تأملات في سورة الحج

تأملات في سورة الحج

بقلم صفحة إسلاميات


تبدأ سورة الحج بنداء (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴿١﴾) وآخر سورة الحج (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩﴿٧٧﴾)

وسورة الحجرات بدأت بنداء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿١﴾) وختمت بالنداء (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴿١٣﴾).

النداء في سورة الحجرات بدأ بنداء الخاص وختمت بالنداء العام لأن السورة تريد أن تحقق منهجًا عالميًا يبدأ به الخاص وينتقل للعام يدل على معنى التعايش (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) التعارف والتعايش لا التعارك (فمن اتبع المنهج الذي جاءت به الآيات التي نادت الذين آمنوا سيتنشر هذا المنهج بين كافة الناس لأن السورة حددت لها منهجية التعامل فيما بين المؤمنين حتى الفئة الباغية ومنهج تعامل المؤمنين مع من سواهم من غير دينهم فمن اعتاد في تعاملاته على المنهج الحق القويم ستكون علاقاته وتعاملاته مع كافة البشر أيضًا وفق هذه التعاليم الربانية الحقّة).

 

النداء بـ (يا أيها الناس) افتتحت به سورتي النساء والحج فقط وهذا النداء عام لكل الناس وسورة النساء بدأت بالحديث عن بداية خلق البشر وسورة الحج افتتحت بالتحذير من يوم القيامة وهما أي الخلق والقيامة يستوي فيهما كل البشر مؤمنهم وكافرهم فناسب أن تفتتح السورتان بالنداء العام للبشرية كلها.

في سورة الحج بدأت بخطاب موجّه إلى كل الناس (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴿١﴾) كل الناس مطالبون بالاستعداد ليوم القيامة فهي تقوم على خيار الخلق وشرارهم، مؤمنهم وكافرهم، وآخر السورة الخطاب كان للصفوة المؤمنين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩﴿٧٧﴾) لأن الركوع والسجود وعبادة الله تعالى على مراده سبحانه وفعل الخيرات لا يقدر عليها إلا المفلحون المؤمنون.

 

وسورة الحج سورة تخاطب العالمين فهي سورة عالمية يدل على ذلك تكرار كلمة (الناس) في السورة في 14 آية هي:

1.      (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴿١﴾)

2.      (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴿٢﴾)

3.      (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ ﴿٣﴾)

4.      (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴿٥﴾)

5.      (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴿٨﴾)

6.      (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴿١١﴾)

7.      (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ۩﴿١٨﴾)

8.      (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٢٥﴾)

9.      (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴿٢٧﴾)

10.  (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿٤٠﴾)

11.  (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴿٤٩﴾)

12.  (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴿٦٥﴾)

13.  (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴿٧٣﴾)

14.  (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴿٧٥﴾)


ولأن السورة خاطبت الناس جميعا ورد فيها ذكر أماكن العبادات المختلفة (صوامع، بيع، صلوات ومساجد) في قول الله تعالى (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿٤٠﴾)


وورد في السورة سجدتان وهي السورة الوحيدة التي فيها سجدتان:

الأولى وردت في سياق الحديث عن المخلوقات كافة وأصناف الناس الذين توجه الخطاب لهم من بداية السورة (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿١٧﴾) فجاءت آية السجدة مباشرة بعدها تبين أن الكون كله يسجد لله تعالى أما الناس فمنهم من يسجد ومنهم من لا يسجد (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ۩﴿١٨﴾)

 وفي ختام السورة وردت سجدة أخرى خاصة بالمؤمنين الذين خاطبتهم السورة بأحكام خاصة بهم عبر نداءات الإيمان (يا أيها الذين آمنوا) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩﴿٧٧﴾)


وتكررت لفظة الحكم والفصل

1.      (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿١٧﴾) وهذه الآية تختلف عن متشابهاتها في القرآن الكريم بإضافة المجوس والذين أشركوا لتشمل كل الأصناف التي سيكون الفصل بينها يوم القيامة وهذا يناسب خطاب السورة العالمي للناس جميعًا.

2.      (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴿٥٦﴾)

3.      (اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿٦٩﴾)


وتكرر تأكيد نصر الله تعالى لعباده وعظيم قدرته وعدله للدلالة على عظيم قدرة الله تعالى وأن بيده الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله يفعل ما يشاء سبحانه وهو الذي يفصل بين الناس ويحاسبهم يوم يرجعون إليه وحده ولن يظلم أحدًا، ينصر من يشاء من عباده المؤمنين ويدافع عنهم ويرزقهم ثم يبعثهم ويحاسبهم ولا وليّ ولا نصير لأحد إلا الله سبحانه وتعالى.

1.      (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٦﴾)

2.      (وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴿١٠﴾)

3.      (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴿١٤﴾)

4.      (وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ ﴿١٦﴾)

5.      (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿١٧﴾)

6.      (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ۩﴿١٨﴾)

7.      (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴿٣٨﴾)

8.      (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴿٣٩﴾)

9.      (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿٤٠﴾)

10.  (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴿٤٨﴾)

11.  (وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٥٤﴾)

12.  (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴿٥٨﴾)

13.  (لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴿٥٩﴾)

14.  (لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ﴿٦٠﴾)

15.  (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴿٦١﴾)

16.  (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴿٦٢﴾ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴿٦٣﴾ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴿٦٤﴾ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴿٦٥﴾)

17.  (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴿٧٠﴾)

18.  (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿٧٤﴾ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴿٧٥﴾ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴿٧٦﴾)

19.  (وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴿٧٨﴾)


والسورة التي افتتحت بالحث على الاستعداد ليوم البعث ذكر فيها نموذجًا مصغّرًا ليوم الحشر وهو الحج حيث يجتمع الناس من كل فج عميق على اختلاف ألوانهم وأحوالهم وأجناسهم وأعمالهم ومراكزهم الاجتماعية والمادية يتحللون من كل ماديات الدنيا ويؤدون مناسك الحج بلباس أشبه ما يكون بالكفن وأكرمهم في هذا الموقف وفي يوم الحشر أتقاهم لله تعالى، لا فرق بينهم إلا بالتقوى التي أُمروا في بداية السورة بها (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴿١﴾)

وفي الحج يجب أن يكون الحاج متحللًا من حقوق الناس ليس في ذمته حق لأحد منهم وهكذا ينبغي أن يكون يوم الحشر وإلا حوكم وحوسب وفُصل بينه وبين أصحاب الحقوق.


 الإستعداد ليوم القيامة يكون بالتقوى وفي الحج خير الزاد التقوى (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) وفي ختام السورة ذكرت الآيات ما يحقق التقوى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٧٧﴾ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ)


 

وسورة الحج ذكرت ركن الحج وهو أيام معدودات وتنتهي بعودة الحجيج إلى ديارهم وأهلهم كيوم ولدتهم أمهاتهم إن كان حجهم لم يشوبه رفث ولا فسوق وكذلك الحياة الدنيا إنما هي أيام معدودات وتنتهي يوم القيامة إما إلى جنة وإما إلى نار. فينبغي لنا أن نستشعر أن إقامتنا في هذه الدنيا مؤقتة بزمن محدد يختلف من شخص إلى آخر بحسب أجله الذي قدّره الله تعالى له. والحج فيه مكابدة ومشقة تماما كالحياة الدنيا وفيه تعامل مع أجناس مختلفة من البشر لكل منهم عاداته وأفكاره وأخلاقه وطبائعه وكذلك الحياة مليئة بأجناس الناس بطبائعهم المختلفة الذين يتعامل معهم الإنسان بشكل يومي والصبر مطلوب في الحج ومطلوب في الحياة الدنيا: صبر على الطاعة وصبر على البلاء والمشقة وصبر على التعامل مع الخلق والفائز المفلح الذي أمضى حجه وحياته من قلّ رفثه وفسوقه وزاد صبره وجهاده لنفسه.

 

وتكرر في السورة لفظ العلم ومشتقاته 14 مرة

"لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً " " أيام معلومات" "وليعلم الذين أوتوا العلم" " ألم تعلم أن الله يعلم" "ليس لهم به علم " " بغير علم

1.      (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ ﴿٣﴾)

2.      (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴿٥﴾)

3.      (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴿٨﴾)

4.      (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴿٢٨﴾)

5.      (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٥٢﴾)

6.      (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٥٤﴾)

7.      (لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴿٥٩﴾)

8.      (وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿٦٨﴾)

9.      (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴿٧٠﴾)

10.  (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ﴿٧١﴾)

 

11.  (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴿٧٦﴾)


أسماء الله الحسنى التي وردت في سورة الحج:

رب، الله (74 مرة)، إله، الحق، قدير، شهيد، الحميد، قوي، عزيز، عليم، حكيم، قدير، هادِ، حليم، عفو، غفور، سميع، بصير، العلي، الكبير، لطيف، خبير، الغني، رؤوف، رحيم، المولى، النصير.

ولعل ورود هذه الأسماء الحسنى المتعددة في هذه السورة يتناسب مع سياق سورة الحج وفريضة الحج التي وردت فيها حيث يجتمع في الحج أجناس مختلفة من الناس (وهذا يتناسب مع عالمية السورة وقد تكرر ذكر كلمة الناس في السورة كثيرا) أتوا من كل فجّ عميق بأطباعهم وعاداتهم وأخلاقهم وحاجاتهم المختلفة والمتعددة فناسب ذكر مجموعة من أسماء الله الحسنى تتناسب مع تنوعهم وورود لفظ الجلالة (الله) بهذا العدد يتناسب مع توحيده الذي هو شعار الحج الأول (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك) ووردت أسماء تناسب عظمة الله تعالى وقدرته (قوي، شهيد، عزيز، العلي، الكبير، عليم، سميع، بصير) فمن كانت هذه صفاته فهو قادر على بعث الخلق ومحاسبتهم يوم القيامة ووردت صفات العفو والمغفرة التي تناسب مطلب الحجيج الذين يدعون ربهم بالمغفرة والصفح والعفو (رب، حليم، عفو، غفور، لطيف، خبير، رؤوف، رحيم، المولى، النصير).

وكذلك تنوعت الفاصلة القرآنية في آيات سورة الحج لتناسب هذا التنوع في الناس في الحج يأتون من كل فج عميق (م، د، ر، ج، ق، ن، ظ، الهمزة، ب، ز، ط).

 

وختمت سورة الحج (لعلكم تفلحون) وافتتحت بعدها سورة المؤمنون ببيان صفات المفلحين، تناسق بديع بين سور القرآن الكريم فسبحان من هذا كلامه وهذا بيانه!

 والحج هي الشعيرة المشتركة بين الأنبياء جميعًا من بدء الخلق (سورة الأنبياء السورة التي سبقت سورة الحج) وبين المؤمنين إلى قيام الساعة (السورة التي تلت سورة الحج)

سورة الحج سورة التعظيم والاستسلام لله تعالى

سورة الحج تركز على قضية التعظيم والاستسلام لله تعالى من خلال عرض مشاهد العظمة والقدرة الإلهية. والسورة افتتحت بالتخويف من مشهد يوم القيامة وفيها سجدتين وفيها ذكر شعيرة الحج التي هي مبنية على تعظيم الله والاستسلام لأمره سبحانه.

ومن تعظيم الله أن زلزلة الساعة بأمره وبعث الناس يوم الحشر بأمره

ومن تعظيم الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان في أطوار بدءا من تراب إلى أن يبلغ أشدّه

ومن عظمته سبحانه وتعالى أنه يحيي الموتى كما يحيي الأرض بماء المطر فتهتز وتنبت من كل زوج بهيج

ومن عظمته سبحانه وتعالى أنه يحاسب الخلق يوم القيامة فمن آمن له الجنة ومن كفر له النار وبئس المهاد.

ومن تعظيم الله تعالى سجود من في السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس

ومن عظمته سبحانه وتعالى أنه يفعل ما يشاء ويحكم بين الناس ويفصل بينهم ولو تتبعنا أفعال الله سبحانه وتعالى في السورة لتبين لنا ماهر عظمته سبحانه بدءا من: خلقناكم، لنبيّن لكم، نقرّ في الأرحام، نخرجكم، أنزلنا عليها الماء، يحيي الموتى، يبعث من في القبور، يُدخل الذين آمنوا جنات، يفعل ما يريد، يهدي من يريد، يفصل بينهم، يفعل ما يشاء، يدافع عن الذين آمنوا، لينصرنّ الله من ينصره، الله هاد الذين آمنوا، يحكم بينهم، ليرزقنهم الله رزقا حسنا، ليدخلنهم مدخلا يرضونه، يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، أنزل من السماء ماء، له ما في السموات وما في الأرض، سخّر لكم ما في الأرض والفلك، يمسك السماء أن تقع، أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم، يعلم ما في السموات والأرض، الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، اجتباكم..

هذه أفعال الله تعالى في هذه السورة وحدها ألا تكفي لتعظيمه سبحانه وتعالى وتقديره حق قدره؟! بلى والله!

ونتأمل أسماء الله الحسنى التي وردت في هذه السورة العظيمة فنجدها كثيرة جدا: رب، الله، الحق، قدير، شهيد، الحميد، قوي، عزيز، عليم، حكيم، حليم، عفو، غفور،العلي، الكبير، خير الرازقين، لطيف، خبير، الغني، رؤوف، رحيم، المولى، النصير، ولعل تعدد هذه الصفات والأسماء في سورة الحج العظيمة التي فيها نداءات (يا أيها الناس) تتناسب مع تنوع أصناف الناسفي الحج.

ومن تعظيم الله سبحانه وتعالى فريضة الحج فهي فريضة مبنية على التعظيم الكامل لله تعالى ولشعائره وحرماته والاستسلام لأوامر الله تعالى وأحكامه.

مما يحقق تعظيم الله سبحانه وتعالى العلم، العلم بالله والعلم عن الله والعلم بعظيم خلقه في الكون وفي الأنفس وقد تكرر لفظ العلم ومشتقاته في السورة 11 مرة فالإيمان ثمرة العلم والخشوع والخضوع لأوامر الله تعالى ثمرة الإيمان، فالعلم يورث الإيمان والتعظيم لله سبحانه وتعالى والخضوع وا

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل