نظرات لغوية في القرآن الكريم - د. صالح العايد - 13

نظرات لغوية في القرآن الكريم حلقات إذاعية

 

د. صالح العايد

التفريغ لموقع إسلاميات حصريًا

(13)

النظرة الأولى:

في قوله تعالى في الآية 24 من سورة البقرة: ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، وفي قوله تعالى في الآية السادسة من سورة التحريم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، تأملوا -رحمني الله وإياكم- في الآيتين تجدوا أن "النار" وردت معرفة، وفي الآية الثانية وردت نكرة، ولتعريفها في الأولى وتنكيرها في الثانية مقصد عظيم؛ فالخطاب في الآية الأولى للكفار والمنافقين، وهم خالدون مخلدون فيها، محيطة بهم من كل جانب، بل إن المنافقين في الدرك الأسفل منها، فتعريف النار فيها للدلالة على الاستغراق. أما الآية الثانية فالخطاب فيها للمؤمنين العصاة؛ فتعذيبهم يكون في جزء يسير من أعلاها، فتنكيرها لتقليلها.

 النظرة الثانية:

في قوله تعالى في الآية 49 من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾، وفي قوله تعالى في الآية السادسة من سورة إبراهيم: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾، ففي الآية الأولى قال: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ﴾، وفي الثانية قال: ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ﴾ بالعطف بالواو، وفائدة الواو أن القول في الآية الثانية لموسى عليه السلام؛ وهو في مقام تعداد نعم الله على بني إسرائيل ودعوتهم لشكرها، فذكر منها ان آل فرعون ساموهم سوء العذاب بتكليفهم إياهم بالأعمال الشاقة؛ حيث جعلوا منهم عمالًا ينحتون السواري من الجبال، حتى قرِحت أعناقهم وأيديهم وظهورهم من قطع الحجارة ونقلها وبنائها، فنجاهم الله تعالى من هذا العذاب السيئ، ومن تذبيح أبنائهم واستحياء نسائهم، أما في آية سورة البقرة فالخطاب من الله سبحانه وتعالى فأبدل يذبّحون أبناءكم من قوله: ﴿ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ فوقع تفسيرًا وتوضيحًا له.

 النظرة الثالثة:

في قوله تعالى في الآية 187 من سورة البقرة: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، وقوله في الآية 229 من السورة نفسها: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، حينما نتدبر الآيتين نجد في الآية الأولى نهيًا عن مقاربة حدود الله، وفي الثانية نهيًا عن مجاوزتها، ولذلك مقاصد عظيمة فالحدود نوعان:

·        حدود مانعة من ارتكاب المحظور فيُنهى عن مقاربتها.

·        وحدود فاصلة بين الحلال والحرام فيُنهى عن مجاوزتها.

وفي الآية الأولى نهي عن مواقعة النساء في حالة الاعتكاف في المساجد، فغلّظ الوعيد بالنهي عن مقاربته وشدد بالابتعاد عنه والحذر من مقدماته ودواعيه، لئلا يقع في الحرام من حيث لا يشعر، فاقتضت من المبالغة النهي عن المقاربة.

وفي الآية الثانية بيان لحلّ قيام المرأة بافتداء نفسها بمهرها ومخالعة زوجها وأنه لا أثم عليها، فنهى عن مجاوزة الحد برفض ذلك أو مخالفته فقال: ﴿فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾.

 النظرة الرابعة:

في قوله تعالى في الآية 70 من سورة الأنبياء عن إبراهيم عليه السلام وقومه: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾، وفي الآية 98 من سورة الصافات قال: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾، ففي سورة الأنبياء قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ وفي سورة الصافات قال:﴿الْأَسْفَلِينَ﴾، والعلّة في ذلك -والله أعلم- أن الله تعالى أخبر في سورة الأنبياء عن إبراهيم عليه السلام أنه تحدى قومه بالكيد لأصنامهم، وأن قومه أرادوا به كيدًا فألقوه في النار فربح إبراهيم تكسير أصنامهم ونجاته من النار، وخسر قومه أصنامهم وعدم بلوغهم مرادهم من رميه بالنار فناسب التعبير بالأخسرين.

أما في سورة الصافات فأخبر الله تعالى عن قيامهم بتشييد بناء عالٍ، ورفعهم إبراهيم عليه السلام فوقه ليرموا به من هناك إلى النار التي أججوها، فلما علوا ذلك البناء ورموه منه إلى أسفل، عادوا هم الأسفلين لهلاكهم في الدنيا وسفول أمرهم في الآخرة، حيث أعلى الله تعالى إبراهيم عليه السلام عليهم فناسب التعبير عنهم بالأسفلين.

 النظرة الخامسة:

 

في قوله تعالى في الآية 60 من سورة البقرة:﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، وقوله تعالى في الآية 160 من سورة الأعراف: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ففي الآية الأولى قال: ﴿فَانفَجَرَتْ﴾، وفي الثانية قال:﴿فَانبَجَسَتْ﴾، والانفجار أبلغ لأنه يعني انصباب الماء بكثرة، أما الانبجاس فهو ظهور الماء ولو كان قليلًا، ولذلك أمرهم في آية البقرة بالأكل والشرب، وفي آية الاعراف أمرهم بالأكل فقط، والله أعلم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل