بلاغة آية وحديث - الحلقة 38 - (وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين)

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 38

الآية المختارة في هذه الحلقة هي قول الله سبحانه وتعالى في سورة النحل (وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴿٥١﴾) اشتملت هذه الآية العظيمة على تراكيب بديعة جدًا في نظمها، في معناها، في جرسها، في ألفاظها، في فحواها، في دلالاتها، قال الله سبحانه وتعالى (وَقَالَ اللَّهُ) بمعنى نصّ الآية فيها قول الله (وَقَالَ اللَّهُ) القرآن كله قول لله سبحانه وتعالى ولكن هنا مزيد فقال الله سبحانه وتعالى (وَقَالَ اللَّهُ) بمعنى انتبهوا إن هذا الأمر الذي سأخبركم عنه الآن هو قول الله، الله الذي قال (وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ) القضية كبيرة، القضية عظيمة، القضية خطيرة ولذلك قال الله فيها (وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ) من الخطأ البيّن الواضح أن يتخذ الناس إلهين اثنين بدل ما يكون إلهًا واحدًا وهو الله سبحانه وتعالى، لا تتخذوا إلهين اثنين طبعًا فأكثر، ولا أكثر من إلهين اثنين ولكن الذي نهوا عنه أن يتخذوا إلهين اثنين من باب الأولى أن يتخذوا ثلاثة وأربعة إلى ما حد له كما يفعل الوثنيون المشركون الكفار عندما يتخذون إلهين اثنين أو أكثر مع الله سبحانه وتعالى.

لماذا جاء الفصل هنا بعد هذه الجملة بجملة أخرى (إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) الكلام والله أعلم كما يذكر علماؤنا في علم البلاغة، في علم المعاني منه على وجه التحديد عندما يقولون: شبه كمال الاتصال الكلام مقدّر الآن على أنه تقدير لجواب عن سؤال ناشئ متوقع هو: لماذا لا يتخذوا إلهين اثنين؟ فجاء الجواب (إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ). الآية في ترتيبها الطبيعي والله أعلم كان يمكن أن تنتهي بقوله: "قال الله لا تتخذوا إلهين إنما هو إله واحد فإياه فارهبوا" لأن الحديث عن الله بضمير الغائب الآن ولكن الله تعالى قال في ختامها (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) خافوا مني أنا أيها المتحدث وهو الله سبحانه وتعالى فإياي فارهبون بمعنى خافوا مني يا أيها القوم ولا تخافوا من غيري، لا تخافوا إلا مني الذي نهيتهكم الآن عن أن تتخوا إلهين اثنين، هنا ما يسميه علماؤنا الأجلاء الالتفات كأنه والله أعلم لو أتينا بكلام آخر عام قال شخص لآخر، أمير، حاكم، ملك، أيّ شخص ممن يخيفون الآخرين قال فلان: لا تفعلوا كذا ولا تفعلوا كذا ولا تفعلوا كذا ولا تخالفوا وخافوا مني أنا الآن ولا تتحركوا ولا تعملوا أعمالًا لا تليق موجود من ينهى وهو أنا، لا تخافوا، لا تفعلوا، لا تعملوا هذه الأعمال، لأنني أخيفكم أنا ايها المتحدث من هذه الأمور فيه ترهيب على طريقة المواجهة أشد الترهيب لأنك إذا واجهت من يخالفك كان العتاب أقوى وأشد وأنكى من كونه عن طريق الغائب عافانا الله وإياكم مما يقع فيه كثير من الناس من الإشراك بالله سبحانه وتعالى، من التعدي عليه، من عدم التوقير، جعلنا الله وإياكم ممن يحقق التوحيد في حياته ويتوفاه الله على التوحيد الذي هو الختام الخير لكل من يرجو الخير يوم القيامة.

بلاغة حديث

وقفاتنا البلاغية مع آخر ما جاء في الحديث الطويل الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: الحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

هنا يقول النبي صلى الله عليه وسلم "والقرآن حجة لك أو عليك " يذكر العلماء رحمهم الله أن في هذا الحديث نوعًا من أنواع البلاغة وهو الطباق والمقابلة بأن يأتي معنى ويأتي ما يقابله من معنى آخر هو ضده وهذا في لفظ موجز بليغ قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: والقرآن حجة لك أو عليك، معناه إن تلوته وعملت به وأحللت حلاله وحرمت حرامه وعملت بمحكمه وآمنت بمتشابه فالقرآن حجة لك وأما – لا قدّر الله وكفانا وإياكم الشر – إذا الإنسان تلا القرآن ولم يعمل به أو خالفه فكما قيل: كم قارئ للقرآن والقرآن يلعنه! عافانا الله وإياكم. إذن قوله صلى الله عليه وسلم "والقرآن حجة لك أو عليك" فيه من البلاغة ما فيه.

 وقوله صلى الله عليه وسلم "كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها" بمعنى أن الناس ينقسمون في حالهم ومآلهم إلى قسمين اثنين: إما النجاة والعتق وإما –عافانا الله وإياكم- أن يكون من الموبقين لأنفسهم كما قال الله جل جلال الله (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١١١﴾ التوبة). ففي هذا الحديث بيان أن الناس أيضًا ينقسمون إلى طائع لربه، طائع للرحمن، مطيع لله سبحانه وتعالى فيكون مُعتقًا نفسه من رقّ غير الله سبحانه وتعالى، وهناك من يجعل نفسه رقيقًا مملوكًا بيد الشيطان، يأمره الشيطان فيطيعه، يغويه الشيطان فينجرّ معه، يبعده الشيطان عن طاعة الرحمن فيسير كما يسير بلا هدف ولا تركيز على ما يريد عافانا الله وإياكم ورزقنا وإياكم الإيمان الكامل ورزقنا وإياكم حسن الختام ونسأل الله أن يجعلنا ممن يتدبر بهذا الكتاب العزيز وسنة النبي صلى الله عليه وسلم. 




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل