دورة الأترجة القرآنية - سورة الكهف -2

محاضرات دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة الكهف - 2

د. عصام العويد

تفريغ مجموعة من الأخوات الفاضلات جزاهن الله خيرا

(إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12))

قال الله U في مطلع سورة الكهف حينما ذكر تنزيل هذا الكتاب ذكر العلل والحكم من هذا التنزيل فقال I (قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ) 

فالحكمة الأولى: هي الإنذار (لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ) وهنا تنبّه أن غالب القرآن هو إنذار لا تبشير فحينما تريد أن تنظر إلى آيات القرآن وتوازن بين آيات البشارة فيها وآيات النذارة فيها ستجد أن آيات النذارة أكثر من آيات البشارة، بل إن آيات النذارة التي هي النار، الجحيم، التخويف، التهديد، ذكر الريح، الزلزلة، الخسف ونحو ذلك، آيات الوعيد في كتاب الله U حينما أحصيتها تبلغ ضعفي آيات الوعد الجميل منه سبحانه وتعالى، فالآيات التي فيها ذكر الجنة، الرحمة، إنزال الرزق، اللطف بالعباد، الرحمة في أمور دينهم فيما يخص المال والبنين، الرحمة فيما يتعلق بهم بعد النشر في يوم القيامة ونحو ذلك حينما تتأمل في هذه وتلك وتحاول أن تحصيها لتخرج بنسبة معينة ستجد أن آيات الوعيد تقارب الضعف من آيات الوعد الجميل وذلك أن الإنسان يصلحه التخويف أكثر مما يصلحه الرجاء. الناس فيما يتعلق بإصلاح نفوسهم، الخطاب الذي يناسبهم ويكون فيه نجاتهم ومصلحتهم في الدنيا والآخرة هو على ثلاثة أنواع :

- إما خطاب يتعلق بالحب وهو رأس العبادات، وهذا النوع من الخطاب مع أنه هو أجلُّ الغايات أي أنك تعبد الله U من أجل حبك له، ولكن الخطاب المتعلق بهذا النوع من العبادات قليل جدًا في الكتاب والسنة وذلك أن أكثر الناس لا يصلحهم هذا وإنما هذا من خاصةِ خاصة خلق الله U أنهم يعبدون الله حبًّا له، فيصلي محبة لله، يتصدق حبًّا لله، يسبِّح لأن الله U قد ملأ أركان قلبه، فهذا النوع هو أفضل أنواع العبادات الخطاب فيها قليل لأجل أن الناس لا يصلحهم هذا الخطاب في أغلبهم وإنما هذا كما ذكرت لك إنما هو من أحوال خاصة الخاصة.

- ثم بعد ذلك دونه خطاب الرجاء وهو كثير في كتاب الله وفي سنة الرسول e وفي كلام أهل العلم، لأن كثيراً من الناس يصلحه أن تقول له إذا فعلت كذا وكذا فلك كذا وكذا، صلي لتدخل الجنة، برّ بوالديك لترفع بالدرجات، جاهد في سبيل الله لتجد عند الله U ما وعدك على لسان رسوله e "للشهيد عند ربه ست خصال: مثلا، فهذا وعد جميل من الله وهذا يصلح فئة من الناس ليست بالقليلة، كبيرة،

ولكن أكثر من هذا بل هو الغالب على أحوال الناس أنه لا يصلحهم لا النوع الأول من الخطاب ولا النوع الثاني من الخطاب وإنما يصلحهم النوع الثالث:

- وهو خطاب التخويف والتهديد والزجر ثم قال (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا) وهذا لأجل ما سبق، ثم قال (مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا) والمكث هو طول المدة والمقصود هنا مدة لا تنتهي غير منقطعة تمامًا

ثم قال (وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا # مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ) هذه هي الغاية الثالثة من تنزيل القرآن: إنذار، بشارة، ثم عاد الإنذار مرة ثانية فيما يتعلق بعبادة الله U وتوحيده (وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) والذين قالوا اتخذ الله ولدًا هم ثلاثة أصناف من الناس:

- مشركو العرب حينما جعلوا الملائكة بنات لله U

- اليهود حينما جعلوا عُـزيرًا ابنًا لله

- والنصارى حينما جعلوا المسيح عيسى عليه السلام أيضًا جعلوه ابنـًا لله U

والله هنا يهدد هؤلاء بقوله (وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا # مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ)

فهذا الإدعاء حينما ادعوه في قضية عظيمة كبيرة جدًا، هم يقرّون بأن الله U هو الإله، الثلاثة هؤلاء كلهم يقرّون بأن الله هو الإله ولكنهم يجعلون مع الله آلهة أخرى، لا يجعلونها في قدره وإنما تقرِّب إلى الله زلفى، لا عُـزير ولا المسيح ولا الملائكة عليهم الصلاة والسلام جميعًا من يعبدهم يجعلونهم في مقام واحد مع الله، لا، وإنما يقربون إلى الله U. فالله هنا يقول حينما أقررتم بأني أنا الله سبحانه وتعالى، هو الله، فزعمتم بعد ذلك أن له ولد فكيف فعلتم ذلك؟ هل هذا بعلم أو بغير علم؟ فوصف الله عزّ وجلّ قولهم هذا بأنه (مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ) يعني جهل متراكب لسنوات طوال وهم يزعمون أن الله عزّ وجلّ جعل له الولد وكيف يليق بإله أن يجعل له ولداً؟؟ ولذلك يعني في القضية العقلية البدهية لو كان - تقدّس الله عزّ وجلّ عن ذلك - لو كان له ولد فهذا الولد إما أن يكون إله أو يكون مألوه، ليس هناك خيار ثالث أما أن يكون كالذي ولده إله، وإما أن يكون مألوه للذي خلقه فإذا كان إلهًا فكيف يكون كذلك وهو مخلوق؟؟ فإنه من المتيقن المجمع عليه بين كل العقلاء أن الإله لا يمكن أن يكون مخلوقـًا، الإله الذي تنتهي إليه الغايات لا يمكن بإجماع العقلاء أن يكون مخلوقـًا لأنه إن كان مخلوقًا فإن الذي خلقه هو أقوى منه فيتحكم فيه والإله لا يمكن أن يكون كذلك الإله الذي تنتهي إليه الغايات فلا يزعم العرب ولا اليهود ولا النصارى هذا الزعم. وإذا كان مألوهـًا فكيف يكون إلـهـًـا؟؟ إذا كان يعبد أو مخلوق فلا يصح أن يكون إلهًا فهو من جهتيه لا يمكن أن يكون إلهًا أبدًا. وقد جرى ذلك في كلام من جادل النصارى من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيّم وكثير منهم في نقاش عقلي بديع في هذا الجانب ولذلك في هذا الزمن الذي تكاثر فيه النقاش والجدال بين الناس عن طريق الإنترنت ووسائل الاتصال المعاصرة والقنوات ينبغي أن يتسلح المؤمن بمثل هذا. تسلح بالنقاش العقلي الذي يحاجّ به أولئك وهذا من دلائل القرآن البينة فإن الله في كتابه ناظرهم تارة بالعقل وتارة بالنقل وأهل العلم تبعـًا لما جاء في كتاب الله U.

قال بعد ذلك (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) كبرت كلمة، كبرت بمعنى ضخمت وعظمت. هذه الكلمة عظيمة وكبيرة في سوئها وجهلها، سوئها لأنهم ما تفكروا فيها، وجهلها أنها مناقضة للعلم كله مهما كان هذا العلم، مناقضة للعلم العقلي، مناقضة للعلم النقلي، مناقضة للعلم الفطري فهي مناقضة لهذه الأنواع الثلاثة من العلوم فيقول الله U كبرت، عظمت هذه الكلمة في سوئها وجهلها. ثم قال (كلمةً)، وكلمة هذه إعرابها: تمييز، ويخطئ من يعربها بغير ذلك وهي تمييز لمضمر، فتقدير الكلام (كبُرَت الكلمة كلمةً) هذا المضمر الذي حذف لأجل عدم الحاجة إلى ذكره هنا مُـيّز بقوله (كلمة)، ودلالة هذا التمييز معناه أي من جهة البلاغة (تمييز هذا عند النحويين حينما نقول تمييز فمعناه هذا الجانب الذي يتعلق بالنحويين) دلالته البلاغية هي التعجب، أي أنه سوء وجهل عظيم جدًا يتعجب منه كل من تأمل وتفكر ولو قليلاً فهذه دلالته من جهة البلاغة.

(كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا) هذه الكلمة التي خرجت، هل خرجت من عقول تدبرت؟؟ هل خرجت من قلوب تأملت؟؟ لا، وإنما خرجت من أفواههم من طرف اللسان يعني قضية عظيمة كبيرة جدًا في غاية الأهمية ثم إذا أراد أن يتكلم فيها إنما فقط هو أن يحرك لسانه وهذا دليل على جهل هذا المتحدث لأن الأمور العظام لا ينبغي أن تتحدث فيها من طرف لسانك وإنما ينبغي أن تديرها بذهنك وأن تعود إلى قلبك ثم يعود الكلام إلى لسانك فتتحدث عن تأمل ونظر بيّن ظاهر فالله U ليقول في نسبة الولد إلى إلهكم تكلمتم هكذا؟؟ هذا لا يليق أبدًا

ثم قال (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا) هذا قولهم، ما موقف النبي e قال I (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ) (فلعلك) جاء العتاب هنا إلى نبينا e عتابـًا رقيقًا لطيفًا، (لعلك)، هذه كلمة جاءت فيها شيء من العتب من الله إلى حبيبه محمد e وهذا العتب يتعلق بأي شيء؟ بالحرص الشديد على الدعوة. نبينا e كان من حرصه على هداية الناس يكاد أن يقتل نفسه، أن يهلك روحه صلوات ربي وسلامه عليه من أجل حرصه على هداية الناس، ومحبته للخير لهم وأن ينقلهم من الضلال والظلام إلى الهداية والنور فالله عزّ وجلّ عاتب نبيه محمداً e في هذه القضية وهذا تابع للقاعدة الربانية التي نطق بها محمد e كما في الحديث الصحيح "أعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقه". الدعوة عبادة، نعم!! لكن لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تتعدى هذه الدعوة حدودها وما جعله الله عزّ وجلّ لها. فالدعوة نعم، إحرص عليها، قم ونم أنت وإياها، كل واشرب من أجلها، عش حياتك داعيًّة إلى الله سبحانه وتعالى آمرًا بالمعروف ناهيًّا عن المنكر، ولكن إياك حتى في الدعوة أن تقصّر في حقِّ غيرك من أجل هذا الحق – حق الدعوة – فلا يجوز ذلك بأي حال من الأحوال فلا يجوز أن تقصّر في حق نفسك زعمًا أنك تدعو إلى سبيل ربك.

فنبينا هنا من شدة ما قرّ في قلبه من محبته لهداية الناس كاد أن يضرّ بجسده صلوات ربي وسلامه عليه، أن يهلك نفسه فأنزل الله عزّ وجلّ عليه هذا العتب، لا، ليس هكذا الدعوة، وإنما حدُّ الدعوة أن تحرص على هدايتهم دون أن يبلغ ذلك الضرر إليك أو إلى غير هؤلاء المدعوين. ما تضر بنفسك ولا بأهل بيتك ولا بجيرانك ولا بوالديك ولا بأحد من الناس من حولك ولا بوظيفتك وعملك، لا تضرّ بأحد من أجل دعوتك, وإنما أعطِ كل ذي حق حقه. فقال الله عزّ وجلّ له هنا (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ) لعلك مُهلِك هذا معنى باخع، البخع في اللغة هو الإهلاك والقتل فلعلك قاتل، مهلك نفسك يا محمد. وقد ذكر الزمخشري في كلام بديع له أن البخع في اللغة مأخوذ من البُخاع، و البُخاع هو: عرق في وسط الرقبة في آخرها إذا كنت تعرف موطن العمود الفقري، العمود الفقري فيه الحبل الشوكي هذا داخل العمود الفقري، لا، يجعلون هذا البخاع عرق يسير مع العمود الفقري في الجزء الأخير من هذا العظم من أعلاه، يسير من الرأس إلى أسفل الظهر. يقول والعرب تعرف ذلك هذا الزمخشري وهو حجة في اللغة، فيقول بأن القتل حينما يبلغ أشده في أحلك صوره إذا وصل إلى هذا البخاع، بمعنى أن بإمكانك أن تقتل إنسانًا تذبحه من هنا أو تذبح ذبيحة من هنا ولكن لا يبلغ هذا الذبح إلى عرق البخاع فيكون هذا قتلٌ ولكن ليس ببخع، فإذا بالغ الذابح في ذبحه ووصل هذا العرق قيل: بخع ذبيحته. فيقول الزمخشري بأن الله عزّ وجلّ استخدم هذا وهذا لا يُعرَف إلا في القرآن، هذا الاستعمال من مفترءات كتاب الله عزّ وجلّ لم يأتِ في شعر ولا نثر قبل هذا الكلام العربي العظيم المعجز الذي أنزله الله عزّ وجلّ أي هذا الاستخدام في هذا الغرض.

(فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) أسفـًا بمعنى حزنـًا، والأسف هو الحزن الشديد، فلعلك قاتل نفسك حزنـًا عليهم أن لم يهتدوا ولم يؤمنوا بدعوتك.

ثم يقول سبحانه وتعالى (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا) (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا) من قواعد لغة العرب أن الكلام إذا عُقّب بـ(إنّ) فإن فيه معنى التعليل، فالله عزّ وجلّ هنا لما ذكر ما سبق فيما يتعلق بالقرآن ومن كفر بما دلّ عليه هذا القرآن، ثم بما يتعلق بالنبي e وحرصه على إيصال القرآن قال بعد ذلك بجملة (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا) هذه الجملة كالتعليل لما تقدّم، لماذا هذا؟ لماذا أنزل الله U القرآن؟ ولماذا الإنذار؟ ولماذا البشارة؟ ولماذا يا محمد تبخع نفسك وأنت تدعو هؤلاء؟؟ قال الله (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا) كل ذلك من أجل علة، هذه العلّة هي ماذا ؟ أن الله U خلق هؤلاء وخلق الزينة التي جعلها لهؤلاء من أجل أن يبلوهم أيهم أحسن عملا (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا) فالعلة التي من أجلها خلق الله U الخلق وخلق الزينة للخلق هي أن يبلوهم أيّهم أحسن. "أحسن" تشمل أمرين:

أن يكون مخلَـصـًا لله وحده،

وأن يكون صوابـًا متبـِّعـًا للنبي e ..

فالأحسن في القرآن إذا أُطلق سواء هنا أو في غيرها من آيات القرآن كما في سورة تبارك وغيرها إنما يراد بها ما اشتمل على الأمرين: أخلصه وأصوبه، فلا تنشغل بالأول عن الثاني، بإخلاص العبادة دون علم كطريقة الصوفية في هذا الباب، ولا تنشغل بالثاني عن الأول كطريقة كثير من الفقهاء لو قلت له اشرح لنا كتاب الطهارة أو كتاب الحج أو كتاب الجهاد أو الحدود أو الطلاق لهذّه لك هذّا ولو سئل عن ألف مسألة لأجاب عنها بلا تردد فإن نظرت إلى عمله، إلى عبادته، إلى إخلاصه، إلى تسبيحه لله، إلى خشيته لله لن تجد شيئـًا فالأول جاهل والثاني جاهل، والأول مسيء والثاني مسيء وإنما المحسن هو من جمع بين هذين الأمرين (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا)

ثم قال I (وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا) هذا أيضـًا تعليل، لماذا الله U يقول لنا اتبعوا هذا القرآن، خذوا ببشارته واحذروا من نذارته ما السبب؟ أن الدنيا زينة ومعنى كونها زينة أي أنها ليست بحقيقة فهناك أمران يعيشهما كل واحد منا: هناك حقيقة نعيشها في حياتنا، وهناك زينة والله U أمـرنا أن نتمتع بهذين الأمرين أن نعتبر الحقيقة وأن نتمتع بالزينة ولم ينهانا سبحانه وتعالى عن الثانية لكنه أمرنا ألا – واسمعني جيدًا– ألا تضيّع الأولى بسبب شغلك بالثانية فانتبه للحقيقة وتمتع بالزينة فإذا عارضت هذه الزينة الحقيقة، قُـدّمت الحقيقة على الزينة فإذا توافقت الحقيقة والزينة فهي متاع المؤمنين في هذه الحياة الدنيا فتنبه لذلك فيما يتعلق بفهمك لأمور حياتك.

فالله هنا جعل ما على الأرض زينة من أجل أن تتمتع بها في ظل تلك الحقيقة، ثم قال I يبين لك لِمَ هذا ؟ تقول أنا خلق الله U لي المرأة الجميلة لِمَ لا أنظر إليها؟ لِمَ لا أتمتع بها؟ خلق الله عزّ وجلّ لي طعامًا جميلاً لذيذًا لكنه حرّمه عليّ فلِمَ يحرّمه مع لذته في المطعم؟! خلق الله عزّ وجلّ للناس أصواتـًا حسنة مطربة بديعة فلِمَ يحرّم الله U علينا أن نستمع إلى هذه الأصوات الجميلة الفاتنة، لِمَ لا أتمتع بها؟؟

فعلّل الله لك ذلك حتى ما تعيش باضطراب، حتى ما تكون في الحياة قلق وحزين أن ذاك يتمتع بزينة وأنت قد حرمت منها، لا، ذاك تمتع بزينة وترك الحقيقة مثله مثل من أعطي شرابًا وقيل له هذا الشراب من ألذ وأطعم ما يكون في الدنيا ولكن فيه سنتيمتر واحد سُمّ، وهذا السُمّ لا يقتلك مباشرة ولكن بعد أسبوع أسبوعين يبدأ المرض يعمل في جسدك ثم هي أشهر وتموت، فهو الآن ينظر في ماذا؟ في زينة هذا العصير الطعام اللذيذ وينظر في حقيقته، فالعاقل هنا يعتبر بالحقيقة التي مآلها الهلاك، الجاهل يعتبر باللذة فيقول أنا أشرب طيب ستموت يقول دعني أموت بعد شهر ما هي مشكلة فإذا جاء الموت والهلاك بعد شهر بعد ثلاثة أشهر فطن ذاك إلى جهله حينما أخذ الزينة وترك الحقيقة.

أنت هنا كيف تنظر إلى هذا الأمر بهذه الصورة، تركت نعم هذه اللذة الزينة من أجل أن الحقيقة هنا فاسدة فميزان الحياة عندك هنا هو هذا إذا اجتمعت الحقيقة والزينة فعضّ عليها فهذه لذة الدنيا والآخرة. امرأة جميلة وفي نفس الوقت ديّنة، احرص عليها وتزوجها واطرد وراءها، امرأة ديّنة وليست بجميلة إن لم تجد من يجمع بينهما فخذها وافرح بها، امرأة جميلة وفاتنة ليست متدينة أتركها هذه زينة خاوية من الحقيقة، وهكذا في كل أحوالك مال، جاه، مراكب، مساكن، ملابس، مشارب، مطاعم، قس حياتك الدنيا بهذا لتأمن من شر الفتن فهذه السورة هي سورة الأمان من الفتن, فقال الله عزّ وجلّ يبين لك عظم الحقيقة وبساطة الزينة فقال سبحانه (وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا) إذا كنت ما أدركت هذا في الدنيا فتأمله في الآخرة، متى تظهر الحقيقة كاملة وتنمحي الزينة ؟ في الآخرة. فيقول الله سبحانه وتعالى (وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ) تعليل آخر لك حتى تتفطن إلى اختيارك (مَا عَلَيْهَا) ما على هذه الأرض (صَعِيدًا) الصعيد هو: ما على وجه الأرض، ما على وجه الأرض يسمى صعيد، ولذلك يسمى التراب الذي تتيمم عليه صعيد، فكل ما على وجه الأرض مما هو من أصل خلقتها يسمى صعيد وفي أغلب استعمالات لغة العرب أن الصعيد لا يطلق إلا على الأرض المستوية، وهذا هو المراد هنا.

ثم وصف سبحانه وتعالى هذه الأرض بقوله (جُرُزًا) والجرز: هي الأرض التي لا تُنبت. فالله ينبهك هنا أن حقيقة الدنيا ستظهر في الآخرة، فكل زينتها المال والبنون كما ذكرها الله عز وجلّ في داخل السورة فقال (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) هذه الزينة التي تتلذذ بها في الدنيا كيف ستكون في الآخرة؟ لا شيء، انتهت. تزوجت أجمل النساء، أرصدتك فيها ملايين ومليارات الريالات، لا تركب إلا أفخم السيارات، لا تسكن إلا أكبر القصور، لا تأكل إلا ألذ الطعام، لا تشرب إلا ما تشتهي، يخدمك الناس من يمين ويسار إذا قمت قام الخلق معك وإذا جلست جلس الخلق معك، يحبونك يموتون في ذاتك، كل هذا سيفنى سيكون صعيدًا جرزًا مستوي تمامًا ولا كأن شيئًا حصل أبدًا اختلف ما كان عما حصل. وجرز غير منبتة، مالك الذي تمتعت به في الدنيا لن تستفيد منه ولا فائدة في الآخرة إذا كان في الدنيا، إما ستؤجر عليه وإما ستؤزر أما ما أكلت وأفنيت فذهب مع الدنيا. فنبّهك الله عز وجلّ صعيد  جرز كل شيء مالك زوجتك أولادك لباسك كل ما يتعلق بك هو جرز منقطع لا نبت فيه إلا ما كان لله جلّ وعلا. فتنبه أخي هذه هي الحقيقة التي يذكرها الله U إذا أردت أن تنجو من الفتن، لن تنجو من الفتن إلا بهذا النوع من الحياة بهذا النوع من فهم الأمور. لماذا بعض الشباب يفتح الإنترنت يدخل مواقع إباحية وحافظ للقرآن أو عارف إنها حرام ويسمع في خطب الجمعة والمحاضرات أن هذا ما يجوز ويعرف يقينًا أن نظرته إلى هذه الصورة محرمة أو جلسته مع الشباب في غيبة أو كذا وكذا لكن يفعل، لماذا؟ ما عرف وزن الحقيقة وما يقابلها من الزينة، فقدّم الزينة على الحقيقة لو فهم أول سورة الكهف لنجا من هذه الفتنة. هو الآن واقع بل منغمس في فتنة ولو فهم فهمًا صحيحًا لما وقع، ولكنه غاب عنه ما دلّ الله عليه في مطلع السورة فوقع في شيء من الفتن.

ثم قال I (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا) بدأ الله U في القصة الأولى من قصص سورة الكهف، وقد ذكر ابن إسحاق في السيرة وذكره أيضًا ابن جرير في تفسيره بإسناد فيه ضعف، أن سبب نزول هذه القصص في سورة الكهف أن كفار مكة جاءوا إلى اليهود وقالوا لهم إنكم قوم من أهل الكتاب تعلمون ما لا نعلم فحدثونا بشيء نسأل فيه هذا الرجل يعنون محمدًا e حتى نتبيّن صدقه من كذبه، فقال اليهود لهم: سلوه عن ثلاث فإن أجابكم فهو نبي وإلا فهو متقـوّل, قالوا: وما هي؟ قالوا سلوه عن فتية كانوا في الدهر، وسلوه عن ملك طاف في الأرض في مشارقها ومغاربها، وسلوه عن الروح. فجاء كفار مكة إلى رسول الله e فسألوه عن هذه الثلاث فحرصًا منه e على هدايتهم بادر، قال: أخبركم عنها غـدًا. ينزل علي جبريل u ويحدثني بها وأحدثكم وهذا من حرصه على هدايته الذي تجاوز به هو e ما شرعه الله له ولكن سرعان ما تنزّل الوحي في التأليم، وهذا هو ديدن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، يذنب الواحد منهم يخطئ ولكن الله U ينزّل عليه مباشرة ولا يُقـَرُّ على خطئه (عَبَسَ وَتَوَلَّى# أَن جَاءَهُ الأَعْمَى) سورة عبس وهنا كذلك فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ يا محمد، لماذا هذا الحرص جعلك تتقـوّل وتقول للناس أنا أخبركم غـدًا، وأين حكم الله؟ وأين حكمة الله؟ وأين أن تكل الأمر إلى الله يا محمد e ؟

كان هذا في بداية الوحي فنزلت تأديبًا وتربية للحبيب المصطفى، وسورة الكهف مكية باتفاق أهل العلم كما يقول ابن عطية فقال النبي e : أخبركم بها غـدًا، فجاء من الغد فلم ينزل الوحي – انظر كيف التربية هنا – وهذا لابد أن يعرف المربي كيف يربي من تحت يده، هذا الله عزّ وجلّ يربي نبيه e . جاء من الغد ينتظر جبريل ما نزل جبريل من اليوم الثاني ما نزل جبريل، فمـرّت خمسة عشر يومًا ما نزل الوحي على نبينا e ، فقال الكفار عن نبينا e إنه قد جهل ولم ينزل عليه الوحي. انظر كيف الآن الأمر يعني الله عزّ وجلّ كان بإمكانه أن ينزّل جواب هذه القصص ثم يقول لمحمد e لا تقل لهم هذا مرة ثانية، وإنما كِل الأمر إليه هذا كان بالإمكان، ولكن الله عزّ وجلّ لم يفعل ذلك، لأن التربية بالحدث هي من أعظم طرائق القرآن في تربية المصطفى e، التربية في زمن الحدث وهذا ظاهر بيّن وهو تابع لعلم بأسباب النزول، ولذلك تلحظ أن القرآن كان يربي النبي e ويربي الصحابة في الحدث مباشرة. ونزلت مثلا سورة الأنفال في هذا (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) ليست لكم لـِمَ تسألون عنها؟ الله هو الذي يحكم فيها I. وكثير من هذا العتب من الله U في زمنه في زمن وقوع الفعل.

ولذلك من أفضل وأكثر سبل التربية تأثيرًا هو التربية في زمن وقوع الخطأ لا أن يؤخر بزعم رحمة المتربي، بزعم أنه دعوها بعد يوم, يومين, ثلاثة، لا، وإنما في حينه نعم هي مؤلمة ولكن أثرها لا ينسى. ولذلك هنا الله عزّ وجلّ إختار هذا لنبيه e وقال له بعد ذلك (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا). ولذلك سبب النزول هذا وإن كان إسناده ضعيف إلا أن معناه قوي جدًا ومناسب لسياق الآيات وتتابع أهل العلم على ذكره في كتب التفسير بالمأثور فلا بأس من ذكره ولا بأس من الاعتماد عليه أيضًا في فهم هذه الآيات لهذين الغرضين: أن السياق يدلّ عليه، وأن أهل العلم قد تتابعوا على ذكره.

قال بعد ذلك سبحانه وتعالى (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا # إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) (أم حسبت) هذه فيها شيء من اللطافة فيها عتب لطيف، الله عزّ وجلّ يقول يعني هؤلاء الكفار وأنت يا محمد e ومن كان معك من المؤمنين هل ظننتم أن هذا أعجب ما أنزل الله عزّ وجلّ؟؟ ليس الأمر كذلك قصة هؤلاء الفتية عجيبة، ولكن أعجب منها أن الله عزّ وجلّ خلقنا من نطفة، أعجب منها أن الله عزّ وجلّ أنطقنا بعد أن كنا بكمًا، أن الله أسمعنا بعد أن كنا صمًّا، أن الله فتح عيوننا بعد أن كنا عميًّا، أعجب منها أنك كنت لا تدري عن شيء ولا تعرف كيف تشرب هذا الماء، وأنت في يومك الأول والثاني لو أن أمك جديدة بكر ما تعرف فجاءت بهذا الماء وقال: بني يريد أن يشرب ماءً ثم سقتك نصف كأس، بالله عليك ماذا سيكون من حالك؟ ستموت! فمن الذي علمك أن تفتح فمك فتحة صغيرة وترضع من ثدي أمك رضعة تناسب حجمك، وتحرك فكيك من أجل أن تمص الحليب من صدر أمك؟؟ إلا الله عزّ وجلّ I ، هذا أعجب! من الذي خلق هذه السموات لا نرى فيها عوجًا لا نرى فيها فطور؟ من الذي زيّن هذه الأرض؟ ومن؟ ومن؟ ومن؟ هذه كله أعجب من قضية قصة جرت في الدهر الغابر.. فيقول الله عزّ وجلّ العجب منكم ليس من هذه القصة! (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا) هم عجب ولكن غيرها من الآيات ، أعجب بكثير ولذلك قال الله عزّ وجلّ لمحمد e لا تحرص عليهم كثير ليس كل ما طلبوا منك تبادر إليهم ليس كلما قالوا لك هات آية قلت يا رب أنزل لي آية، وهذا ليس له هو e ولكن لنا أيضًا وجاءت تربية القرآن بهذا في مواطن كثيرة من القرآن .

 


 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل