دورة الأترجة القرآنية - سورة الكهف -3

تفسير سورة الكهف - 3

محاضرات دورة الأترجة القرآنية

د. عصام العويد

(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14)) 

بسم الله الرحمن الرحيم. والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أسأل الله عزّ وجلّ أن يرزقني وإياكم علم كتابه ويجعلنا ممن يمتثل أوامره ويجتنب نواهيه.
الآية العاشرة من سورة الكهف (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)
بدءًا بقوله  (أصحاب الكهف والرقيم) الكهف هو الذي سيأتي ذكره بإذن الله  مفصلاً فيما نستقبل من الآيات الرقيم المقصود به المرقوم أي المكتوب وعادة أن كل عابد لله عزّ وجلّ على بصيرة من عبادته لا بد وأن يكون عنده ما يتلوه، ما يقرأه من العلم ولذلك أنزل الله عزّ وجلّ من السماء مائة وأربعة كتب كما يقول الإمام الحسن البصري هذه الكتب عبارة عن رقيم مكتوبة. فمن هذه الكتب أهل العلم والعبادة أتباع الأنبياء يأخذون منها ما يبلغهم فتكون محفوظة عندهم، وما زال الكتاب هو سبيل تلقي العلم من حين أن عرف الإنسان القلم إلى هذا الزمن. فالله عزّ وجلّ يصف هؤلاء بأنهم طلاب علم أن عندهم كان كتاب مرقوم، عندهم كتابة شيء مكتوب تلقوه عن أهل العلم، عن أهل العبادة، من الأحبار من الرهبان، عندهم شيء. فذكر الله عزّ وجلّ الرقيم نصًّا هنا لبيان أهمية أن من أراد أن يعبد الله أو يدعو إلى الله لا بد أن يكون عنده من العلم ما يدعو إليه، من العلم المتوارث عن من قبله من أهل العلم ما تأتي بجديد من عندك يناقض ما تقدم من كلام أهل العلم فتخترعه وتبدأ تذكره للناس فإن هذا لا يصح وإنما لك من العلم أمران: 
- إما أن يكون علمًا متوارثًا ينقله الخلف عن السلف فهذا النوع الأول من العلم الأصيل تتابع أهل العلم عليه فأنت تأخذ في طريقه وهذا يُخرِج من العلم ما كان شاذًّا ولذلك قال مثل الإمام أحمد قال: أكره ما أرى من العلم الشاذ. وفي كلمة له أخرى يقول عن بعض من يتتبع الشواذ من الأحاديث والأسانيد، قال: "يتتبعون الغرائب من هنا وهناك ما أقل الفقه فيهم"، هم يتتبعون الغرائب من أحاديث النبي وعندهم أن هذا زيادة في العلم وعند أحمد هذا زيادة في الجهل، طيب هو منسوب إلى النبي  قال يتتبعون الغرائب إنما العلم هو المشهور كما يقول الإمام أبو داؤود السجستاني كما قاله في مقدمة سننه – المقدمة المشهورة الرسالة المكية – قال: "وإنما الحديث عندنا هو المشهور" يعني الذي تلقاه أهل العلم كابرًا عن كابر هذه هي الأحاديث، لا أن يتتبع الغرائب هنا وهناك يفرح إذا وجد حديثًا بإسناد قال بعض أهل العلم أنه حسن فيقول سنة مهجورة، سبحان الله! سنة مهجورة من متى؟! مهجورة من هذا الزمن ؟ نعم أحييها، أما إذا كان المقصود كما يقول بعضهم الآن سنة مهجورة لم أجد من عمل بها، كيف لم تجد من عمل بها وتكون سنة بين الناس؟ وإنما هذه بدعة من البدع تقول فيها حديث والحديث بإسناده حسن، نقول ما عرفت الحديث ولا عرفت الحسن من الحديث. لو كان الحديث حسنًا لعمل به من تقدم من أهل العلم. كيف يكون الحديث حسنًا ويفوت على شعبة والثوري وعبد الرحمن ابن مهدي ووكيع وأحمد والبخاري والترمذي وأبي داوود والنسائي والدارقطني وهؤلاء الأكابر لم يدونوه في كتبهم؟! كيف يفوت عنهم وجدناه في أجزاء من هنا وهناك من كتب الحديث ذكره ابن أبي شيبة في المصنف، وإلا إسنادٌ حسن ذكره ابن علي في الكامل ومثل هذا. هذا أخي، من الجهل ليس من العلم في شيء وإنما العلم ما دوّن في المصنفات المشهورة ولذا كانت من أعظم قرائن تعليل الأحاديث أن يكون الحديث خارجًا عن مسانيد أهل الإسلام، فإذا لم تجد الحديث في الكتب الستة ولا في مسند الإمام أحمد ولا في صحيح ابن خزيمة ولا في صحيح ابن حبان ولا في سنن البيهقي، لم تجده في المسانيد المشهورة الكبيرة هذه فاعلم أنه ليس بشيء، إرمِ به. وهذه القرينة كانت من أعظم القرائن التي يعلّ بها الأئمة الأحاديث وعلى رأسهم كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن رجب وابن الجوزي وأئمة كُثر كان هذا ديدنهم إذا لم يجدوا الحديث في المسانيد المشهورة لم يجدوه في هذه المشاهير قالوا لا خير فيه. ولذلك هنا هذا طريق من طرق العلم أن يتوارث أهل العلم هذا العلم شيئًا فشيئًا فتأخذه عن من لقيت ويأخذه من لقيت عن من تقدم وهكذا.
- الثاني من العلم ما يفتح الله عزّ وجلّ عليك به شريطة ألا يناقض النوع الأول، فالله عزّ وجلّ كريم  ومن بذل نفسه للعلم في كتابه وفي سنة نبيه يفتح الله عزّ وجلّ عليه أنواعـًا من العلوم كرمـًا وفضلاً وهبةً وإن لم يسبق إليها أحد ولكنها لا تناقض ما تقدم، فما كان يناقض ما تقدم فلا خير فيه، ولكن ما كان من اللطائف، من الفتوحات فقد جرى ذلك من أهل العلم في كل عصر من عصورهم يأتي الخلف بما لم يأتِ به السلف ولكن شريطة ألا يكون مناقضـًا معارضـًا لما تقدم من كلام أهل العلم وتتابعوا عليه.
قال بعد ذلك  (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) الفتية، الفتى في لغة العرب: هو أرفع من الغلام قليلاً، وهو من ليس في سن الصبيان أرفع منهم ولم يبلغ مبلغ الرجال. وتارة في استعمالات العرب يطلقون الفتى على الرجل في أول مراحل عمره، ولذلك قلت لك بأنه فوق الغلام بقليل، فيقال للفتى إذا كان عمره – في القديم هذا – ثلاث عشرة سنة، أربع عشرة سنة يقال له فتى خمس عشرة سنة فتى إلى قريب العشرين يسمونه فتى. ولذلك يقول سمرة بن جندب كما في الأثر المشهور جدًا قال: "كنا فتيانـًا حزاورة عند رسول الله ". فتيان هو الفتى، حزاورة أي أقوياء في آخر مراحل الفتوة إلى الآن لم ينتقلوا إلى مرحلة الرجولة فإذا جاوز العشرين فهذا لا يسمى فتى في لغة العرب وإنما يقال عنه رجل، وهذا ليس مضبوطًا بالسنين ولكنه عندهم بحسب حال هذا الغلام، إذا عندهم خلاص شبّ وبلغ مبلغ الرجال قالوا رجل حتى لو كان عمره في التاسعة عشر من عمره، إذا كان دون ذلك يقال عنه فتى حتى ينظروا فيه لأنه بلغ أن يكون رجلاً وهكذا. فهؤلاء الفتية في هذا السن يعني بين أن تكون أعمارهم ثنتي عشرة سنة إلى حدود عشرين سنة، هذه أعمار هؤلاء الشباب الذين اعتزلوا قومهم من أجل أن يعبدوا ربهم وحده . وهذا ولا شك إذا كانت السورة سميت باسم سورة الكهف، والكهف إنما هو لفتية لجأوا إلى هذا الكهف عبادة لله وهروبًا بدينهم من أجل الله فانظروا إلى شباب عصرنا سلمكم وسلمهم الله. 
يعني الآن هذه سنيّهم ومع ذلك هذا تفكيرهم، الواحد منهم يريد أن يحمي نفسه من أن يفتن في دينه فيهرب من قومه ومن بيته ليسكن في رأس جبل حفاظًا على كلمة التوحيد بألا تخدش وألا يجبر على ما يغضب الربّ  والآن الشباب والبنات يبلغ الواحد منهم الآن ثلاثين سنة وما زال إلى الآن يفكر باللعبة واللعيّب، وما زال يفكر في أمور الدنيا لهواتها، ما زال يفكر في مطعمه في مشربه في لبسه، من حين أن يبدأ يتحدث وهو: أريد جوالاً فإذا اشترينا له جوال أبو خمسين ريال وهو عمره لا زال ثمان سنين عشر سنين بعد ما يصير عمره عشر سنين مباشرة يقول أبغى أيفون وإذا بلغ اثنتي عشرة سنة قال لك أبغى البلاك بيري، فهمُّ شبابنا أصبح الواحد منهم يعيش من أجل فقط أن يطوّر أجهزة الجوال التي عنده، وإذا كبر قليلا يعيش من أجل هذه السيارة التي يركبها كيف هي؟ ما لونها؟ ما موديلها؟ ما وضعها؟ الكفر مرة متر ومرة عشرة سنتيمتر؟ لون السيارة من الداخل كل يوم بشكل، والبنت تعيش في أي همٍّ؟ تعيش في أي فكر؟ حياتها تبنى على أي شيء؟ يا أحبتي هؤلاء الفتية لننظر كيف عاشوا؟ ومن أجل أي شيء اعتزلوا؟ وعلى أي شيء ماتوا؟ نريد من شباب الإسلام من فتيات الإسلام أن يكونوا كهؤلاء الكبار في همومهم وقيمهم وأهدافهم وإن كانوا صغارًا في سني عمرهم.
يقول الله عزّ وجلّ عنهم (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) 
أول ما يكون أخي، إذا هربت من شيء أو خفت من شيء أول ما تدعو الله عزّ وجلّ أن ينزل عليك رحمة من عنده، هذا هو هدي القرآن وهذا هو فعل هؤلاء الفتية قالوا (رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً). وإذا كنت تدعو الله عزّ وجلّ فأول ما تدعوه  أن ينزّل عليك رحمته بفضل من عنده لا تدعو الله عزّ وجلّ بدءًا أخي بصالح عملك فإن هذا وإن ثبت في نصوص فإن النصوص الأكثر في هذا الباب أن تدعو الله عزّ وجلّ بمنته بكرمه بجوده بعظمته بما هو له أهل وليس بما أنت له أهل حتى وإن كنت في نفسك محصنًا. ولذلك هنا هؤلاء الفتية مع أنهم هربوا بكلمة التوحيد كان من دعائهم الجميل أن قال الله عزّ وجلّ (رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً) من لدنك من عندك (وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) هيئ أي يسّر لنا يا رب من أمرنا ما يكون فيه الرشد وهذا أيضًا من الدعاء الحسن الجميل للعبد، إذا خشيت من فتنة فادعو الله عزّ وجلّ دائمًا أن يكون الله عزّ وجلّ هو الذي يهديك الطريق الرشد، الطريق القويم , فتدعو في الفاتحة (اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) وهؤلاء دعوا فقالوا (وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) فأكثر من هذا الدعاء أن يكون الله عزّ وجلّ هو الذي يصنعك هو الذي يختار لك هو الذي يدلك، أكثر من هذا وافتقر إليه وتخلص من حولك وقوتك وذكائك وعلمك وما تزعم أن الله عزّ وجلّ وهبه لك، بل افتقر إلى الله تمام الافتقار. ولذلك كان مما حكاه الذهبي في دلالته على أن الله عزّ وجلّ هدى ابن تيمية هذه الهداية العظيمة فأصبح مجددًا من أعظم المجددين في تاريخ الإسلام قال: "وكان كثير اللجأ والافتقار إلى الله عزّ وجلّ وكثيرًا ما رأيته يرفع يديه إلى الله عزّ وجلّ فيدعوه وينكسر بين يديه ويسجد فلا يرفع رأسه من سجدته إلا بعد دعاء طويل" افتقار، ذل, انكسار، فهؤلاء أيضًا كان من ديدنهم هذا مع ربهم.
قال (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا) ضربنا على آذانهم، من عادة ما تستخدمه العرب أن يقولوا ضربنا على أبصارهم لا يقولون على آذانهم، ولذلك يقول ابن عاشور، قال: "وهذا لا يعرف في استعمالات العرب أن يكون الضرب على الأسماع وإنما المعروف في كلامهم أن الضرب على الأبصار" قال: "وهذا من بديع وإعجاز القرآن، فإن الضرب على الأسماع في النوم أبلغ من الضرب على الأبصار". وهذا معروف وملحوظ ولكنه من مكنونات كتاب الله عزّ وجلّ، لماذا؟ لأنه حينما يريد الإنسان أن ينام، أنت إذا غطيت عينيك عن النور عن أن ترى من حولك لا تريد أن تراهم من أجل أن تنام، فجاءك صوت أليس هذا يزعجك سريعًا؟ صوت مباشرة تشعر أنك قمت وتنبهت، لكن لما يُضرب على الآذان ما تسمع شيئًا ثم ينام الإنسان، هل سيرى بعد نومه؟ لن يرى مع نومه أبدًا فهو في حال نومه لا بد وأن يغلق بصره فإذا أغلق سمعه أغلق الأمران معًا أغلق البصر بالنوم وأغلق السمع بإغلاقه هو لكن لو أنه أغلق بصره وترك سمعه هل إذا نام يُغلق السمع مباشرة؟ لا، السمع مفتوح يأتيك الصوت فتستيقظ. فإذا أردت أن تنام نومًا مستغرقًا فلا بد أن تضرب على آذانك تغلق الآذان ثم تنام فتغلق العين فلا سمع ولا بصر. وشبابنا لا يحتاجون أن نوصيهم حتى يناموا نومًا مستغرقًا يعني ما شاء الله آخذين حقهم من النوم وزيادة، لكن أنا أقصد هذا المثل في القرآن ذكره الله عزّ وجلّ لهؤلاء الفتية لأن نومهم كان لحكمة عظيمة من الله عزّ وجلّ. قال بعد ذلك (سِنِينَ عَدَدًا) وبيّن الله عزّ وجلّ هذا العدد فيما سيأتي من الآيات. 
(ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا # نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى). (ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا) اختلف الناس في إحصاء مكثهم في هذا الكهف فالله عزّ وجلّ أراد أن يبيّن هذا للناس ليبيّن من كان ضابطـًا لهذا الإحصاء ومن كان مخطئـًا فيه، وهذا فيه دليل على مسألة أن الإحصاء من الأمور الشرعية المطلوبة فلا تستطيع أن تتخذ قرارات كثيرة في الحياة إلا بناءً على معرفة للواقع ومن ذلك الإحصاء، فتكشف الواقع بإحصاء ثم تحكم بعد هذا الإحصاء. فقال الله عزّ وجلّ هنا يبين الناس هنا أحصوا من أجل أن يحكموا على هؤلاء الفتية فهناك من أصاب في إحصائه وهناك من أخطأ في إحصائه فأنزل الله عزّ وجلّ ما يوضح ذلك ويحكم بين الفريقين. 
(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) هنا، الله عزّ وجلّ ذكر من حال الفتية شيئين:
- أما الأول فهو ما رزقهم الله عزّ وجلّ إياه بسبب منهم.
- وأما الثاني فما رزقهم الله عزّ وجلّ من دون سبب وإنما مكافأة على فعلهم للسبب الأول.
وهذا يوضح لك أن منن الله عليك هي على نوعين: فإما منة كنت أنت سببًا فيها، وإما منة هي محض تفضُّل من الله عزّ وجلّ عليك. والثانية أعظم في العطاء لأن ما يختاره الله عزّ وجلّ لك أعظم مما تختاره لنفسك. 
فهنا الله عزّ وجلّ قال (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ) الإيمان هل هو وقع منهم؟ أو الله عزّ وجلّ هو الذي وهبه لهم؟ الإثنان معًا، فهم آمنوا والله وهبه، وكان لهم سببًا أنهم أرادوا أن يؤمنوا فالإيمان من الله والسبب منهم. ثم زادهم الله عزّ وجلّ بقوله (وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) الهدى هذا هل هو كان بسببهم؟ لا، هذا محض تفضـُّـلٍ من الله عليهم ولذا قال (وَزِدْنَاهُمْ)، الأول قال (آمَنُوا) هم الذين آمنوا، والثاني قال نحن زدناهم (وَزِدْنَاهُمْ) ولذلك إذا عملت الحسنة فإن من ثوابها الحسنة بعدها وهذا من فضل الله عزّ وجلّ الذي لا ينقطع. 
ثم قال سبحانه (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) هذه منة أيضًا لها سبب كالنوع الأول هو الله عزّ وجلّ ربط على قلوبهم لكن ربط على قلوبهم بسبب ماذا؟ أنهم قاموا. فالربط لم يكن إلا بعد أن قاموا ولذا قال هنا (إِذْ قَامُوا)، و(إذ) هذه ظرف لما مضى من الزمان، بينما (إذا) ظرف لما يستقبل من الزمان "إذا فعلت كذا". (إذ) في غالبها تستخدم لما مضى وتستخدم للحاضر ونادرًا ما تستخدم للمستقبل ولكنها في أغلب استعمالاتها مثلاً: أحببتك إذ رأيتك في مجلس العلم، رأيتك متى؟ قبل هذا وقد يكون رؤية الآن .. هذه في أغلب استعمال (إذ )..
فعندنا هنا الله  يقول (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ) متى ربط على قلوبهم قبل ذلك كان هناك سبب ما هو السبب؟ أنهم (إِذْ قَامُوا) قاموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فأنت إذا قمت بهذا الأمر وهذا النهي فجابهت الخلق من أجل رب الخلق فإن الله عزّ وجلّ سيـربط على قلبك ولذلك كل من كان من ديدنه أنه يقدم حق الله ومحبة الله ورضا الله على حق ورضا ومحبة الناس أن يثبته الله عزّ وجلّ فلا يتزحزح ولا ينكص أبدًا. إذا قام وجهر بذلك لله فأبدًا والله مثل هذا ما يعود ولا ينكص على قدميه إذا قام من أجل الله. 
الله يقول هنا وربطنا على قلوب هؤلاء الشباب، متى؟ قال (إِذْ قَامُوا) وقفوا هنا أظهروا، وليس المراد هنا أنهم آمنوا، لا، تنبه لذلك!! فالآية ( قَامُوا) والقيام لا يكون إلا في وجه الغير في وجه آخر، أنا قمت في وجه فلان، فهم قاموا في وجه قومهم، وليس هو قام بنفسه وإنما هذا آمن أما القيام فلا يكون إلا في وجه من عاند وعارض فتقوم أنت في وجهه وتكون ندًا له. هو هنا يكفر بالله أنت هنا تؤمن بالله هنا هو يعصي الله أنت هنا تنهى عن المنكر الذي ينهي هذه المعصية، فهو قام للشيطان وأنت قمت للرحمن (إِذْ قَامُوا) فلما قاموا قالوا (فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا) جاءوا إليهم يأمرونهم بالكفر ودعاء غير الله فأبوا قالوا أبدًا لا يمكن هذا مطلقـًا، قاموا ورفضوا وأعلنوا الرفض أمام هؤلاء الطغاة الذين أرادوا منهم أن يدعوا غير الله عزّ وجلّ. ما هو كلامهم؟ قالوا ربنا رب السموات والأرض وهذه قضية الربوبية وهي في غاية الأهمية أن تستخدمها مع من يكفر بالله. وحاذر أخي، حاذر أن تستخدم الاحتجاج بالإلوهية مع من يكفر بأولوهيته ، فإن هذا ليس من منطق القرآن ولا من منطق العقلاء في الاحتجاج، وإنما حجة القرآن مع من يكفر بأولوهية الله، مع من يعبد غير الله هذا الذي يكفر بالإلوهية حجة القرآن أن يعيده إلى الربوبية. وهنا هؤلاء يكفرون بالله ويعبدون غير الله فما قالوا هنا (الله إلهنا الله إله السموات والأرض) لم يقولوا ذلك. المنطق منطق احتجاج بالربوبية لا بالإلوهية حتى يعودوا إلى ما هو متفق عليه بينهم وبين من يدعونهم إلى الكفر، فكلهم يتفقون على ربوبية الله فيرجعون إلى كما يسمى في اللغة المعاصرة الأرض المشتركة والقواسم المشتركة بيني وبين من أناقشه. .فعادوا إلى الربوبية ليخرجوا من الربوبية ويستدلوا بها على الإلوهية فقالوا (فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) إذا كان رب السموات والأرض وهو ربهم ما الواجب إذاً؟ الواجب الألوهية ولذلك كان من عبارات أهل العلم أن الربوبية مستلزمة للإلوهية مباشرة تمامًا. نحن نحتج بالربوبية لكن هذه الربوبية يلزم منها الألوهية (فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) اتفقتم معنا على ذلك؟ فما النتيجة التي نخرج بها إذاً؟ (لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا) لن نعبد غير الله كيف يكون هو الرب وندعو غير الله؟! كيف تزعمون أن الله هو الرازق وأنه هو الخالق وأنه هو المحيي وأنه هو المميت وأنه هو الذي يهدي وهو الذي يضلّ جلّ وعلا سبحانه، أنه  هو الذي يتصرف في كونه ؟ ثم بعد ذلك تأمروننا أن ندعو غيره ؟! ولذلك كل من آمن بالربوبية وأشرك بالإلوهية فهو قد ناقض نفسه مناقضة تامة يعرفها كل عاقل.
فقالوا هنا (لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا) الشطط في أصل اللغة هو البعد الشديد، هذا معنى الشطط ولذا يقال شط فلان أي ابتعد كثيرًا، ويقال للشيطان شيطان لأجل أنه ابتعد ومال ميلاً عظيمًا عن الحق. ويقال للشاطئ شاطئ لأجل أنه مال عن لجة البحر فأصبحت أطرافه شاطئاً له فهذا شاطئ من هنا وذاك شاطئ من هنا كلها في الاشتقاق الأكبر مأخوذة من لفظ واحد، فهذا هو الشطط. (لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا) أي نؤمن بربوبيته ثم نكفر بإلوهيته هذا لا شك أنه قول شطط لا يقول به عاقل. 
(هَؤُلاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) والآية واضحة في معناها. ثم قال (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِه ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا) الآن بدأ بعد النقاش، بدأ حراك الجوارح، الجسد بدأ يتحرك، فهناك مرحلة ثانية في دعوة الناس إلى دين الله: المرحلة الأولى هي مرحلة الحِجاج، النقاش البرهان، أنا على يقين من الحق الذي عندي، هناك آخر يكفر بالله هناك آخر يعصي الله هناك آخر يظلم عباد الله، أنا أعلم أن هذا باطل وأن هذا حق وأصبحت على يقين من هذا، ما الواجب هنا؟ الواجب هنا أن تبدأ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن ترد هذا الذي وقع في المنكر إلى طاعة الله، أن ترده إلى ما عندك من الحق. هذا هو الأول من مراحل التعامل مع الناس فإذا وجدت قبولا من الناس إذا وجدت أحدًا يستمع إليك قلّ ذلك أو كثر كانوا على عدد أصابع اليد الواحدة، كانوا مئات وألوف من الناس، هناك من يسمع إلى الحق الذي تنادي إليه، هناك من يستجيب إلى دعوة الله التي تعلنها وتصرخ بها بين أظهر الناس فلا يجوز لك أن تعتزل الناس هنا وإنما الواجب أن تخالطهم. 
حينما سئل النبي  كما في الحديث الصحيح عن التفضيل الخيرية بين من يعتزل الناس وبين من يخالط الناس، أيهما أفضل يا رسول الله؟ أيهما خير يا رسول الله؟ قال: الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، هذا خير، ولذلك كان هذا هو ديدن أهل العلم في القديم والحديث. لكن إذا وصلنا إلى مرحلة أنه لا أحد يستجيب إلى دعوتك دعونا لمدة سنة لمدة سنتين ثلاث خمس سنوات، الذين استجابوا هم مائة شخص وظلوا مائة لم يزدادوا مع الأيام، وتبين لنا أن بقية الناس لن يدخلوا في دعوتنا، وتيقن ذلك في ما عرفناه من أحوال المدعوين، ما الواجب هنا؟ كما قال الله عزّ وجلّ لهؤلاء (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ) اعتزلوا هؤلاء القوم بعبادتهم لله وتنبه إلى ذلك أن الاعتزال هنا من أجل أن يعبدوا الله عزّ وجلّ بحسب ما يقدرون وبحسب ما وصلهم من العلم الذي يعبدون الله  به. فأولئك قوم كفروا ولم يستطيعوا أن يدعوهم إلى دين الله فهنا يعتزلون ويعبدون الله بقدر ما يستطيعون. هذه المرحلة الثانية ودلّ عليها حديث النبي  لما قال صلوات ربي وسلامه عليه في الحديث الصحيح، قال عن الفتنة وحينما يمـرج أمر الناس قال صلوات ربي وسلامه عليه قال: "فاعتزل الناس" في اللفظ الآخر قال: "فعليك بخاصة نفسك"، وفي لفظ آخر قال: "فعضَّ على أصل شجرة" وكل هذه الألفاظ إنما هي في حال طغيان الفتنة على الناس لا يأتمر أحد بأمر ولا ينتهي أحد عند نهي. ففي هذه الفترة من الناس عندئذ الحلُّ هو أن تعتزل هؤلاء الناس وتعبد الله عزّ وجلّ في خاصة بيتك. وإذ لم تستطع ذلك فخذ معك رعية من الغنم وتتبع بها شغف الجبال كما يقول خذ معك غنم، شياه شيء من هؤلاء، واخرج إلى البرية لا تسأل عن الناس ولا تدري عن أخبارهم، ولا تريد منهم شيئًا ولا يريدون منك شيئًا وإنما اعبد الله عزّ وجلّ في برية من البراري، هذا في الحال التي بلغها هؤلاء الفتية، فاستجابوا لذلك فاعتزلوا الناس وما يعبدون من دون الله، فعبدوا الله عزّ وجلّ في الكهف. فقال الله (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِه ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا) دلّهم الله عزّ وجلّ على مكان العبادة وهذا أيها المبارك أمر ينبغي أن تتفطن له، أن عبادة الله عزّ وجلّ ليست في كل مكان فقد تكون في أماكن أفضل منها في أماكن أخرى فتخيّر لعبادة الله ما هو أوفق لقلبك. ولذلك السنة الراتبة حثّ النبي  أن تكون أين؟ في البيت، بل إن كل صلاة غير المكتوبة الأفضل أن تكون في البيت أوفق للإخلاص وأبعد عن الرياء. ولذلك حثّ النبي  على أن الصلاة تكون في داخل البيت، في أظلم مكان في البيت والمرأة أن تكون في بيتها يعني في المكان البعيد عن الضوضاء عن الذاهب والرائح، في البيت. فالعبادات أماكنها تختلف فليس كل مكان يصلح أن يكون عبادة كما هو غيره من الأماكن وإنما تتفاضل. إما تتفاضل في حالها، أو في زمانها، أو في مكانها فتنبه لذلك سلمك الله في اختيارك للعبادة. فالعبادة تختلف عن أختها بحسب ذاتها، بحسب حالها، بحسب زمانها، بحسب مكانها فالله دلّهم هنا على أن أفضل عبادة تعبدون الله عزّ وجلّ فيها أن تأووا إلى هذا الكهف، فدلّهم على المكان المناسب لعبادتهم (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِه) الكهف معلوم أنه أحجار وأنه ليس بمكان للراحة والطمأنينة ولكن الله غيّر من حاله بما غرسه في قلوبهم وبما جعله في نفوسهم من الطمأنينة الكاملة والسعادة التامة حينما دخلوا هذا الكهف فقال (يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِه) والنشر ليس هو الإنزال، النشر ما يكون فيه بث كنشر المطر، يعني ما تنشره الرياح يسمى نشراً (وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا) (المرسلات) إما الرياح وإما الملائكة فليس إنزال وإنما هو نشر، أي أن يعمُّ كما تنتشر مثلا رائحة العطر، كما ينتشر الماء إذا نزل على بلد وهكذا.
قال (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِه ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا) الرحمة تنشر، الأمر الثاني يهيئ، ييسر لكم من أمركم مرفقًا، والمرفق مأخوذ من الإرفاق، وسمي هذا المرفق هنا مرفقًا لأجل أنه يُتكأ عليه يعني يُرتاح عليه، فما يكون فيه رفق يسمى مرفقا فهذا الكهف أصبح كأنه متكأ يتكأ عليه هؤلاء الفتية حال عبادتهم لله عزّ وجلّ.
قال (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا) ترى الشمس من إعجاز الله عزّ وجلّ لهؤلاء الفتية وحالهم (إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ) أي في حال شروقها (طلعت) أي في حال الشروق، تزاور يعني تميل والازورار هو الميل، فتميل (عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ) فإذا خرجت من الشرق مالت عن كهفهم ذات اليمين معناها أنه فتحة هذا الكهف هي من جهة الشمال وتميل إلى الشرق قليلاً أي أصل فتحة هذا الكهف من جهة الشمال وتميل تزورّ قليلاً عن الشمال إلى جهة الشرق فالشرق يأكل منها قليلاً فهذا معنى (تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ). 
(وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) في حال الغروب يختلف الأمر، يتغير قليلاً (تَّقْرِضُهُمْ) تقرض بمعنى أنها تأكل ولكن القرض يختلف عن الأكل أن القرض يكون بمقدمة الأسنان فكل ما شابه ذلك يسمى قرضـًا، فتقرضهم بمعنى كأنها تلسعهم لسعـًا ليس بمعنى أنها تحيط بهم تغطيهم لا، ليست كحال شمسنا في السعودية ما شاء الله لا، ليس هكذا، وإنما تأخذ منهم لسعة هكذا تقرضهم كما يقرض من له أسنان مثل الجربوع من الأمام فالشمس تأخذ منهم قليلاً هكذا حتى الجلد يأخذ حظه من الشمس فلا تموت خلايا الجلد لأن الشمس إذا ما وصلت إلى خلايا الجلد فإنه يتقطع الجلد. ولو أن إنسانًا حبس في مكان مظلم مدة من الزمن من المعلوم أن جلده يتساقط، يبدأ يتناثر من فوق لحمه يذوب ذوبانـًا فالشمس هي التي تكرر خلايا هذا الجلد فتحفظه فكانت الشمس هكذا بقدر ما يحتاجون إليه.
قال (وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ ِّ مِّنْهُ) أي في مكان داخل، الفجوة هي المكان الداخل في الشيء (ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا) هذا من توفيق الله وهدايته لهؤلاء الشباب.
قال (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ) لأن الله عزّ وجلّ كما ذكر ابن عباس وجماعة جعل عيونهم مفتوحة وهم نيام فهم نائمون ولكن العيون لم تكن مغلقة (وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ) يقلّب الله أيضًا أبدانهم يمين ويسار حتى يجدد أيضـًا الهواء الذي يصل إلى الجلد، لأن الجلد إذا كان ملتصقـًا بمكان واحد فإنه مع الوقت يبدأ يحترق وشيئًا فشيئًا ينسلخ، فينسلخ شيئًا فشيئًا حتى يذهب وهذا معلوم حتى في المستشفيات تلحظون أن المريض لا قدر الله إذا كان مدة طويلة على ظهره لا بد أن يقلبوه يميناً ويساراً فالله هو الذي كان يقلبهم . (وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) باسط أي أنه الكلب مدّ يديه على هيئة ما ترى من جلسة للكلب يمد في حال الإقعاء، يمد يديه إلى الأمام هذا يقال باسط، هذا الكلب باسط ذراعيه أي اليدان قد بسطهما إلى الأمام (وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) الوصيد يطلق في لغة العـرب على الفتحة التي تكون في مقدمة الشيء، يقال للباب مثلا وصيد البيت لأنه في المقدمة، يقال للكهف للغار وصيده أي ما كان في أوله حالها كحال العتبة عند الباب فهذا هو الوصيد، فكان مكان الكلب الذي جلس فيه هو فتحة الكهف أمام هذه الفتحة متربصـًا يحمي الله عزّ وجلّ به هؤلاء الفتية.
(لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا) يقول جماعة من السلف في تفسير هذه الآية إن الله  لم يجعل شعورهم وأظافرهم تقف على ما هي عليه حينما ناموا وإنما استمرت في نموها كما لو كانوا أحياء، فطالت أظفارهم كثيرًا وهذا جاء عن جماعة من السلف، وطالت شعورهم سواء كان في وجوههم أو في شعورهم أو في بشرتهم أو في أقدامهم ثلاث مائة سنة ولك أن تتصور هذا! فالعيون مفتوحة والشعور قد غطت و الأظافر قد طالت والكلب هكذا منتصب يحميهم. فيقول الله  لنبيه محمد  (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ) وهو أنت يا محمد لو اطلعت عليهم (لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا) يعني منظر فيه ما يخيف، فيه ما يقزز فيه أشياء كثيرة تجعل الإنسان لا يملأ عينه من هذا الذي يراه (لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا) لذهبت وابتعدت منهم خوفًا من حال هؤلاء الذين أصبحت أجسادهم على هذه الصورة. 
هذا أيها الأحبة ما يتعلق بهم في كهفهم ولك أن تجد عجبـًا أن الله عزّ وجلّ ذكر هذا الكهف مثنيًا عليه حينما صحب قومـًا من أهل الخير والفضل، فكلبٌ أثنى الله عزّ وجلّ عليه وذكره في محكم تنزيله على سبيل الثناء والمدح له لما صحب أخيارًا وأفاضل من أهل الإيمان فرّوا بدينهم. فيا أيها المبارك كيف بك أنت إذا صحبت وأنت من أهل الإيمان صحبت أناسـًا من أهل الفضل والخير؟! أو تظن أن الله لن يذكرك بخير عند ملائكته وفي ملئه؟؟! بلى والله سيذكرك ويثني عليك وعلى صحبتك وتكون عقباك في الدنيا والآخرة إلى خير. أسأل الله عزّ وجلّ أن يرزقني وإياكم صحبة صالحة تكون عونـًا على طاعته وذكره في الدنيا وعونـًا على رفعة الدرجات وعلو المنزلة في الآخرة.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل