التدبر لكلمات الأذكار - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

التدبر لكلمات الأذكار

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

تفريق موقع إسلاميات حصريًا


إن من أعظم المصائب أانه ن يكون الإنسان عير متفهم لما يتلوه ولما يسمعه من كلام الله عز وجلّ ولما يردده بلسانه من الأذكار التي يقولها صباح مساء فيصبح بذلك مثل الطائر الذي يردد كلام الناس ولكنه لا يفهم منه شيئا، وهذه خصلة صارت في المسلمين خصوصًا في الأزمنة الأخيرة يقرأون كلام الله ويرددون الأذكار ويسمعون كلمات معينة في اليوم والليلة مرات كثيرة فلا يفقهون معناها ولا يدرون لماذا يرددونها ولماذا هم يقولونها بهذه الكثرة وما هي المعاني التي تتضمنها تلك الكلمات، وهذا لا شك أنه يعود على الإنسان بعدم التأثر بهذه الكلمات التي جعلها الله عز وجلّ لحياة القلوب (ألا بذكر الله تطمئن القلوب). إن القلب لا يطمئن إلا بشيء يفهم معناه ولا يرتاح ويلتذ إلا بشيء يدركه ويعرف حقيقته. ألا ترون أن بعض المسلمين يقول في اليوم والليلة: "سبحان الله" مائة مرة ولا يدري معنى (سبحان الله) ويقول "الحمد لله" كلما طعم وشرب أو قام أو قعد ولكنه لا يدري معنى الحمد لله، يقول (الله أكبر) وقد يفهم معنى "الله أكبر" ولكن لا يدري لماذا تقال هذه الكلمة عند الأذان وفي الصباح والمساء وفي تكبيرة الإحرام وعندما يتنقل الإنسان بين أركان الصلاة، لماذا؟ ألا يمكن أن تسأل نفسك وتقول لماذا شرع الله هذا؟ أليس ربنا حكيم لا يشرع شيئا إلا لحكمة ولا توضع كلمة من الشرع في مكان إلا لأنها موافقة للحكمة في ذلك المكان.

كان الصحابة رضوان الله عليهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعدوا وهم في سفر كبّروا وإذا هبطوا سبّحوا، لماذا إذا صعدوا كبروا وإذا هبطوا سبّحوا وليس العكس؟ لارتباط هذا بالمعنى لأنك إذا صعدت شيئا فإن هذا الشيء كبير فأنت تتذكر ما هو أكبر منه ومن كل شيء فيتعلق قلبك به ولا تستعظم شيئا من مخلوقاته، صعد، تقول الله أكبر،الله أكبر من هذا الذي صعدته وعلوته وهذا الذي كان كبيرا في عيني وعندما تهبط تنزّه ربك عن السفول والهبوط لأنه علامة نقص فتقول سبحان الله، تنزه الله عن كل نقص وعن مشابهة المخلوقين وعن كل ما لا يليق بجلال الله وعظمته. ألا ترون أننا إذا ركعنا سبّحنا وإذا سجدنا سبّحنا لأننا ننزه الله عز وجلّ عن أن يكون عبدًا وعن أن يكون ذليلا وعن أن يهبط ويسفل فنقول سبحان ربي العظيم في الركوع ونقول سبحان ربي الأعلى في السجود نتذكر علو الله ونحن نهبط بجباهنا وأعلى ما فينا ذلًا لله سبحانه وتعالى.

ينبغي لنا أن نتأمل لماذا شرعت هذه الأذكار وهذه الكلمات التي نرددها في الصباح والمساء وفي الليل والنهار وفي أثناء العبادة؟ هل هذا جاء عفوا عشوائيا بغير قصد أم أن هناك قصدا وحكمة أريدت من وراء كل كلمة شُرعت؟.

عندما يؤذن المؤذن أول كلمة ينطق بها يقول الله أكبر ثم يكررها ثانية وثالثة ورابعة ليوقظنا جميعًا ونحن مشغولون بأحوالنا وشؤوننا وأمور دنيانا: يا عباد الله الله أكبر من كل شيء فالتفتوا إلى الله واتركوا ما بأيديكم لهذا الأكبر، فالذي بيدك من الشغل والعمل ولو كان مهما ولو كان عظيما في نفسك، اسم: الله أكبر، الله أكبر منه  فقدّم أمره. لو أن طفلك يناديك فأنت تسوف في إجابته ولكن لو سمعت صوت أمك تقول لك يا بني، تناديك تجد نفسك من دون إعداد مسبق تقول لها لبيك أنا سامع لك وتسرع بقدميك إليها لأن نداءها وصوتها أعز في نفسك من صوت ابنك الذي ربما يريد لعبة أو يريد أن يتحدث إليك أو غير ذلك من الأسباب التي يدعوك لأجلها. فأنت في شغلك، في وظيفتك، مؤسستك، سيارتك، أوراقك التي تكتب عليك، كتابك الذي تتلوه وسمعت المنادي ينادي الله أكبر فتذكر أن الذي ينادي هو الأكبر فأجبه لأنه ليس شيء أكبر من الله.

ولماذا يرددها المؤذن أربع مرات؟ يرددها أربع مرات لكي تصحو القلوب فلعل النداء الأول لم يسمعه والثاني سُمع ولكن لم تتحرك به النفوس والثالث سيضغط عليها والرابع سيحركها، ما قيل الحمد لله ولا قيل سبحان الله وإنما افتتح الأذان بهذا وكذلك الصلاة أول ما نبدأ بها نقول الله أكبر لكي ننقطع لهذا الكبير عن كل شيء يشغلنا عنه فلا ننشغل بشيء من أمور الدنيا لأن كل شيء دون الله فهو صغير فهل يليق بك وأنت ترفع يديك بين يدي ربك أن تقول الله أكبر وقلبك يلتفت إلى شيء من الدنيا أو المشكلات أو الملهيات أو السواليف أو الأحاديث أو الأحداث التي مرت بك؟ لا يليق بك! ولما كانت هذه الكلمة مؤدية لهذا المعنى شرع ترديدها في عامة الصلاة، فتركع تقول الله أكبر تسجد تقول الله أكبر، ترفع من السجود تقول الله أكبر، تجلس للتحيات تقول الله أكبر، تقوم للركعة الثانية تقول الله أكبر لأن الشيطان ينازعك ونفسك تنازعك ودنياك تنازعك وهواك ينازعك، كل واحدة منها تريد أن تصرفك فتعود هذه الكلمة في كل مرة تقول لك: انتبه أنت أمام من هو أكبر، لا تلتفت إلى ما هو سواه.

إن من صفات أهل الكتاب أنهم كان يقرأون كتبهم ولا يفهمون ما فيها ولذلك ذمّهم الله بقوله (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ) [البقرة:78] إلا يعلمون من كتابهم إلا مجرد التلاوة أماني يعني التلاوة فهم يتلون الكتاب بألسنتهم ويرددون ما فيه من الأذكار والكلمات بألسنتهم لكنهم لا يفقهون معناها وهذا ما ينبغي لنا نحن أن نبتعد عنه كل كلمة تمر عليك، كل ذكر ينطق به لسانك اسأل نفسك ما معناه ولماذا شرعه الله في هذا الموطن؟ لأن الله حكيم وشرعنا حكيم ولا يمكن أن يأمرنا بشيء إلا وهو موافق للحكمة. ألا ترون أننا إذا بدأنا الطعام نقول بسم الله، لماذا لا نقول الحمد لله؟ لأن "بسم الله" مناسبة لبداية الطعام أو الشراب أو الدخول والخروج ونحو ذلك، تقول أبدأ طعامي مستعيناً باسم الله أشرب مستعينا باسم الله أذبح ذبيحتي مستعينا باسم الله لأنه لا يكون شيء يريده العبد إلا بعون الله. وإذا فعل الإنسان الشيء وتلذذ بالنعمة يقول الحمد لله يثني على الله بما هو أهله ويشكر ربه سبحانه وتعالى على ما أولاه من النعمة قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها. وهذا ما ينبغي لكل واحد منا أن يعوّد نفسه إياه، إذا سمعت كلمة من كلمات الأذكار التي تقولها في الصباح وفي المساء أو من آيات القرآن خذ كتابا في التفسير أو اسأل عالما قل له ما معنى قول الله عز وجلّ كذا وكذا؟ هذه نرددها صباحا ومساء، كم مرة سألت أناسًا (قل هو الله أحد * الله الصمد) ما معنى الصمد؟ لا يدرون! كيف تنتفعون بكتاب الله وأنتم لا تدرون معاني الكلمات في السور التي تتلونها في الليل والنهار وتتقربون إلى الله عز وجلّ وتتعبدون له بتلاوتها؟ صحابي جليل يخرج مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في سرية فيؤمهم في الصلاة فكلما قرأ الفاتحة وسورة قرأ بعدها قل هو الله أحد فاستغرب أصحابه وقالوا لم تفعل ذلك؟ قال إني أحبها لأن فيها صفة الرحمن فرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله إن فلانًا كان يؤمنا وكان إذا قرأ الفاتحة وسورة ختم بقل هو الله أحد فقال النبي صلى الله عليه وسلم سلوه لمَ يفعل ذلك؟ قال إني أحبها لأن فيها صفة الرحمن، فقال صلى الله عليه وسلم: أخبروه أن الله يحبه بحبه إياها. هل تستطيع أن تحب ربك من خلال سورة قل هو الله أحد وأنت لا تفهم معاني الكلمات أو الصفات التي وصف الرب بها نفسه في هذه السورة الكريمة العظيمة؟. قلت مرة لطلابي ما معنى الدين في قوله (مالك يوم الدين)؟ فقالوا الإسلام، فقلت يعني مالك يوم الإسلام؟! قالوا لا، قلت إذن ما معنى الآية؟ قالوا ما ندري! كم مرة قرأوا الآية؟! أمة لا تفهم كلام ربها هل هي حقيقة بأن تفهم ما وراء ذلك؟ لا يمكن! والله إننا لا نفهم كثيرا من الأشياء عقوبة لنا على عدم تفهمنا لما أنزل الله علينا من النور، لما نقرؤه بألسنتنا من الوحي فنحن كالببغاوات نردد أشياء لا ندري ما هي ولا ما المراد منها ولا ما معناها ولا الحكمة منها فهل يليق هذا بنا؟!!

أسأل الله بمنه وكرمه أن يرزقنا العلم النافع والفهم لكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم والعمل الصالح وأن يُحسن الله ختامنا.


رابط الخطبة

 

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل