نظرات لغوية في القرآن الكريم - د. صالح العايد - 14

نظرات لغوية في القرآن الكريم حلقات إذاعية

 

د. صالح العايد

التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات

 

(14)

قال الله تعالى في الآيتين 58 و 59 من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (59)﴾، وقال في الآيتين 161و 162 من سورة الأعراف: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ (162)﴾، الموازنة بين آيتي سورة البقرة وآيتي سورة الأعراف تبرز النظرات التالية:

النظرة الأولى:

عطف (كلوا) بالفاء في سورة البقرة وبالواو في سورة الأعراف، لأنه أمرهم في سورة البقرة بالدخول وهو سريع الانقضاء، ثم إنه لا يحسن الأكل مع الدخول، لذلك ناسبه استعمال حرف العطف الفاء؛ لدلالتها على التعقيب.

أما في سورة الأعراف فأمرهم بالسكنى وهي الاستقرار، وهو ممتد يمكن أن يجامعه الأكل؛ ولذلك استعمل الواو، فكان الأمر في سورة البقرة يراد به الإسراع بالدخول والأكل والسجود والقول والعودة مرة أخرى، أما في سورة الأعراف فالمراد الاستقرار والتمتع بالأكل.

النظرة الثانية:

في الإتيان بقوله : ﴿رَغَداً﴾ في سورة البقرة وحذفها في سورة الأعراف، فإنه والله أعلم لما أسند القول إليه تعالى فقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ كان المناسب أن يذكر معه ما يدل على إفاضة النعم، وما يدل على كرم الكريم فقال: ﴿رَغَداً﴾.

أما في سورة الاعراف فإنه بنى الفعل للمجهول فقال: ﴿وَإِذْ قِيلَ﴾، فلم يذكر معه ما ذُكر من الإكرام الوافر لأنه لم يسند إلى الله تعالى.

النظرة الثالثة:

قال في سورة البقرة: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ عاطفًا بالواو ليكون اتصاله بما قبله أقوى لإسناده القول إلى الله تعالى في أولها ﴿ وَإِذْ قُلْنَا﴾.

أما في سورة الأعراف فلما لم يكن الأمر مسندًا إلى الله تعالى ناسب حذف الواو ليكون الكلام استئنافًا.

النظرة الرابعة:

قال في سورة البقرة: ﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾، وزاد في سورة الأعراف: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾، وهي مرادة في سورة البقرة؛ لأن الذين ظلموا هم من المخاطَبين بالأمر "ادخلوا القرية"، وهم الذين بدلوا وغيروا في القول.

أما حذفها من سورة الأعراف فلأن أول قصة أصحاب موسى في السورة نفسها مبني على التخصيص، لأنه قال: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159)﴾ فذكر أن منهم من يفعل ذلك، ثم عدّد صنوف إنعامه عليهم وأوامره لهم فلما انتهت قال: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ فأتى في آخر الآية ما حكى عنهم من مقابلة نعمة الله عليهم بتبديلهم ما قدّم به القول إليهم بلفظ "من" التي هي للتخصيص والتمييز بناء على أول القصة؛ ليكون آخرها متوافقًا مع أولها.

النظرة الخامسة:

في سورة البقرة قال: ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾، وفي الاعراف قال: ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ﴾، ومن المعروف أن خطايا جمع تكسير يدل على الكثرة، وخطيئات جمع مؤنث سالم يدل على القلة، فجمع المؤنث السالم إذا لم تدخل عليه أل دل على القلة، وهو كما قلنا آنفًا لما كان إسناد القول في سورة البقرة إلى الله تعالى ناسب تكثير النعم والفضائل فأتى بما يدل على الكثير من الجمع، فـ(فعالى) من جمع الكثرة ليدل على كرمه وجوده وعظيم امتنانه سبحانه وتعالى، فكأنه قال: نغفر لكم خطاياكم كلها أجمع، وعكسه في سورة الأعراف.

النظرة السادسة:

في قوله تعالى في الآية 83 من سورة البقرة: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ﴾ التولي والإعراض ظاهرهما أنهما شيء واحد فما سرّ الجمع بينهما في هذه الآية؟ إن المقصود بالتولي هنا عدم الوفاء بالعهد الذي أُخذ عليهم بعبادة الله تعالى والإحسان للوالدين ولذي القربى واليتامى والمساكين ومخاطبة الناس بما يليق وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم بين الله سبحانه وتعالى أنهم فعلوا ذلك غير مفكرين ولا متدبرين في عواقب هذا التولي فحصل منهم تولٍ وإعراض عن التفكر في عواقبه.

النظرة السابعة:

قال الله تعالى في الآية 120 من سورة البقرة: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾، وقال في الآية 145 من السورة نفسها: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾،

فعبّر في الآية الأولى بقوله: ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ وفي الثانية ﴿مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، فعبّر بـ(الذي) في الأولى لأن المراد بالعلم فيها العلم الكامل؛ وهو معرفة الله وصفاته، وبأن الهدى هدى الله، فناسب ذكر "الذي" لكونه أبلغ في التعريف من "ما"، وعبّر بـ(ما) في الآية الثانية لأن المراد بالعلم فيها العلم بان قبلة الله هي الكعبة، وهو علم خاص فناسب ذكر "ما" معه، والله أعلم.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل