سُبّة  أُسبّ بها إلا كشفت غطاءها

فقوله الدهر يدل على إرادته الدوام.

المعنى الثالث: كان بمعنى صار؛ أي تحول من حال إلى حال، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31) القمر﴾؛ أي صاروا كهشيم المحتظر، وقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) البقرة﴾؛ أي صار منهم، لأنه قبل الأمر بالسجود لم يكن منهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [سورة البقرة: 143]، فكنت عليها بمعنى صرت عليها، لأن تحويل القبلة هو الذي حصل فيه الامتحان، ومنه قول الشاعر:

بتيهاءَ قفرٍ والمطي كأنها قطا الحزن قد كانت فراخًا بيوضها

المعنى الرابع: كان الدالة على الزمن الحاضر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [سورة النساء: 103]، وقوله: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [سورة البقرة:232].

المعنى الخامس: كان الدالة على الاستقبال، كقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) الإنسان﴾؛ أي سيكون شره مستطيرًا، وقوله: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً (36) الإسراء﴾؛ أي سيسأل عنه.

تلك معاني (كان) الداخلة على الجملة الاسمية المكونة مما أصله المبتدأ والخبر، وتستعمل (كان) تامة كغيرها من الأفعال المتصرّفة، فتكون بمعنى وُجِد وحصل، فترفع فاعلًا، ومنها في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ [سورة البقرة:193]، وقوله: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ﴾ [سورة البقرة:280]؛ أي إن وجد ذو عسرة.

وبعد تفصيل أحوال (كان) إليكم هذه النظرات:

النظرة الأولى:

في قوله تعالى في الآية 29 من سورة مريم: ﴿ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾، لا يصح أن تكون (كان) ها هنا ناقصة، بمعنى حصل ذلك في الزمن الماضي وانقطع، مثل قولك: كان القمر طالعًا، لأن كان في الآية لو كانت على معناها الأصلي لما كانت لعيسى ابن مريم عليه السلام فيها معجزة، لأن قول قومه يكون بعد أن كبر وصار رجلًا، وليس هذا هو المراد، بل إن سؤال قومه حصل وعيسى عليه السلام في المهد حيث مَنْ هو في سنه لا يتكلم، ومع ذلك تكلم عيسى عليه السلام، ولذلك فـ(كان) في الآية تامة بمعنى وجد ويكون (صبيًا) حال، وقيل إن (كان) في الآية زائدة والتقدير كيف نكلم من في المهد صبيًا، وزيدت كان للتوكيد؛ بمعنى كيف نكلم من تأكد استقراره في المهد صبيًا، ولو لم تقدّر كان زائدة أو تامة لانتفت المعجزة عن عيسى عليه السلام، لأن كل رجل يمكن أن يقال عنه كان فلان في المهد صبيًا، أي ثم صار رجلًا والله أعلم.

النظرة الثانية:

في قوله تعالى في الآية 110 من سورة آل عمران: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾، عدّ بعض المفسرين والنحاة (كان) في الآية زائدة، وجعلوا المعنى أنتم خير أمة أخرجت للناس. وبعضهم جعلها بمعنى صار؛ أي صرتم خير أمة أخرجت للناس، وهذان القولان غير حسنين، فادّعاء زيادتها خطأ واضح؛ لأن (كان) لا تزاد في أول الكلام، وأما جعلها بمعنى صار فمعناها أنهم لم يكونوا خير أمة أخرجت للناس ولكنهم صاروا فيما بعد، وهو صحيح لو أريد بهذه الأمة العرب، أما والمراد بها المسلمون فالمعنى غير مستقيم. ولعل الصحيح والله أعلم، أن كان على معناها الأصلي مع إفادة معنى الدوام؛ أي كنتم في سابق علم الله، أو يوم أخذ الله المواثيق على الذرية خير أمة أخرجت للناس، ولم تزالوا كذلك فتفيد (كان) هنا أن خيريتهم على الناس صفة أصيلة فيهم لا عارضة ولا متجددة.

النظرة الثالثة:

 

في قوله تعالى في الآية 76 من سورة النساء: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾. (كان) هنا تدل على الدوام، فكيد الشيطان ضعيف في كل زمن، ولا يصح أن تبقى كان على معناها الأصلي؛ لئلا يكون المعنى كان كيد الشيطان ضعيفًا في الزمن الماضي أما الآن فهو قوي، وقيل إن (كان) هنا بمعنى صار، فالتقدير صار كيد الشيطان ضعيفًا بعد الإسلام، والله أعلم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل